نفع الغير رحمة:

إن المزج بين الرحمة واللين، والبر والحكمة، والرزانة والتريث، والصبر والأناة وطول النفس، مع الاتهام الدائم لهذه النفس، والتبرؤ منها ومن نزغاتها، منبع مهم لانتشار الأعمال المتعدية إلى الناس، كل الناس، قال رسول الله الله صلى اله عليه وسلم: “أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ، أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ – يعني: مسجدَ المدينةِ – شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه، ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له، ثبَّتَ اللهُ قدمَيْه يومَ تزولُ الأقدامُ” 1.

وكأن هذا الحديث يرسخ لدينا جميعا أن اجتهاداتنا الفردية: من صلاة وحج وعمرة وذكر وما والاه، لا يرقى في الفضل ـــ ونيل محبة الله ــــ إلى الأعمال المتعدية إلى الغير، والسعي في قضاء حوائج الناس، وإنصافهم، وإيصال النفع إليهم، وكف الأذى عنهم، فعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: “من كَانَ وصلَة لِأَخِيهِ الْمُسلم إِلَى ذِي سُلْطَان فِي مبلغ بر أَو تيسير عسير أَعَانَهُ الله على إجَازَة الصِّرَاط يَوْم الْقِيَامَة عِنْد دحض الْأَقْدَام” 2.

فعين حقيقة الرحمة إذن هي إرادة المنفعة والخير للناس، وعين الشقاوة والعياذ بالله، هي إرادة الشر والمكروه وعدم النفع للغير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يرحم الله من لا يرحم النَّاس” 3، وقال كذلك: “لا تنزع الرَّحْمَة إلَّا من شقيٍّ” 4، ولا يشقى الشقي حين يشقى إلا حينما تذهب إرادته فيريد المكروه لغيره، وإن هو فعل، ذهبت عنه حلاوة الإيمان، إن لم أقل ذهب عنه الإيمان، لأن الرَّحمةَ والشَّفقةَ على خَلقِ اللهِ سَببٌ لِرحمَتِه تعالى، فمَن حُرِمَ ذلك فهو شقي.

الرحمة صلاح للجماعة:

أعطى المصطفى صلى الله عليه وسلم الأسوة بنفسه، وجعل الرحمة تسري بين أصحابه، فكان أرحم الناس بالصغير والكبير والذكر والأنثى والجماد والحيوان، وهبه الله قلبا يحن على المسكين، ويرحم الضعيف، ويتجاوز عن المخالف، ويغض الطرف على معلوم النفاق… وقد قيل له في ذلك، فقال: أتريدون أن يقال: إن محمدا يقتل أصحابه؟ قال أحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: “كُنَّا مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: يا لَلأَنْصَارِ، وَقالَ المُهَاجِرِيُّ: يا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: ما بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ: دَعُوهَا، فإنَّهَا مُنْتِنَةٌ فَسَمِعَهَا عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ فَقالَ: قدْ فَعَلُوهَا، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ. قالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هذا المُنَافِقِ، فَقالَ: دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.” 5

طالع أيضا  الدعوة الإسلامية بين التضييق والحصار والتمكين والانتصار

وانظروا إليه صلى الله عليه وسلم وقد جلس الشاب بين يديه يستأذنه في الزنا، وتمثلوا الرجل الذي تأبط سيفه يريد قتله، بل انظروا حاله كيف دخل مكة يوم الفتح مطأطئا رأسه وهو يرد على من قال: اليوم يوم الملحمة، بل اليوم يوم المرحمة، مناديا في العشيرة والمعارضين بالأمن والأمان، والرحمة والسلام.

لم يكن ذلك عبثا، بل كان حرصا على رص الصف وبناء الجماعة المؤمنة الأولى، ولولا ذلك لتشتتت، ولو تشتتت ما وصلنا هذا الدين صافيا نقيا، وقد كان من أشرف صفات هذه الجماعة: المرحمة، بعد الإيمان وكبح الصفات الشهوانية، لأنها ملاك صلاح الجماعة الإسلاميَّة 6، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادِّهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضو، تداعى له سائر جسده بالسَّهر والحمَّى” 7، وقال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح: 29]، يتلقون الخطاب الرباني: ياأيها الذين آمنوا بنية الاستجابة والتنفيذ.

ولم تكن هذه المرحمة سلوكا عابرا، بل كانت تواصيا يوميا، ولا يوصي بها إلا من عرف قدرها وعظيم فضلها، وصدق القائل: “كن رحيمًا لنفسك ولغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذَّليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب النَّاس من رحمة الله أرحمهم بخلقه، فمن كثرت منه الشفقة على خلقه، والرَّحْمَة على عباده، رحمه الله برحمته، وأدخله دار كرامته، ووقاه عذاب قبره، وهول موقفه، وأظله بظله إذ كل ذلك من رحمته” 8.

الرحمة تحرير للمبادرة:

من الأخلاق التي تعوزنا في زمننا وواقعنا أن يتملك الإنسان نفسه ويلجمها ويصبر ويصابر ويثابر، وهي صفات مطلوبة في حق الفرد، لكنها في حق الجماعة أولى، خاصة إذا كانت هذه الجماعة في طور بناء دعائم بيتها، وتأمل أن يكون في المستقبل بيت الأمة المكين، ومأواها الرحيم، بمبادئه وثوابته القرآنية النبوية، وأهدافه ومقاصده وغاياته المستقبلية، المحددة المضبوطة.

ولن يستقيم بنيان كهذا في ظل عزوف العامة والخاصة عن المساهمة فيه، أو حمل أثقاله وأعبائه مع الحاملين، فانخراط كل ساكنيه، كل من موقعه وتجربته أمر واجب، لكن الاستمرار في الحمل، والاجتهاد بالرأي والنفس والنفيس، لن يتم إلا بوجود القائد ذي القلب الحاني واللسان الباني، يمنع صدور عمل أهوج من هنا أو هناك، قد يهدم البناء على أهله، ويعيد الجميع إلى نقطة الصفر.

لا يخفى تشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة على المبادرة وبذل الوسع في كل الأمور الاجتهادية، إلا ما كان وحيا، بل كان يوصي من يتولى أمر المسلمين بالشفقة واللين والرفق، ففي رواية قال: “إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي على الرفق مالا يعطي على العنف ومالا يُعْطِي عَلَى سِوَاهُ” 9، بل كان صلى الله عليه وسلم يردد، ولا زال يردد على مسامعنا: “إن الله يحب الرفق في الأمر كلّه” 10، وروى مسلم وأبو داود رحمهما الله عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يُحْرَم الرفق يُحرم الخير كله» 11، وهو بين هذا وذاك لم يكن صلى الله عليه وسلم “فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا” 12.

طالع أيضا  الهجرة النبوية: تخطيط وتدبير

و“أصل الْفُحْشِ الزِّيَادَةُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الْحَدِّ قَالَ الطبري الفاحش البذيء قال بن عَرَفَةَ الْفَوَاحِشُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْقَبَائِحُ قَالَ الْهَرَوِيُّ الْفَاحِشُ ذُو الْفُحْشِ وَالْمُتَفَحِّشُ الَّذِي يَتَكَلَّفُ الْفُحْشَ وَيَتَعَمَّدُهُ لِفَسَادِ حَالِهِ قَالَ وَقَدْ يَكُونُ الْمُتَفَحِّشُ الَّذِي يَأْتِي الْفَاحِشَةَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا” فِيهِ الْحَثُّ عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَبَيَانُ فَضِيلَةِ صَاحِبِهِ وَهُوَ صِفَةُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْلِيَائِهِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ مُخَالَطَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ وَالْبِشْرِ” 13.

يعدد الإمام المجدد رحمه الله تعالى عند الإمام البخاري رضي الله عنه في صحيحه في «كتاب الأدب» أبوابا “متساوقة تخط صراط اليسر والرفْق والتؤدة” 14، من ذلك: «باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا» 15، و“إِنَّمَا جَمَعَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بَيْنَ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى يَسِّرُوا لَصَدَقَ ذَلِكَ على من يسر مرة أو مرات وَعَسَّرَ فِي مُعْظَمِ الْحَالَاتِ فَإِذَا قَالَ وَلَا تُعَسِّرُوا انْتَفَى التَّعْسِيرُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ”. 16

ثم «باب الانبساط إلى الناس»، وكذلك «باب الـمُدَاراةِ مع الناس»، ثم بعد ذلك، وليس قبله يأتي الحديث عن «باب لا يُلدَغ المؤمن من جحر مرتين»، ذلك لمكانة اليسر والرفق والرحمة و”التَّبْشِيرِ بِفَضْلِ اللَّهِ وَعَظِيمِ ثَوَابِهِ وَجَزِيلِ عَطَائِهِ وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ” 17 و”ليعلم القارئ في السُّنَّة أن ذلك الـمُيَسِّر الـمُبَشِّر الرفيق المنبسط إلى الناس الـمُدَارِي لهم في غاية الحيطة، ليس رِفْقُه من قبيل رخاوة المغفلين.” 18

توصية:

مما قد يُتأسف له عبر تاريخ الأمم، عزوف الطاقات والكفاءات المتخصصة وغير المتخصصة عن المشاركة في الأعمال العامة، إما بسبب خوف من ذي سلطان جائر، أو بسبب الحرص على مصلحة دنيوية زائلة، أو قمع أو عنف، أو فحش، أو بذاءة لسان من قائد جبار، كان يحسب أن غلظته وجفاءه وخشونته، وعبسة وجهه وتسلطه واستبداده، قد يحفظ البناء، لكنه في حقيقة الأمر يعطل المبادرات، ويورد المهالك، فينفض الجميع من حوله.

لذلك، كان من بين الشعارات التي رُفعت في حقل الدعوة في العقود الأخيرة، ولا ينبغي قطع رفعها: اكتشاف الطاقات وتحرير المبادرات، وهي تقرأ من جهتين، فلا مبادرات بدون اكتشاف الطاقات، وإن هي اكتشفت يجب تحريرها وإبلاغها مأمنها، بعد ذلك توتي أكلها كل حين بإذن ربها.

ولنقرأ جميعا هذا التوجيه البليغ من الإمام المجدد رحمه الله، يدعونا فيه إلى تجديد قراءتنا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: “نقرأ نحن السنة قراءة جهادية، اليُسْرُ من صلبها في العبادة الفردية كما هو في العلاقات بين الناس. والتنطع هَلَكَةٌ، سواء في ترك إتيان رُخَص الله لعباده في التيمم والتقصير بشروطهما، وفي التعسير والتنفير بَدَلَ التيسير والتبْشير.

طالع أيضا  في ظلال العشر | تجليات فضل الله على عباده مع الأستاذ مولاي أحمد العلوي

والحكمة المرجُوُّ من الحق عز وجل أن يلهمها جنده تتمثل في التنسيق بين الـمَضَاءِ بعزيمة في إبطال الباطل وإحقاق الحق وبين الترفق والتسكين والتدريج. لا يُؤتِي الحكمةَ إلا هو سبحانه. ضراعتنا إليه أن يهدينا الصراط المستقيم، وهي خيرُ الدين، وسِمَتُها اليُسر. واليسر فضيلة بين رذيلتين، واعتدال بين تطرفين: تطرف اللين الضعيف، وتطرف التنطع العنيف” 19.

  


[1] المنذري، والترهيب من الحديث الشريف، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1/1417، ج: 3، ص: 266، الحديث رقم: 3985.
[2] الترغيب والترهيب، ج: 3، ص: 265، الحديث رقم: 3979.
[3] البخاري، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى/ 1422هـ، ج: 9، ص: 115، الحديث رقم: 7376.
[4] التبريزي، مشكاة المصابيح، كتاب الآداب، باب الشفقة والرحمة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي -بيروت الطبعة: الثالثة، 1985، ج: 3، ص: 1387، الحديث رقم: 4968.
[5] النووي، كتاب شرح النووي على مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، دار إحياء التراث العربي -بيروت الطبعة: الثانية، 1392، ج: 16، ص: 138. 
[6] محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر -تونس: 1984 هـ، ج: 30، ص: 361.
[7] البخاري، صحيح البخاري، م س، ج: 8، ص: 10. الحديث رقم: 6011.
[8] شمس الدين السفيري، المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم من صحيح الإمام البخاري، تحقيق: أحمد فتحي عبد الرحم، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة: 1/ 1425 هـ / 2004 م، ج: 2، ص: 50.
[9] النووي، ج: 16، ص: 145.
[10] نفسه، ج: 14، ص: 144.
[11] النووي، ج: 16، ص: 145.
[12] نفسه، ج: 15، ص: 78.
[13] نفسه، ج: 15، ص: 78.
[14] نفسه، ج: 12، ص: 41.
[15] نفسه، ج: 12، ص: 41.
[16] نفسه، ج: 12، ص: 41.
[17] نفسه، ج: 12، ص: 41.
[18] ياسين عبد السلام، الإحسان 2، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، الطبع: 1/1998م، ص: 319.
[19] نفسه: 2، ص: 319.