بقلم: بوجمع بوتوميت                                                               

  إن احتكار العنف المشروع، مسألة تدخل في صلب اختصاصات الدول، ويشكل احتكار الدولة للعنف المشروع نقاشا إشكاليا لأسباب منهجية وأخلاقية وقيمية وقانونية، لهذا يميز الباحثون بين العنف المشروع الضروري للدولة في إطار تحقيق التوازن المطلوب بين الواجبات والمصالح المتناقضة للمواطنين، بموجب تعاقد يتنازل بموجبه المواطنون للدولة عن بعض حقوقهم، في سبيل تنظيم المجتمع وحماية النظام العام للمجتمع، إلا أنه أثناء استعمال الدولة لهذا الحق الأصيل، فإنها تصطدم بحقوق طبيعية للمواطن لا يجوز انتهاكها أو المساس بها، مما يضعها أمام إشكالية علاقة العنف بالمشروعية، والحرية وحقوق الإنسان، لهذا فإن تشريعات الدولة المعاصرة نصت في أغلبها على عدم السماح لأجهزة الدولة والساهرين على تطبيق القانون بها بعدم السماح باستعمال القوة المفضية إلى العنف إلا في حالات الضرورة التي تؤطرها وتحددها وجوبا النصوص القانونية بشكل دقيق، وتتماشى مع الاحترام التام لمقتضيات المواثيق الدولية التي تسمو على القوانين المحلية للبلد، وصادقت عليها الدولة وكيّفت تشريعاتها المحلية وفق مقتضياتها.

    وإذا كان رجل السلطة في المغرب هو المكلف بتطبيق القانون لحماية أمن المواطن في مجاله الترابي، فماهي حدود صلاحياته في استعمال العنف أثناء ممارسة مهامه الضبطية والإدارية؟ وماهي تصرفاته في حق المواطنين التي تعتبر مخالفة أو جريمة يعاقب عليها القانون؟ وما مدى سلامة اعتماد العنف في تدخل رجال السلطة العامة من الناحية القانونية والأخلاقية القيمية؟

     إن اللجوء للعنف من قبل رجال السلطة في حق المواطنين لا يعتبر جريمة في حق الفرد فقط، بل هو جريمة في حق دولة الحق والقانون، لأن تعنيف المواطنين من طرف رجال السلطة العامة يعتبر أمرا جسيم الخطورة، لكونه يشكل مسّا واعتداء على أحد أهم حق من حقوق الإنسان، ألا وهو السلامة البدنية للأشخاص، إضافة إلى أنه يشكل اعتداء وإهانة لكرامة الإنسان، التي هي غاية كل التشريعات السماوية والأرضية، وقد يتطور في حالة المبالغة في العنف إلى المس بحق الحياة، كأسمى حق من حقوق الإنسان الكونية. ومن هذا المنطلق، يعتبر الدستور المغربي لسنة 2011 بأن استعمال رجل السلطة للعنف في حق المواطنين يمس بأمن المجتمع ككل، لأنه يطال الأمن القانوني، الذي يعتبر من أهم ركائز وثوابت السلم الاجتماعي. إذ كيف يستقيم حفظ أمن الأفراد واستقرار أوضاعهم ومراكزهم القانونية، في بلد لا تعطى فيه حرمة للقانون؟ بل كيف يحفظ النظام العام وعناصره التقليدية من أمن وصحة وسكينة عامة، دون أن يكون رجل السلطة هو أول المنضبطين لمقتضيات هذا القانون؟ وهل يحفظ القانون ويحافظ على نفاذه من يعتدي على حقوق طبيعية أصيلة للأفراد، وعلى رأسها حقهم في الإحساس بالأمن على أنفسهم وممتلكاتهم وأعراضهم؟

طالع أيضا  جَاءَ الْبَشِيرُ بِشَهْرِ الصَّوْم

     وتكمن أهمية الأمن القانوني في إحساس الأفراد بالاستقرار والثقة في قوانينهم، ولا يمكن أن يحسوا بهذه الثقة في القوانين أو حتى في المؤسسات الساهرة على تطبيقه، إن كانوا يرون القانون يخرق على يد رجل السلطة الذي يمثل هذا القانون ويمثل هاته المؤسسات، وأنى للمواطنين بهذه الثقة، وهم يرون من يخرق القانون لا يعاقب بالجزاء المترتب عن مخالفته له؟ أو يرون القوانين لا تطبق بشكل سليم على عموم المواطنين؟ أو تطبق على بعض دون آخر؟ وكيف يسمى القانون قانونا إن لم يكن مقترنا بجزاء على مخالفته؟

      إن استعمال العنف من لدن رجل السلطة في حق المواطن حتى وإن كان هذا الأخير مخالفا للقانون، يشكل استهتارا بالقانون، وعدم تطبيق له، تترتب عليه عقوبات جنائية، قد تصل إلى درجة تجريد رجل السلطة المخالف من الحقوق الوطنية، خاصة إن كانت مخالفات المواطن لا تبلغ درجة الخطورة الموجبة لاستعمال القوة، لهذا وحتى لا يصبح استعمال رجل السلطة للعنف بغير حدود فإن المشرع قيد هذا الاستعمال و رتّب على تجاوزه جزاءات جنائية قد تبلغ درجة التجريد من الحقوق الوطنية، حيث نص القانون الجنائي المغربي في الفصل 225  منه على أن: “كل قاض، أو موظف عمومي، أو أحد رجال أو مفوضي السلطة أو القوة العمومية يأمر أو  يباشر بنفسه عملا تحكميا، ماسا بالحريات الشخصية أو الحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر يعاقب بالتجريد من الحقوق الوطنية …”، ولا تقتصر العقوبة الجنائية على رجل السلطة المرتكب للجرم، بل تتعداه إلى كونها تطال حتى من أصدر له الأمر باستعمال العنف، بغض النظر عن درجة مسؤوليته الإدارية أو الضبطية، وهو ما ينص عليه الفصل 231 من القانون الجنائي  الذي جاء فيه : “كل قاض، أو موظف عمومي، أو أحد رجال أو مفوضي السلطة أو القوة العمومية يستعمل أثناء قيامه بوظيفته أو بسبب قيامه بها، العنف ضد الأشخاص أو يأمر باستعماله بدون مبرر شرعي، يعاقب على هذا العنف على حسب خطورته طبقا لأحكام الفصول من 401 إلى 403، مع تشديد العقوبة على النحو الآتي : “اذا كانت جنحة، فإن العقوبة تكون هي ضعف المقررة لتلك الجنحة”، كما اعتبر المشرع المغربي الشطط والعمل التحكمي والعنف الممارس من قبل رجال السلطة في حق المواطنين، جناية وليس مجرد جنحة، وهنا تبرز لنا خطورة هذه الأفعال المخالفة للقانون.

طالع أيضا  الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان تعقد لقاءها الدوري وتتدارس الوضع الحقوقي

       وفيما يتعلق بالركن المادي لهذه الجريمة الذي بموجبه تصبح الجريمة ثابتة فقد حددها المشرع في: “كل عمل تحكمي، وكل عنف غير مبرر قانونا”، والعمل التحكمي هو “كل عمل اعتباطي لا يرتكز على أساس قانوني يبرره” والتبرير لا يكون إلا بالاستناد إلى القانون وقانون المملكة لا يبرر ذلك أبدا.

         وحتى وإن كان المشرع منح في إطار مهمة الضبط الإداري للسلطة إمكانية اللجوء للقوة المادية، فإن هذا الأمر يعتبر استثناء ومقننا جدا، بل ومقيدا بشرطي: الضرورة ووجود نص قانوني، وليس أي نص بل نص قانوني خاص وصريح، عملا بالمبدأ القانوني المعتمد في القانون الجنائي “لا عقوبة إلا بنص”،  وهنا يشير البند الأول من الفصل 124 من القانون الجنائي إلى أنه: “لا يباح للسلطة الشرعية أي فعل عنف أو قوة مادية في حق مواطن إلا إذا كان منصوصا قانونا على أن هذه القوة أو العنف مباح لها، و لا يجوز أن تتخذ هذه القوة المادية المستعملة من رجل السلطة المسموح بها استثناء أي شكل كان، بل يجب أن تتخذ الشكل المناسب مع خطورة الجرم المرتكب، وخطورة مقاومة المجرم”.

         وإذا أردنا أن نضرب مثالا لشطط رجل السلطة في استعماله للعنف في حق المواطنين، فإنه يمكننا القول بأن صفع المواطنين أو ركلهم أو لكمهم من قبل رجل سلطة بدون إنذارهم، وبدون أي وجه حق، وبدون استناد على أي نص قانوني، هو حالة من حالات الجنايات التي ينص عليها الفصلان 225 و231 المذكورين سابقا، اللذان يحددان العقوبة الجنائية في حق رجل السلطة المرتكب للعنف في عقوبات قد تصل إلى درجة التجريد من الحقوق الوطنية.

        إن مفهوم دولة الحق والقانون، يقتضي أول ما يقتضيه احترام الدولة لمقتضيات المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، خاصة البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة…، التي وقّع عليها المغرب سنة 2014 هذه المواثيق والاتفاقيات التي نصت ديباجة الدستور المغربي لسنة 2011 على احترامها وسموها على التشريعات الوطنية.

    وفي نفس السياق، أورد المشرع الدستوري في الفصل 21 من دستور 2011 عبارة: “… تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع”.

      وجاء في الفصل 22 من الدستور المغربي 2011 أنه: “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة. ولا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية… “.

طالع أيضا  باحث: ازدراء أئمة المساجد والحط من قيمتهم الاجتماعية يجعل الأمن الروحي للمغاربة في خطر

     ويثير الفصل 23 الانتباه إلى ضرورة تقيد رجل السلطة أثناء ممارسته لمهمة الضبط القضائي باحترام الضوابط والإجراءات القانونية حيث نص على أنه “لممارسة السلطة القضائية ومهام الضبط القضائي إجراءات قانونية يجب احترامها، ومحرم ومجرم عدم التقيد بها.”

  وبهذا الاعتبار الدستوري والقانوني الجنائي الذي يحتاج لأن يجد له امتدادا حقيقيا في الواقع حتى لا يبقى حبرا على ورق، وتماشيا مع توجهات منظومة السياسة الجنائية للدول الديمقراطية، فإن رجال السلطة المفروض فيهم أن يكونوا كما أرادت لهم التشريعات الدولية والمحلية رجال أمن، لا رجال تخويف وترويع للمواطنين. كما أن البنية التنظيمية والهيكلية والقانونية والثقافية التي تؤطر رجال السلطة يلزم أن تغرس فيهم الاحترام التام للمواطنين والانضباط اللازم للقانون، باعتبار ذلك هو الوجه والاختبار الحقيقي لشعار دولة الحق والقانون ودولة المؤسسات.

إن تصرفات رجال السلطة في علاقتهم بالمواطنين لها أبعاد نفسية وأمنية على هؤلاء، وسلوك رجل السلطة هو الذي يغرس الأمن القانوني والثقة في الإدارة والمؤسسات، ويحافظ على السلم الاجتماعي، ويجلب النفع للخزينة العامة إذا كان سلوكا يؤطره القانون، أما إذا كان سلوكهم محكوم بالمزاجية، والشطط في استعمال السلطة، والتعامل بالازدواجية في المعايير تجاه المواطنين أثناء ممارسة عملهم سواء بصفتهم الإدارية أو الضبطية، فعلى النظام العام السلام، وعلى الدولة السلام، وبالتالي فلا أمن ولا تنمية ولا استقرار.

 خلاصة: إذا كانت القوانين الأرضية لم تغفل ضرورة احترام كرامة الإنسان، وصيانة حقوقه من أجل استمرار العنصر البشري واستقراره على وجه الأرض، للانتقال من حالة الفوضى إلى حالة السلوك المدني والاستقرار، فإن الله تعالى كرم هذا الإنسان، ونهى عن الإعتداء عليه أو المشقة عليه حسا أو معنى، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيما رواه الامام مسلم: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فأرفق بهم فأرفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فأشقق عليه.”