اعتبر الأكاديمي والأستاذ الجامعي الدكتور عمر إحرشان أن موجة الغلاء التي أثارت سخط المجتمع المغربي في هذه الآونة “فضحت المخزن باعتباره نظاما سياسيا يرفع شعار الدولة الاجتماعية”، موضحا أن هذا الشعار بينت السياسة المعتمدة طيلة هذه الفترة المصاحبة للموجة أنه “مجرد شعار للاستهلاك”.

الحكومة ليس لها أي استراتيجية في مجال المحروقات

وشدد عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، في مقابلة “ثلاثة أسئلة” نشرتها قناة الشاهد قبل أيام، على أننا “نحن دولة منسحبة متفرجة على مآسي المواطنين”.

وأضاف قائلا “وبالمقارنة رأينا دولة هي قمة في النيوليبرالية مثلا في هذين الأسبوعين هي أمريكا، حيث أعلن بايدن أن البلد في حالة خطر داهم ويمكن أن يعلن حالة الطوارئ ويأمر شركات البترول أن تراعي مصالح المواطنين في أرباحها، وهي دولة ليست اجتماعية، وهذا يفضح النظام المخزني المغربي” الذي لم يكلف نفسه قرارات تنسجم مع طبيعة هذا الشعار.

وأشار المتحدث إلى أن هذا الفضح لم يستثن الحكومة لأنها وغيرها من الحكومات السابقة التي منعت الدعم بدون بديل وحررت الأسعار بدون تسقيف، وهي قبل تحرير الأسعار أغلقت مصفاة لاسامير وسحبت القانون الجنائي الذي يضم قوانين تجريم الإثراء بدون سبب… “كل هذا يؤكد أن الحكومة لا تملك سياسة عمومية في مجال المحروقات ومجال الطاقة بشكل عام، في وقت يمكن فيه الاستغناء بعض الشيء عن النفط بمشاريع الطاقات المتجددة التي لا تتطلب أموالا كثيرة”.

وأوضح إحرشان أن الحكومة إلى الآن تختزل مشكل مصفاة (لاسامير) في المشاكل القضائية وبذلك تبرر امتناعها عن التدخل، وأكثر من ذلك -يضيف- هو ظهور إشكال آخر في ظل تضارب التصريحات حول مدة احتياطي النفط بين تصريح يقول 26 وآخر يقول 30 يوما وسمعنا أيضا عن 40 يوما، وفي كل الأحوال هذه الأرقام تبين أن “الحكومة ليست لها أي استراتيجية في المجال”.

فترة تدبير الغلاء يكشف مشاكل بالجملة

ومن المشاكل التي ذكرها إحرشان في هذا الملف، “أن البرلمان إلى الآن ضعيف جدا في المساءلة، وفي التشريع أضعف، لأن الملك لما عين رئيس مجلس المنافسة في 2021 صرح بنفسه بأن قانونين يحتاجان إلى المراجعة، الأول قانون مجلس المنافسة والثاني هو قانون الأسعار، وإلى الآن هناك مشروع القانون مطروح لكنه لا يحظى بالاستعجال”.

طالع أيضا  مكانة المرأة بين النص والتأويل

الذي افتضح بشكل أكبر هو مجلس المنافسة، يقول المتحدث الذي رد ذلك إلى كونه مجلسا مستقلا ويقول فيه الدستور أنه بمبادرة منه يمكنه النظر في قضايا المنافسة، “لكنه ينبين الآن أن هذا المجلس خارج السياق ولا تهمه مصالح المواطنين مع العلم أنه سبق وأصدر قرارات فيها عقوبات ولم تنفذ إلى الآن، وهو أيضا من رفض التسقيف وبالتالي فمن المسؤول؟!”.

وأضاف إحرشان مسؤولا آخر، وهو جشع الشركات المستثمرة في المجال، ورغم كل ما يقال عن المقاولة المواطنة وغيرها لكن أصحابها يستفيدون، استفادوا من دعم كورونا ومن التعويضات ومن الإعفاءات من الضرائب، “ولكن في اللحظة التي يفترض منها أن تظهر المواطنة والحرص على مصلحة الوطن واستقراره، وعلى الأقل احتياجات المعوزين فضلت المضاربة من أجل الأرباح”.

بنية النظام الاستبدادية المتحكمة والمحتكرة هي لب الأسباب 

وربط إحرشان بين ما يقع في سوق المحروقات وما يحدث في قضايا أخرى ومواد أخرى في المغرب، معتبرا أن الغلاء الآن الذي يطال عددا من المواد الأساسية “ليس هناك منطق يبرره ولو بذل في تبريره مجهود خرافي، ولو أنك وصلت إلى حدود السذاجة بحسن الظن فلن تجد تبريرا”.

وكلما تعمّقتَ في البحث عن الأسباب، يضيف إحرشان “إلا وستصطدم بأن بنية النظام السياسي الاستبدادية المتحكمة والمحتكرة هي لب الأسباب لأنها معادية لكل ما يتعلق بالعدالة والشفافية والمحاسبة إلى غير ذلك من القيم”.

واسترسل موضحا أن الجديد فيما يتعلق بهذا الموضوع “هو أن وعي المواطنين ارتفع أكثر، واطلاعهم على تجارب أخرى وما تعيشه دول أخرى مجاورة لنفس الإمكانيات يزيد من هذا الوعي، وأصبحت مطالبهم متنامية في مقابل التجاهل أو الصمت أو الكذب أو التحريف الذي تجابه به تلك المطالب”.

وشدد الخبير في القانون الدستوري على أن موجة الغلاء التي تدبر بطريقة فاشلة لا يمكن لها أن تؤدي إلا إلى ما نراه من نتائج كارثية.

إحرشان يقترح حلولا آنية استعجالية لتطويق أزمة ارتفاع أسعار المحروقات

وفي تطرقه لمسألة الحلول، ذكر مستويات ثلاثة، “أولها استعجالية آنية ولا تحتاج إلى جهد أو إبداع بقدر ما تحتاج إرادة الدولة وإرادة هذه الفئات المستفيدة، وهي سهلة التطبيق والتحقق. وبالنظر إلى تجارب عدد من الدول، ألجأ إلى المقارنة لأنهم هم قهرونا بمنطق المقارنات في اللحظات التي تناسبهم فقط”.

طالع أيضا  ذكرى مولد النبي المحمود والاحتفال المنشود

وأشار في هذه المقارنة إلى أمريكا مثلا “التي تملك احتياطي النفط لعشرات السنين إلى الأمام، ومع ذلك لما ارتفعت الأسعار، تخلت الدولة على ضريبة المحروقات، وجمدتها لمدة 90 يوما قابلة للتجديد، كما تخلت عنها فرنسا، لكن في المغرب لم تتخل الدولة عن الضريبة بل بالعكس ما يجب أن يعرفه المواطنون هي أن الزيادة في الأسعار ضخت إلى خزينة الدولة مبالغ لم تكن متوقعة في قانون المالية”.

فإذا تخلت الدولة فقط عن هذه الضرائب التي تتضمن ضرائب على النقل وعلى القيمة المضافة وغيرها، سيربحها المواطن، “وهذا أول إجراء على الدولة أن تنفذه وبأثر رجعي مع التأكيد على الأثر الرجعي”، يقول إحرشان، ثم يضيف: “وثاني إجراء استعجالي هو تنفيذ القرار السابق لمجلس المنافسة الذي تحدث عن 17 مليار درهم، ولكن الآن الأرقام تقول هناك 45 مليار درهم”.

أما القرار الاستعجالي الثالث، وفق حديث الأستاذ بجامعة القاضي عياض “هو أن مشروع القانون الذي يهم المنافسة والأسعار يجب أن يخرج إلى حيز الوجود مع الإشارة إلى تسقيف الأسعار وتسقيف الأرباح لأن هذا الهامش لا يعقل أن يبقى مفتوحا”.

ومن شأن هذه القرارات الثلاثة التي تدخل في إطار الحلول الاستعجالية الأنية، على الأقل -يقول إحرشان- أن تعيد الأسعار إلى قرابة 10,5 إلى 11,5 درهما، وغير ذلك فهو لا يستقيم، مضيفا أن هذه الحلول يجب أن نقف معها جيدا نظرا لطبيعة المشاكل التي بالضرورة ستتكرر “لأننا في دولة هشّة في السياسات الطاقية والمائية، والمشاكل المطروحة في الطاقة مطروحة أيضا في الماء في الصيف خاصة في المدن الكبرى”.

حل مشكل التكرير ونظام الدعم والشفافية حلول أخرى استعجالية غير آنية

ومن الحلول الاستعجالية غير الآنية التي ذكرها المتحدث، حل مشكل التكرير، معتبرا أن مصفاة (لاسامير) وفق تقرير مجلس المنافسة كانت تغطي 64 في المائة من احتياجات المغرب، وأصحابها يقولون نحن نغطي 80 في المائة، والفارق ما بين شراء الخام وشراء المكرر هو فارق كبير جدا، والأمر واضح.

ومن الحلول الاستعجالية غير الآنية ذكر إحرشان “نظام الدعم”، وقال إنه لا يمكن للصيغة التي يسير بها نظام الدعم أن يلغى ويبقى على دعم الغاز فيمنّوا به على المواطنين.

وأوضح المتحدث أنه يلزم “أن يعود نظام الدعم ويوجه إلى الفئات التي تستحقه، وكل العراقيل الموجودة في السجل الاجتماعي كلها بفعل الحسابات السياسوية، في حين أنها لا تحتاج إلى أي سجل أو غيره، الكل يستفيد إلا الشركات الكبرى وهي معروفة وسجل استهلاكها كبير جدا”.

طالع أيضا  قبل سبع سنوات.. رحل الإمام وبقي ذكره (فيديو)

ويرى إحرشان أن “مسألة الشفافية مهم جدا”، مشددا على ضرورة فتح تحقيق في تصريحات لوزراء بما فيهم رئيس الحكومة الأسبق بنكيران، الذي قال بأننا كنا نعطي الدعم على عواهله مقابل وثائق فقط وذهبت في ذلك ملايير. كما أشار إلى أن موضوع تنويع مصادر الطاقة مهم في هذا السياق الذي تحدث فيه عن الحلول.

طرق تنزيل الحلول.. وتثمين لجميع أشكال الضغط الشعبي

وفي حديثه عن طرق تنزيل هذه الحلول، يقول المتحدث، هناك طريقان، الأول هو “على الدولة أن تستوعب بأنها أفرطت في استغلال الفئات المحرومة وبالتالي عليها أن تسرع في هذه المطالب الاستعجالية”.

ورغم الطابع الاستعجالي لهذه المطالب إلا أن النظام نظرا لبنيته الاحتكارية والريعية لن يستجيب، وحتى إن استجاب فسيستجيب في الحد الأدنى، “والمناورة والالتفاف ليسا جديدين وهما أسلوبان مجربان في عدد من القضايا، ولا يمكن الاستجابة إلا تحت الضغط، وبالتالي فأي شكل من أشكال الضغط من قبل المواطنين سواء كان افتراضيا أم واقعيا أم فئويا أم مجاليا، عاما أم خاصا لا يمكن إلا أن نثمنه” يضيف المتحدث.

وحذر إحرشان من عناصر قد تدخل على الخط وهي غير معنية بهذا النضال الشعبي منذ البداية، ودورها هو إما تفجير هذه الاحتجاجات أو صناعة إيقاع معين مخالف، أو تحريف مسارها، أو استغلالها لتحقيق أهدافها، وأضاف: “الآن هناك مطلب اجتماعي هو تخفيض ثمن المحروقات على الأقل إعمالا لنظام المقايسة بشكل حقيقي وشفاف، وهو مطلب يمكن أن تجتمع حوله كل الفئات يبدأ افتراضا وينتهي واقعا”.