لا زالت موجة غضب المغاربة مستمرة جراء الغلاء الفاحش الذي تعرفه أسعار مختلف المواد الاستهلاكية، خاصة منها الغذائية الأساسية، والتي تتزايد يوما بعد يوماً، وتحتل أسعار البنزين الأولوية بسبب تأثيرها الكبير بشكل غير مباشر على أسعار المواد المختلفة جراء نقلها بين المدن، وتأثيرها المباشر على أسعار نقل المواطنين ومختلف خدماتهم اليومية. 

وثارت ثائرة مجموعة من المدونين في مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن قارنوا أسعار النفط اليوم بما كانت عليه قبل الحرب التي جعلها المسؤولون الحكوميون السبب الأساسي لزيادة الأسعار، حيث انخفضت أسعار النفط إلى أقل من 100 دولار للبرميل الواحد، وهي نفس المستويات التي كانت عليها قبل بداية حرب روسيا على أوكرانيا، إلا أن ثمن لتر المازوط حينها كان يترواح بين 9 و10 دراهم للتر الواحد في فبراير 2022، بينما تجاوز سقف 16 و17 درهما للتر الواحد في يوليوز 2022.

وقامت منظمة “معا” بدراسة تغير أسعار الغازوال تحديدا، نظرا إلى أن ارتفاع كلفتي تكرير المنتجات النفطية والنقل، والذي يتزامن مع ارتفاع سعر الدولار أمام الدرهم وباقي العملات، أدى إلى عدم توافق تغير أسعار الغازوال مع أسعار النفط الخام بنفس الدرجة. ورغم هذا التغير وعدم ارتباط سعر برميل النفط بأسعار الغازوال، فإن المنظمة أشارت في تقريرها إلى أن هامش ربح شركات المحروقات ارتفع في النصف الأول من يوليوز 2022 إلى أكثر من درهمين في اللتر الواحد!

ورغم أن الدولة تملك ضمن مسؤوليتها مجموعة من الآليات الزجرية والضبطية للتدخل لوقف هذا الإجهاز على القدرة الشرائية للمواطنين، فإن الحكومة ترفض أي تغيير أو تدخل في الوضع، رغم أن المادة الرابعة مثلا من قانون حرية الأسعار والمنافسة (104.12) تمنحها الحق بشكل صريح للتدخل، حيث تنص المادة أنه بإمكان الإدارة، بعد استشارة مجلس المنافسة، “اتخاذ تدابير مؤقتة ضد ارتفاع أو انخفاض فاحش في الأسعار تعلله ظروف استثنائية أو كارثة عامة أو وضعية غير عادية بشكل واضح في السوق بقطاع معين“.

طالع أيضا  الجوري والزهاري: تقهقر المغرب في مؤشر حرية الصحافة يؤكد عدم احترامه حرية الرأي والتعبير

والوضعية مبررة بشكل لا غبار فيه، بعد تداعيات جائحة كورونا وموسم الجفاف والحرب الروسية الأوكرانية، إذ كلها عوامل تتضافر لتجعل التدخل مشروعا، بل واجبا. ناهيك عن الانتعاش الانتهازي من الأزمة الحالية وتواطؤ المضاربين مما ولّد المزيد من إنهاك معيشة المواطنين.

وتعلل الحكومة رفضها التدخل لأنه سيسبب فشلا لـ”للأوراش” و”المشاريع” التي أطلقتها، حيث صرح مصطفى بايتاس الناطق الرسمي باسم الحكومة، ووزير العلاقات مع البرلمان بأنه في سنة 2014 لجأت الحكومة إلى الدعم وتم إلغاء 15 مليار درهم من ميزانية الاستثمار، وهو ما جعل مجموعة من الأوراش تتوقف، حسب ما تصريح الوزير.

ورغم أن الحكومة تعلم أن هذه المشاريع التي تبرر بها تقاعسها، مهما قيل عنها، فهي لا زالت في بدايتها، والمقبلون على الانخراط فيها لا يكافئون عدد المغاربة الذين يكتوون الآن بنار التهاب الأسعار، التي ترتفع بشكل متسارع، ولا ترتفع معها لا كتلة الأجور ولا التعويضات بل هي جامدة جمود الصخور. بالإضافة إلى أن الحكومة لا تشير لا من قريب أو بعيد للزيادات التي عرفتها مداخيل الفوسفاط ومشتقاته التي وصلت إلى الضعف مقارنة مع السنة الماضية فقط!

وفي هذا السياق يتوقع بنك المغرب أن يرتفع معدل التضخم إلى أكثر من 4.7 بالمئة، في مقابل نمو ضعيف لن يتجاوز 0.7 في المئة في أحسن التوقعات، في حين ستستمر أسعار المستهلك في الارتفاع إلى “مستويات أعلى من متوسط العقد الماضي” وفق المندوبية السامية للتخطيط. مما يجعل البلد مقبلة على المزيد من الاختناق واللاستقرار.