ذكر الدكتور المتوكل بالخضير الباحث في حوار الحضارات وأحد الإخوة الإثني عشر المعتقلين سابقا، في تصريح خص به موقع الجماعة عن صديقه الراحل محمد اللياوي رحمه الله، أن انخراطه بقوة في العمل الطلابي في مرحلة دخوله إلى الجامعة قبل الاعتقال “لم يدفعه إلى إهمال ما هاجر من أجله من بركان إلى وجدة، إذ وفقه المولى الكريم توفيقا تاما ومتوازنا بين الفعل النقابي والانكباب العلمي”، مشددا على أنه كان ممن يحصدون الرتب الأولى في دراسته.

ولفت المتوكل إلى أن الحماسة التي انطبعت على روح زميله الراحل واصلت به المسير والاستمرار إلى التهمم بمصالح الطلبة والانخراط كلية في حمل هم المستضعفين، لذلك انخرط في العمل النقابي عبر “أوطم” دفاعا عن حرمة الجامعة المغربية وعن حقوق الطلبة.

وعن تخصّصه العلمي، اعتبر المتوكل أن اللياوي رحمه الله كان يتابع دراسته في الفيزياء والكيمياء بكلية العلوم بوجدة، وكان همه أن يتمم هذا المشوار العلمي بعد الاعتقال، “لكن نظرا لأسباب قاهرة، كالحضور الإجباري للدروس التطبيقية حال بينه وبين الاستمرار في كلية العلوم”، وهو ما حمله على التسجيل بكلية الآداب بابن طفيل بشعبة الدراسات، فكان متفوقا وكانت نتائجه دائما مرفقة بـ “التنويه”.

وكان رحمه الله خدوما سباقا لفعل الخيرات نشطا بين الإخوة

كان رحمه إذا تحدثت إليه في النحو والبلاغة، أو العلوم الشرعية تعتقد أنه كان طالبا بالقرويين وليس بكلية العلوم، يقول المتوكل، ثم يضيف “هو أول طالب في تاريخ السجون المغربية يناقش شهادة الدكتوراه ويحصل عليها بميزة مشرف جدا في تخصص أصول الفقه”.

ومن سبقه وهمته وبراعته في تخصصات مختلفة أننا حتى إذا لعبنا كرة القدم فيما بيننا، كان رحمه الله أكثر الإخوة تسجيلا للأهداف، “فهو أكبر من عبارات أو جمل أكتبها، إنه كان لنا كهدية من الرحمان الرحيم”.

وبالرغم من صغر سنه من بين جميع المعتقلين، يقول المتحدث، لكن فعله النضالي وهمه بدعوة الله والتمكين لها كان أكبر من ذلك، وكان رحمه الله “خدوما سباقا لفعل الخيرات نشطا بين الإخوة”. وأردف موضحا أن القلق أو التذمر أو الشك والتشكيك في الطريق لم يتسلل إلى قلبه أيام الاعتقال، “بل كان مستسلما لربه مفوضا أمره لله، متبرئا من حوله وقوته إلى حول الله وقوته”.

في سيرنا وتنظيمنا داخل السجن -يقول المتوكل- كنا نعقد جلسات مشورة فيما بيننا ونناقش الأمر من جوانب متعددة، ونخلص إلى نتيجة نهائية تلزم الجميع. وفي هذه الجلسات كان سيدي محمد رحمه الله قوة اقتراحية كبيرة وفعالة، يدافع عن فكرته بقوة، لكنه كان إذا حسم الأمر انتهى الكلام بالنسبة إليه بصرف النظر عن فكرة من تبناها المجلس.

وزاد المتحدث موضحا أن اللياوي رحمه الله “قضى حياته في السجن متنقلة بين كتاب الله تعالى حفظا وفهما وتدبرا، وبين مجالس الإيمان والاعتكافات التي كنا نعقدها تماشيا مع برنامج جماعتنا المباركة التي ما بخلت عنا في يوم من الأيام بنصائحها وتوجيهاتها…”.

عاش أبيّا عزيزا شامخا مناضلا لم يعط الدنية 

ولم تكن الصعاب داخل السجن تثنيه، أو تحط من عزيمته أو تقلل من إرادته، بل كان يقبلها رضا باختيار الله، مع الأخذ بالأسباب لتجاوزها، يضيف المتوكل.

فهو عاش أبيا عزيزا شامخا مناضلا لم يعط الدنية ولم يستسلم للفساد والاستبداد، وإذا عرفنا أنه من قبيلة بني زناسن التي اشتهر غالبية رجالها ونسائها بالمقاومة التي أوقفت زحف الاستعمار من الجهة الشرقية، وقاومت مقاومة شرسة، فلن نستغرب من أنه رحمه الله لن يخرج عن الاختيار الذي رضعه من ألبان قبيلته. يضيف المتحدث.

طالع أيضا  روح الصلاة

ويرى المتوكل أن أكبر بلاء تعرض له الراحل أثناء السجن هو وفاة والدته، ذلك “أنه الابن الأصغر لوالدته لالة ربيعة التي كانت تزوره باستمرار رغم تقدمها في السن، لكن صيف 1998 حمل من المصاعب لسيدي محمد ما لم يحمله لغيره. حيث نزل عليه خبر وفاتها رحمها الله كالصاعقة، خبر صعب على النفوس الكالة حمله وتحمله”.

جاءته الصدمة قوية، يقول المتحدث “لكنه لجأ إلى الأقوى ورضي باختيار الله تعالى بل شكر الله عز وجل أن ختم لوالدته بالحسنى وخرج في جنازتها عدد من المؤمنين، وأهدوا لها ختمات عديدة”.

حضر المواقف الأولى للجماعة منذ 8 ماي المجيدة

أما الدكتور أحمد التاج فقد صعب عليه كتابة نعي عن أخ عاشره أكثر من ثلاثين سنة، “وكأني أنعي نفسي لما كان لنا من علاقة نحن الإثني عشر توطدت واشتدت حبا لله وابتغاء مرضاته”.

وقال موضحا في تصريح خاص لموقع الجماعة “كان سيدي محمد مؤمنا صادقا داعيا إلى الله مجاهدا تحت لواء جماعة العدل والإحسان حيث حضر مواقفها الأولى منذ 8 ماي المجيدة وغيرها قبل الاعتقال”، وذكر من المواقف بلاءه الحسن حينما أقام الطلبة مخيما على شاطئ البحر “راس الماء” حيث كان نشيطا في خدمة الإخوان ومساهما في الأنشطة.

وفي فترة الاعتقال صبر وتحمل قساوة التعذيب في المخفر وهو شاب صغير السن، فلم يعط الدنية وكذلك طيلة الاعتقال صابرا محتسبا قويا في مواقفه، يقول التاج، ثم يضيف: “من مميزاته رحمه الله، الاجتهاد في طلب العلم وعكوفه على ذلك، فكان يحفظ كتاب الله ويجتهد في التحصيل العلمي في غالبية أوقاته”.

ويتذكر المتحدث عن صديقه الراحل أنه كان في بداية الأمر مهتما بدراسة النحو والصرف، ثم اتجه إلى كتب الفقه والحديث والتفسير، واهتم أيضا رحمه الله في مرحلة داخل السجن بالطب البديل ودرس مجموعة من الكتب، ولمع نجمه فيها جميعا، وكان رحمه الله قوة اقتراحية سواء في مواضيع علمية نتدارسها أو في الأشكال النضالية التي خضناها.

ودائما ما تجد عنده الجديد في عدة مجالات، وسباقا في كثير من الأمور، كما أنه كان أول من حصل على الدكتوراه كان أيضا أول من تزوج، فقال “أذكر موضوع الزواج هذا حيث كنا مستغربين للأمر لأنه كان أصغرنا سنا، والآن أفهم ربما وكأن القدر كان يستعجله”.

واسترسل التاج موضحا أن ما ميز زميله الراحل رحمه الله أنه كان محبا للإخوان عاطفا عليهم، وكان لين الجانب قليل الغضب طيب القلب محبا للخير لهم جميعا. ومما ميزه أيضا أنه كان رحمه الله يحب الرياضة وخاصة كرة القدم.

مرضه الذي أودى بحياته تفاقم نتيجة الإهمال الطبي في مرحلة السجن

من جهته كشف الدكتور يحيى العبدلاوي معطيات جديدة عن زميله الراحل في تصريح لموقع الجماعة، مطالبا بالتحقيق في “الإهمال الطبي الذي تعرض له خلال مرحلة السجن”، موضحا أنه حدثه أكثر من مرة عن معاناته الصحية، “إلا أنه مع الأسف يقابل بإهمال وفحص غير دقيق، مما تسبب في استشراء المرض وصعب تدارك الأمر”، وبالرغم من ذلك فإن الابتلاءات المتنوعة لم تزد الرجل رحمه الله إلا تجملا وصبرا، كعود زاده الإحراق طيبا. كان آخر الابتلاءات هذا المرض العضال الذي أودى بحياته رحمه الله. وذلك قدَر نسلم به ونرضى، ونحسبه إن شاء الله تعالى في عداد الشهداء. لكن ما لا نسلم به هو الإهمال، يقول المتحدث.

طالع أيضا  141 يوما.. الأسير المضرب عن الطعام "لا حركة ولا نطق" وشعب فلسطين ينتفض

ومن ارتفاع مقامه في طلب العلوم الكونية والشرعية وغيرها يقول المتحدث إنه “كان سباقا لمتابعة تطورات عالم المعلوميات فعرف مداخلها وأحسن توظيفها في مجال البحث والتوثيق حتى أتم رسالته للدكتوراه”. مسجلا حرصه الكبير على الاستهداء بمناهج البحث التي تتسم بالتجديد والانبعاث.

وأشار العبدلاوي إلى أن الراحل كتب إلى الإمام المرشد رحمه الله يسترشده في كيفية التعامل مع الموروث الشرعي الإسلامي، فردّ عليه الإمام رحمه الله في تواضع منقطع النظير قائلا: “إن التوجيه الوحيد الذي يمكن أن يهتم به من لا ناقة له ولا جمل في البحث الأكاديمي هو ذلك الذي يجمع شتات العلوم الاسلامية ليضعها على منهاج واحد ومَهيع مُوحِّد، لتتألف المقاصد الشرعية -وهي جزئيات السلوك العبادي الجوارحي- مع الغاية الإحسانية للسالك إلى الله تعالى، وليكون العبد القاصد إلى الله عز وجل حاضرا مع مطلبه الأسمى في كل جزئية شرعية” [رسالة الإمام عبد السلام ياسين إلى محمد اللياوي، بتاريخ 4 ذي القعدة 1418]. 

رحلتَ عنّا وبقي أثرُك!

فالراحل رحمه الله يقول العبدلاوي “عزيز في أهله وإخوانه، جميل في أخلاقه، رفيق لطيف في معشره، حبيب رفيع في إيمانه متوازن في علمه، شاب طموح في إرادته، صاحب وَفيّ في صحبته. إن شئت قلتَ ما شاء الله من الخصال الحميدة فلن يزيغ بك اللسان عن المقصد الحسن والذكر النبيل! نحسب أخانا سيدي محمد اللياوي رحمه الله كذلك عند الله تعالى ولا نزكي على الله أحدا”. 

وقال العبلاوي إنه تعرف على صديقه في مدينة بركان وهو شاب ذو عفاف والتزام، وعاينه في كلية العلوم بوجدة فاعلا نشيطا. وأضاف: “تجد اللمسات الأبوية التربوية الشريفة عليه ظاهرة، فأبوه سي الطيب رحمه الله كان حافظا للقرآن الكريم ومعلما له، وأمه للا ربيعة رحمها الله لا تملك إذا رأيتها إلا أن تخضع أدبًا لسمو أخلاقها وجمال سكونها وطول صمتها. والابن البار -رحمه الله- صغير إخوته وأوسطهم عقلا بعد أن فقَد والديه ظل يحرص على جمع شمل أخويه وأخواته وهم الذين يفوقونه سِنّا!”.

واسترسل موضحا أن الشاب اللياوي رحمه الله لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره حتى تداركته نعمة الله تعالى، فانضم إلى صف العدل والإحسان مرتادا مجالسها التربوية والتعليمية. ولم يلبث إلا قليلا وهو في صحبة إخوانه أهل السابقة والإيمان حتى طارت به الأشواق من غير خوف ولا وجل ليحضر وقفة تاريخية بمدينة سلا بمسجد بن سعيد، أطل منه الإمام المجدد -رحمه الله- على جموع الحاضرين محتضنا لهم بنظراته الحانية البانية، متحديا سور الإقامة الإجبارية، معلنا انطلاق ساعة الدعاء والتوجه الجماعي إلى الله تعالى لإزاحة الظلم وخذلان الظالمين: إنه يوم 3 غشت 1990 التاريخي. وأضاف العبدلاوي أن هذه النظرة “كانت للمصحوب كافية لتزيد الشاب سي محمد اطمئنانا، وتدفعه ليشق الطريق قدُماَ نحو المعالي بصحبة إخوانه حاملا غير محمول، مقبلا غير مدبر. ولا زلتُ أذكر أن هذه المحطة الروحية الإيمانية كانت رمز افتخار عنده! وحُقَّ له أن يفتخر، وقد نال قصب السبق؛ فتزينت عيناه بمشهد الإمام رحمه الله تعالى وانقدحت في عقله تجليات العدل، وانغرست في قلبه معاني الصحبة والإيمان والإحسان”.

جمعتني به زنزانة واحدة فلا أتذكر أني وجدت منه وجعا قط من لسانه وسلوكه

وعقب التدافع المشروع في ساحة الجامعة بوجدة لإيجاد موطن قدم لفصيل العدل والاحسان وإسماع صوته الذي تواطأت عدت جهات وتيارات على إقباره وإجباره على السكوت، اشتاط المخزن بألوانه المتعددة حنقا لما رأى كفّته البائسة تطيش، فانهال بالأحكام القضائية جورا وظلما: 20 سنة سجنا! على كل من أخينا سيدي محمد ورفاقه الأحد عشر. يقول العبلاوي، ثم يضيف: “طبعا لم تكن هذه المحاولة اليائسة لتنال من قلوب فتية مؤمنين تعلقت قلوبهم بالله تعالى صياما وتبتلا، وعمروا وقتهم بذكر الله عز وجل، وأقبلوا على كتاب الله تعالى تلاوة وحفظا وفهما، واحتضنتهم الصحبة المباركة، وأغدِقَ عليهم سائل الدعوات غدوا وعشيا، بالليل والنهار نصرة ومؤازرة”. 

طالع أيضا  تحية لوطنيين أباة أحرار

ولفت إلى أن الراحل كان له نصيب وافر من هذه المحامد، فارتفع مقامه في جميل الأخلاق، فلا تجده متسخطا كما هو شأن عامة الأسرى بل صابرا محتسبا طيلة مسيرته الجهادية، سواء يوم نزل عليه الحكم ظالمًا ومتسلطا، أو يوم انتقلت والدته رحمها الله الى الرفيق الأعلى ولم يسمح له بحضور جنازتها وإلقاء نظرة أخيرة على جثمانها! ولا يوم ألمّ به المرض العضال الذي أقعده الفراش. فحُقّ لك سيدي أن يكون أثرُك محل اعتبار واقتداء وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا

وذكر عن صاحبه أنه كان “متسامحا شامخًا ومستعليا عن السفاسف حريصا على التأليف. وقد جمعتني به سنوات البلاء تحت سقف زنزانة واحدة فلا أتذكر لحظة أني وجدت منه وجعا قط لا من لسانه ولا من سلوكه. عشتَ أبدًا سمحا أليفًا مؤلَفا ومؤَلِّفا سيدي! قدس الله روحك وطيب ثراك وكتب الله أثرك!”. 

لم يتهافت على فتات الإفراج المذل المخزي لحظة بدء المفاوضات والمساومات في غياهب السجن

ومن جملة طيب أخلاقه يضيف المتحدث أنه “ما ضعف ولا استكان أمام ترهيب المخزن؛ وهو الذي طاله التعذيب بإمعان من قبَل زبانية المخزن في سراديب الاعتقال والتلفيق، كما أنه لم يتهافت على فتات الإفراج المذل المخزي لحظة بدء المفاوضات والمساومات في غياهب السجن مع الفريق الرسمي المبعوث لهذا الشأن”. 

وبالموازاة مع هذا الاهتمام، يقول العبدلاوي، فقد كان -رحمه الله- قوة اقتراحية فاعلة مع قوة الإنجاز والضبط في أداء المهام؛ متفاعلا مع رفاقه، متهمما بقضايا السجناء وما تعانيه جماعته من عنَت وتضييق، متشوفا إلى سبل خلاص أمته من أسر الظلم والتبعية القاعدة.

وكتب رحمه الله موثقا وجامعا لتجربة الأحداث الطلابية الجامعية بوجدة سنة 1991 وما تلتها من اعتقالات في صفوف قيادات العدل والاحسان بالمنطقة الشرقية. وأشرف مرة على إصدار مجلة سُميت “الأسير”، تُعنى بتتبع مجريات السجناء، ومواكبة الاعتقال السياسي بالمغرب، فرتب أعمدتها وجمع مقالاتها المتنوعة من المشاركين، ورقنَ محتواها، لكن لم يكتب لها أن تستمر لأسباب أمنية. يضيف المتحدث.

ولا أملك في هذا المقام وأنا آتي على بعض من مناقبه، يقول العبدلاوي “إلا أن أشيد بزوجه المصون للا فتيحة التي واستْ وسلّت وتجلّدت، فكانت زوجا وأختا وسندا قويا، وأمّا وفية حاضنة لزوجها وأبنائهما البررة. أصلحهم الله وجعلهم ذرية باقية ترث أباهم وترث من آل ياسين. وقبل هذا وذاك يكبر في العين صنيع الأصحاب والمقربين ولاية، الذين أسسوا لمنظومة الاحتضان، وأبدعوا في الوفاء وحسن العزاء. وما ذلك إلا صورة مشرقة لصدق دعوة العدل والإحسان”.