اعتبر الناشط السياسي والمدني المغربي الدكتور أحمد بوعشرين الأنصاري أن المواطن المغربي يحق له أن يجعل مصداقية كل مؤسسات الدولة بما فيها الحكومة ومجلس المنافسة محط سؤال تشكيكي حول الزيادات المهولة للأسعار التي استمرت حتى الآن، وذكر اعتبارات تحمل المواطنين على التساؤل حول ما إذا كانت هذه الزيادات ممنهجة ومدروسة؟

وشدد الأنصاري، في تصريح خص به موقع الجماعة، على أنه “لا حاجة للتذكير بمسؤولية الحكومة في ترك هذا الارتفاع المهول والملحوظ للأسعار سواء في المحروقات أو في بعض المواد الغذائية الأساسية مستمرا بل ويتزايد”، موضحا أنها تملك الآليات الزجرية والضبطية ضمن مسؤوليتها للتدخل لوقف هذه السلسلة من الإجهازات على القدرة الشرائية للمواطن.

الممارسات المنافية للعيش الكريم قد تفضي إلى ما لا تحمد عقباه

ولا حاجة أيضا، يقول بوعشرين، لتبيان الآثار الوخيمة لهذا الارتفاع المهول والمتوحش للأسعار على الوضع الاجتماعي للأسر وللمواطنين عموما، كما أنه “لا حاجة لتوضيح مدى مسؤولية مجلس المنافسة في ضبط أسعار السوق ومدى احترام قواعد المنافسة ومراقبة الممارسات المنافية لها باعتباره سلطة تقريرية في ميدان محاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي”.

ويرى المتحدث أن السؤال المركزي والجوهري في هذه اللحظة التي ارتفعت فيها الأسعار بشكل مهول واستمرت عملية الارتفاع هذه لأيام وأيام كما استمرت عملية الزيادة الممنهجة والمهولة لأسعار المحروقات لمدة، “هو أن المواطن لم يشهد ولم يلحظ أية مبادرة حكومية استعجالية للتدخل ولو للتحقيق فيما يجري وترتيب الجزاءات عليه”.

وانتقد غياب أي تدخل استعجالي لمجلس المنافسة لإبداء رأيه وللتقرير في مدى التزام الأطراف المسؤولة عن هذا الارتفاع في الأسعار بقواعد المنافسة وفي مدى انعدام أو حضور الممارسات المنافية لقواعد المنافسة الحرة وفي مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي.

ولم يُخفِ الأنصاري تخوفَه البالغ من أن تكون هذه القرارات والممارسات التي يراها “منافية للعيش الكريم” قد تفضي “إلى ما لا تحمد عقباه لا قدر الله”.

نخشى على وطننا من الغياب الكلي للثقة فيما يصدر عن مؤسسات الدولة

وزاد بوعشرين الأنصاري موضحا “إننا نخشى على وطننا ودولتنا من سيادة الغياب الكلي للثقة في كل ما يصدر عن مؤسسات الدولة”، معتبرا أن الدولة في الأصل “هي خدمة عمومية من أجل رفاهية المجتمع والمواطن وكفالة الحق في العيش الكريم، وهو الحد الأدنى من الحقوق الذي بدونه يختل نظام الحياة وبالتالي النظام العام”.

ومن واجب كل القوى الحية والفعاليات الشريفة والنظيفة، يقول الأنصاري “أن تجعل من هذه اللحظة الحرجة فرصة تاريخية لإعادة سؤال الجبهة السياسية والاجتماعية العريضة للتصدي لمثل هذه القرارات المجهزة على الحق في العيش الكريم”.

طالع أيضا  الناشط سيون أسيدون: التطبيع "قرار سيادي" للتخلي عن السيادة

كما أن من واجب هذه القوى -وفق حديث بوعشرين- أن تعيد سؤال الإصلاح عموما دستوريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، “وأن تحمي الوطن والدولة ذاتها من خطر من يعبث بالسياسات العمومية، ومن يؤسس منهجيا لتركيز جو غياب الثقة وغياب المصداقية”.

مسؤولية الدولة قائمة في رفع الأسعار والانتعاش الانتهازي من الأزمة

من جهته يرى الناشط السياسي والحقوقي المغربي الأستاذ حسن بناجح أن “مسؤولية الدولة قائمة في رفع الأسعار والانتعاش الانتهازي من الأزمة والتواطؤ مع المضاربين في معيشة الشعب”، موضحا أن ما لا ينبغي إغفاله هو أن الدولة بشكل رسمي “مساهمة عن وعي وعمد في غلاء الأسعار، وفي مقدمتها سعر المحروقات”.

وذهب بناجح في تدوينة له في فيسبوك إلى أن المسؤولين قد رجّحوا بكل مستوياتهم “تحقيق الانتهازية من خلال توسيع باب استفادة الدولة من الأزمة عوض أن تتدخل للتخفيف عن الشعب من خلال ترشيد مستحقاتها الإضافية من مداخيل المحروقات عبر الضريبة على القيمة المضافة”.

واسترسل موضحا أن المسؤولين “قد استغلوا الوضعية لربح حوالي درهم ونصف إضافي، وهو القيمة المضافة عن كل لتر من الزيادة التي حدثت في الشهور الأخيرة، في الوقت الذي كان مطلوبا منها على الأقل، وقبل كل شيء، التخفيف عن الشعب بالتخلي عن هذه الزيادة الإضافية”.

قرابة 4 دراهم هي العائد الكامل من الضريبة على القيمة المضافة عن اللتر الواحد؟؟

ولفت عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان إلى أن “العائد الكامل الحالي من الضريبة على القيمة المضافة هو من 3,5 درهم إلى 4 دراهم عن كل لتر”.

بناجح في تدوينة أخرى اعتبر أن هذا الوضع هو جريمة لا تغتفر لكل من ساهم في خديعة المقايسة وكل من ركب رأسه وأغمض عينيه عن كل النداءات التي كانت تنبه إلى ما قال عنه بالتعبير المغربي الدارج (هذا خروب بلادنا وحنا عارفينو)، معتبرا أن “فخ المقايسة ما هو إلا رهن المواطن للشناقة والمضاربين والحيتان الكبيرة”.

إذ كيف يعقل -وفق كلام بناجح- إنفاذ قرار كبير مثل هذا والحكومات لا تستطيع محاربة أبسط مظاهر الفساد، وهي لا تمتلك السلطة اللازمة على الأجهزة الإدارية والرقابية ذات الاختصاص في حماية الشعب من الفاسدين الجشعين. “بل إن أدهى الدواهي ألا يتم استحضار أن أكبر الفاسدين والمنتفعين من الفساد هم جزء من صناع القرار الأساسيين المحصنين”.

طالع أيضا  فأرُوا الله من أنفسكم خيراً

نحن أمام “لوبي” متعدد مستفيد من الأزمة عوض تحمل مسؤولية حلها

وأوضح بناجح أن الشعب لا هو ضمن دعم الدولة في حدوده الدنيا، ولا هو استفاد من الملايير المدخرة من دعم صندوق المقاصة كما أوهموه زورا، ولا الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية تحميه من ناهبي أساسيات عيشه والمتاجرين بخبزه، ولا ما يسمى بالهيئات الوسيطة (أحزاب، نقابات، جمعيات حماية المستهلك) تقوم بدورها الدفاعي عن مصالح الشعب في مواجهة المفترسين.

وخلص إلى “أننا أمام “لوبي” متعدد للاستفادة من الأزمة عوض تحمل المسؤولية في اتخاذ قرارات تحل أو تخفف الأزمة سواء فيما يخص الدولة أو فيما يخص التدخل المسؤول للحد من مضاربة المنتعشين من سوق المحروقات بشكل فاحش”.

وفضلا عن ذلك يرى بناجح أن الوضع يزداد تعقيدا بغياب واجب “اتخاذ إجراءات داعمة للمواطن في ظل التدني المستمر في القدرة الشرائية والدخل الفردي الذي لا يقوى حتى على مواجهة الظروف العادية ناهيك عن الطوارئ والاستثناءات”.

دليل ثبوت مسؤولية الحكومة في غلاء المعيشة أن قانون المالية استند على أرقام “غير واقعية”

من جهته أثبت الناشط السياسي والحقوقي المغربي الدكتور خالد البكاري مسؤولية الدولة في غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، بحكم أن هذا الارتفاع “لا يمكن أن نعزوه إلى حالة الجفاف أو إلى عوامل خارجية مرتبطة بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أو إلى تداعيات توالي أكثر من سنتين من وباء كورونا”.

وأوضح البكاري في تصريح خاص لموقع الجماعة أن هذه المعطيات الموضوعية كانت معروفة سلفا “وكان المطلوب من الحكومة ومن الدولة كذلك أن تجد لها إجابات كما فعلت مجموعة من الدول، ليس الدول القوية فقط بل كذلك الدول التي هي في وضعية قريبة من الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يوجد عليه المغرب”.

واستدل البكاري على ما ذهب إليه بقانون المالية المصاغ في شهر أكتوبر 2021، موضحا أنه  “استند على أرقام غير واقعية، لا في أثمنة المحروقات ولا في أثمنة الغاز ولا كذلك متوسط سعر الحبوب”.

وبالتالي فالحكومة التي يشتغل معها جيش من الخبراء كما تدعي وخبراء الدولة، وفق حديث البكاري “صاغت قانونا للمالية وبنته على أرقام كانت معروفة لأبسط مراقب بأنها أرقام بعيدة عن الواقع”، وعلى هذا فالحكومة مسؤولة عن غياب التوقع أولا وعن غياب دراسة حقيقية لواقع السوق الدولية ثانية، وثالثا هي مسؤولة عن عدم تقديمها لبدائل، وهذا ما يترجم غياب الإبداع في حل المشكلات، أي أن هناك غيابا للكفاءات والأطر على نقيض ما تدعيه. يضيف المتحدث.

طالع أيضا  مجلس الإرشاد يعزي في وفاة الأستاذ محمد العلوي الطالبي رحمه الله

الدولة اكتفت بتحميل الطبقة المتوسطة تبعات هذا الوضع الاقتصادي المتأزم

أما النقطة التي اعتبرها البكاري “مهمة جدا” هي أن الدولة “اكتفت بتحميل الطبقة المتوسطة تبعات هذا الوضع الاقتصادي المتأزم”، حيث إنها لم تقم بأي تعديل في قانون المالية يذهب في اتجاه تضريب الثروات الكبرى أو تخفيف العبء الضريبي عن الطبقات المتوسطة وعن الطبقات الفقيرة كذلك فيما يخص الضريبة على القيمة المضافة عند الاستهلاك.

وبالتالي نجد بأن أصحاب الثروات والشركات الكبرى لم تمس مصالحها رغم كل هاته التسديدات “بل استفادت من هذا الوضع”، يقول المتحدث، ثم يضيف “وكما لدينا تجار الأزمات أثناء كورونا” كما جاء في تقرير اللجنة البرلمانية حول شركات الأدوية في تلك الفترة “كذلك اليوم يمكن أن نقول لدينا تجار حروب المحروقات”.

وذكر دراسة أجرتها حركة “معا” التي وصفها بأنها حركة معتدلة في خطابها السياسي، جاء في هذه الدراسة أن “أرباح الموزعين وشركات المحروقات زادت بدرهمين إلى درهمين ونصف عن كل لتر واحد”.

هاته الأزمة يقول البكاري “عوض أن تبني جسور التضامن بين الطبقات فهي عمقت الهوة الطبقية وأبانت عن أن الدولة همها الأساس هو حماية مصالح المتنفذين ومصالح الشركات الكبرى”، وأضاف خاتما كلامه “نحن ندفع ثمن زواج السلطة بالمال والنفوذ”.

يذكر أن موجة سخط عارمة تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الثلاثة الماضية بوسوم تجاوزت المليون تفاعل، تنادي بتخفيض أسعار المحروقات إلى الأثمنة التي كانت عليها قبل موجة الزيادات “الخيالية” لاسيما وأن أسعارها في السوق الدولية انخفضت إلى مستويات مهمة، وامتازت هذه الحملة بانخراط مختلف مكونات الشعب المغربي ومختلف فئاته، وهو ما يغذيها ويرجحها للانتشار أكثر، خاصة وأن ارتفاع أسعار المحروقات يرخي بظلاله على كافة المواد الأساسية.