بقلم: عز الدين البدوي

بلغني هذا اليوم خبر ترجل رجل من أحبة كنت قد حضرت مناقشة أطروحته في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، قبل عشرين سنة، وقد كانت من أجود ماحضرت، كان المشرف على صاحبي الدكتور الحصيف السوري فاروق حمادة والموضوع متميزا حيث كان في المقاصد، وإعمالها زمن الخلفاء الراشدين، وكان الحضور نوعيا، وكنت ممن تشرف بالحضور، قادما من العاصمة العلمية فاس، إلى حيث العاصمة الإدارية الرباط.

ولأول مرة في حياتي أتشرف بحضور مناقشة سجين، كان يقبع في سجون الظلم، بتهم لفقت له صحبة إخوته الاثنا عشر تلفيقا، وزورت لهم المحاضر تزويرا، وفتحت لهم السجون أبوابها، وصدرت في حقهم أحكام بلغت المائتين وأربعين سنة، موزعة بالتقسيط عشرين سنة لكل طالب منهم، وهم يومها لم يتجاوز الواحد منهم العشرين ربيعا من عمره.

إنهم طلبة وجدة، واحداث فاس ووجدة، والضربة الموجعة التي كان يظن المخزن أنه وجهها لجماعة العدل والإحسان، بعد ضربات متتالية، من قبيل فرض الإقامة الجبرية على الإمام المرشد رحمه الله، واعتقال مجلس إرشاد الجماعة، ظانا منه ويا لخيبته ! أنه انتصر بفعاله على مكون نبت في هذه الأمة، كان يعتقد أنه أحكم قبضته على جماعة العدل والإحسان، وأن هذه الأحكام الظالمة الجائرة ستدفع الجماعة للتنازل عن مواقفها، وأن تخضع وترضخ، في زمن كثر فيه الخضوع وكثر فيه السجود والركوع. وكما يقال الضربات التي لا تقسم ظهرك تقويك، ويشاء ربك وهو أرحم الراحمين، أن يجعل هذا السجن بردا وسلاما، وكانوا يرددون جميعهم هذا الشعار الخالد، رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.

راودهم المخزن، كما راود الجماعة، إلاّ أن أهل العدل والإحسان استعصموا وفضلوا غير ذات الشوكة.

مناقشة أطروحة الدكتور محمد اللياوي، كانت فتحا مبينا على كلية الآداب وعلى جامعة محمد الخامس بشهادة اللجنة التي ناقشت وقومت العمل، ومنحت صاحبها مشرف جدا مع التنويه والتوصية بالطبع.

طالع أيضا  عبد الله العماري، رئيس التجمع من أحل كرامة الإنسان 'تمكين'.هم معتقلون سياسيون ولابد من تسوية ملفاتهم

كانت أمسية علمية أثرت في وجعلتني أتشوف أن أكون مثل هؤلاء الرجال. انفض الجمع على أيقاع ألف مبروووك لأول دكتور من هذه الكوكبة النورانية.

رجعت بي الذاكرة، وأنا فخور مسرور بهذا الإنجاز الذي حققه أخي، هنأته واحتضنته، كان يعرفني باسمي، وأنا الذي كنت زرته بالسجن المركزي مايزيد عن الخمسين زيارة، كانت كلها فوائد، كان السجن بالنسبة لي كجامعة ألجها فأحظى بدروس لاثني عشر أستاذا مبرزا في العلوم الشرعية من فقه وأصول وتفسير وحديث وسيرة….

اكتشفت جامعة مغمورة في غرفة خاصة للزوار بالسجن المركزي بالقنيطرة.

أصبحت معروفا عند مسؤولي هذا السجن، وكان المسؤول عن الباب ذاك الرجل الوزاني من كثرة ترددي على السجن قد حفظ اسمي واسم من أزور، كنت كلما دخلت يرفع بصره إلي، ويناديني: عزالدين ويسجل اسم صاحبي “متوكل بلخضر”، وكانوا كلهم أصحابي وخلاني.

يخرج عندي علي حيداوي وقد اشتقت لمجالسته كما يحن المريد لملاقاة شيخه، وكنت قد نسجت معه علاقة خاصة، ربما أقضي معه ما يزيد عن الخمس أو الست ساعات، يحدثني عن ظلمات السجن وعن السجناء، يخبرني عن المحن والمنح، كان هذا الرجل قوي الذاكرة، يسألني عن إخواني كلهم بأسمائهم، ويسألني حتى عن أحوالهم، يسألني عن طلبة فاس كل باسمه، كما يسألني عن أهل وزان الذين كنت دليلهم ومرشدهم في زيارتهم لهذا السجن.

يخرجون وكلهم أنوار، ونحن نقتبس من نورهم، نستمتع بمجالستهم، بأحاديثهم الطيبة، وعلمهم الغزير، وعظيم أخلاقهم، وأنت في كنفهم ترجوا لو يتوقف الزمن، لا نشعر بالوقت، يزيد الأمر متعة عندما تعلم أنهم عن بكرة أبيهم حفظوا القرآن الكريم أو بالأحرى هو حفظهم في خلوتهم، وحصلوا على الإجازات ودبلومات الدراسات العليا المعمقة.

كنت محضوضا حيث كلفت بحمل ملفاتهم العلمية للعاصمة العلمية فاس، كنت أرجو أن أظفر بتسجيلهم بفاس، بعدما كانوا مسجلين بالقنيطرة، قلت في نفسي إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم.

طالع أيضا  مساعف: وصْفُ البيت المشمع بفاس بـ "المهجور" بعد تعرضه للسرقة تضليل للرأي العام

حملني الحنين لتلك الأيام التي كنت أزور السجن صباحا فلا أغادره إلا وغربت الشمس، وليس السجن من سكن قلبي ولكن حب من سكنه.

أرجع إلى مدينتي الصغيرة أحمل معي ما تزودت به، أهداني أخي حيداوي قلما من الحبر الجاف كتب عليه طرزا بالنسيج آية هي أجمع آية في كتاب الله تعالى، لازلت أحتفظ به إلى اليوم.

وأهداني سيدي نور الدين التاج وكان كبيرهم جواربا، جعلتهم هدية غالية لأمي التي كنت أخبرها بزياراتي المتكررة لهم، وكانت تفرح بي كما كنت أفرح وأسعد بزيارتهم. حملت لأمي يوما خبزا من صنع أيديهم، ولك أن تتصور من يهديك خبزة في المخيال الشعبي.

كان والدي حفظه الله يحكي لي وأنا صغير عن رجل أهداه خبزة ساخنة، وكيف كانت له هذه الخبزة فتحا مبينا في رزقه.

كنت أقضي معهم ما يزيد عن عشر ساعات، أفطر في السجن وأتناول وجبة الغداء هناك، وأحيانا كان أخي علي حيداوي، يريد أن يخفف عني وعثاء سفري فيقول لي وهو يمازحني: لو أردت أن تستحم هنا فمرحبا.

كنت أفخر بزياراتي لهم، وكأني أرجوا الإجازة منهم، وكأني أبحث عن السند المتصل، كما كان أهل الحديث يفخرون برحلاتهم في طلب الحديث.

خبر ترجل سيدي اللياوي في ثالث عيد الأضحى، أيام التشريق، بعث في ذكرى الزيارات التي كنت أختص بها يوم ثاني العيد للسجن المركزي، فيخبرونني، أن الأحبة اختصوهم بثلاث من الخراف الملاح، فيجعلون واحدا لهم والثاني هدية لأهاليهم، والثالث يجعلونه هدية للسجناء.

أذكر وأنا في خضم البحث عن مرجع أفدت منه في دراستي ولم أجده في المكتبات، ظفرت به في السجن، كان مرجعا في الفرائض، “المواريث للرسموكي” خصني به أخي بلقاسم الثنوري.

كانت ذكريات أحتفظ بها لنفسي، أما وقد بلغني اليوم خبر وفاة أخي الدكتور محمد اللياوي، ذاك الشاب الجميل المحيا الوضيء الوجه الهين اللين الوسيم صاحب الابتسامة الخفيفة، المربوع القد، كان في سني، كان رحمه الله أصغرهم سنا، كان عظيم الشأن. يخيل لي أنه كان من أهل الآخرة اصطفاه الله واجتباه.

طالع أيضا  حقيقة الاستقامة وكيفية الثبات عليها.. الدكتور المساتي يقرأ في كتاب الإحسان

وقد جاء في المستدرك: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا عَسَلَهُ”، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا عَسَلَهُ ؟، قَالَ: “يُوَفِّقُ لَهُ عَمَلا صَالِحًا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ جِيرَانُهُ”، أَوْ قَالَ: “مَنْ حَوْلَهُ”.

وفي حديث لأبي هريرة: إذا أحب الله عبدا ابتلاه ليسمع تضرعه. رواه البيهقي في شعب الإيمان، والديلمي في مسند الفردوس .