تقديم

الحمد لله رب العالمين،

لما تفضل الأستاذ أحمد الفراك، وهاتفني طالبا مني تقديم كتابه الرائع “صناعة الحرية” ارتبكت كثيرا لعدم ثقتي بنفسي في إنجاز هذا العمل غير الهين، فراودتني تلقائيا فكرة التحفظ لولا تشجيع أحد الأصدقاء الذي كان حاضرا معي من جهة، وخوفي من جهة أخرى أن أخيب ظن المؤلف الذي أعرفه رجلا طيبا وعلى مستوى عال من الأخلاق الكريمة.

وما أن شرعت أياما بعد ذلك في قراءة الكتاب، حتى تضاعف ارتباكي بعدما اكتشفت أن موضوعه يدور حول شخصية لا ككل الشخصيات…

إنها شخصية مُصلحة فذة عظيمة وسمت التاريخ المغربي المعاصر بميسم الصِّدق والشجاعة والخير والدعوة الصريحة والهادئة إلى الله تعالى.

وبعد التمحيص، تيقنت أن ما حدا بالكاتب إلى الاتصال بي، هو العمل بالآية الكريمة ولا يُنبئك مِثْلُ خَبير ولا يُنبئك مِثْلُ خَبير (فاطر:14) صدق الله العظيم. ذلك أن القاسم المشترك بين بطل كتابه وبيني، هو أننا ضُربنا بهراوة واحدة واكتوينا سويا بنفس السعير الذي حرق الأخضر واليابس وصهر بلهيبه الشجر والبشر والحجر والفولاذ…

لبيك أخي أحمد، سأقول كلمتي في حق الشيخ الجليل عبد السلام ياسين، كلمة أسير مثله، ولكن، أنى لمغربي أن يدعي اليوم أنه مثله؟

إن مجرد ذكر اسمه وحده، وهو اليوم بين يدي ربه، ما زال يثير في نفوس من ناصبوه العداء ومكروا له بالليل والنهار تصلبا وقشعريرة، أما من عرفوه أو سمعوا عنه، فذكراه مدفونة في شغاف قلوبهم، مغلفة بالحب والتقدير والحنين.

لقد طبقت شهرة الرجل الآفاق، وشغلت قلوب الناس وعقولهم، بسبب علمه الغزير، وخلقه الكريم، وشجاعته الخرافية، وصبره الأيوبي، وزهده في جمال الدنيا وزخرفها، كل ذلك، لأجل قول كلمة حق.

لقد سمعت أول ما سمعت عن هذا العالم المصلح صدفة وأنا في مختبر الموت البطيء بتزممارت، وذلك من خلال حوار قصير دار بين حارسين كانا جالسين على عتبة باب العنبر ينتظران وصول آنية الطعام ونقله إلينا، مع بعض الأصدقاء ممن كانت زنزانتهم مقابلة للباب الخارجي:

إذ قال الأول للثاني:

ـ هل سمعت عن ذاك “الفقيه” الذي تجرأ على “سِيدنا” وكتب له رسالة كلها لوم وعتاب؟

فرد الثاني بيقين الطبيب الذي يكشف عن الدواء المناسب لعلة من العلل:

ـ “أنا ما سْمعت والو… ولَكَانْ دارْها، هَداك راهْ حْمَقْ وخَصْهُوم يجِيبُوه لَـهْنا يْتربى…” 1

ذلك مبلغهم من العلم… أو قل، ذلك مبلغهم من الجهل، مع طلب الصفح من الله تعالى على تحريف الآية الكريمة…

هكذا كسر اسم عبد السلام ياسين أبواب أبشع وأفظع المعتقلات التي تفننت في صنعها عبقرية الشر، وتمكن ذكره من زعزعة أسوارها الصخرية ليتناهى إلى سمع أصحاب كهف القرن العشرين، ممن كانوا في مختبر الموت البطيء، لا يطمحون سوى في موت رحيم يخلصهم من محنة همجية أراد لهم مبتكروها ألا يقضى عليهم فيها فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها.

طالع أيضا  ما أعظمك يا رمضان...

فمن يكون هذا العالم العلَم الذي اقتحم العقبة، فأخذ قلمه وغمسه في دم قلبه، وحرر رسالة إلى من يهمه الأمر، كل حرف من حروفها شمعة حق وهاجة تشعشع بنور الله العظيم في حلكة ظلم كان المواطن المغربي من شدته إذا أخرج يده لا يكاد يراها؟

جاءني الجواب سريعا لما كتب الله لي النجاة على لسان كثير من الناس ممن كانوا حولي. فكان متباينا يذهب من النقيض إلى النقيض، فمن قائل بأنه فقيه معتوه، ومن قائل بأنه رجل ذو شجاعة لم تعد ممكنة في هذا الزمان، ومن قائل يزعم بأنه يدعو إلى قطع الأيدي والرؤوس عبر تطبيق “شريعة عفا عنها الزمن”! ومن قائل آخر يؤكد بأنه عالم مصلح يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة… الخ…

واتفق ذات مرة أن تعرفت على كُتُبِي كان يسكن بجواري في سلا، وكنا نصلي دائما في نفس المسجد، فمكنني من بعض مؤلفات الشيخ الجليل، وقال لي وهو يلتفت بتوجس شمالا ويمينا:

ـ إياك ثم إياك أن تسقط هذه الكتب في يد عون من أعوان السلطة…

قلت ولم؟

قال: إنها محظورة…

ثم أردف قائلا:

ـ ابدأ أولا بهذه الرسالة.

وكذلك كان. وما أن استهللت فقراتها الأولى حتى أخذتني الدهشة من شرارات الحق التي كانت ترسلها كلماتها البليغة وتشع بها عباراتها السامية المكتوبة بأسلوب جزل فريد لا يقوى على الكتابة به إلا من أوتي حكمة ربانية وعلما غزيرا. 

وهنا انقشعت السحب، وذهب الزبد جفاء لما تبين لي زيف ماكينة الدعاية المخزنية الرهيبة التي لم تترك في مستنقعات النقائص صغيرة أو كبيرة إلا رمت بها الرجل الصادق الأمين.

وساءلت نفسي بكثير من الإعجاب:

أي شجاعة أقدم عليها هذا الأشوس الصنديد الذي لم يجد من بد في سبيل قول كلمة الحق سوى الخروج إلى الساحة وحيدا لمجابهة ثور نطاح ومسكه من قرنيه مع سابق علمه بأن مآل المعركة ستكون نهايته المحققة؟ 

ما من شك أن الرجل كان يتوقع الشهادة.

وهذا ما أكدته لي كريمته الكريمة السيدة نادية ياسين، حين التقيت بها ذات مساء في بيتها بصحبة المناضلة الراحلة كرستين السرفاتي التي كان لها فضل عظيم علينا لن ننساه أبدا ما حيينا.

وقصة هذا اللقاء، هو أن كريستين، كانت تأتي إلى سلا لزيارتي بين فينة وأخرى، وكنت أبادلها الزيارة في بيتها مع زوجها بالمحمدية.

طالع أيضا  ذ. تشيكيطو على رأس وفد من العصبة في زيارة لمعتصم الطلبة يدعو للنظر في الملف "بمنطق وطني"

واتفق ذات يوم أن زارتني وطلبت مني أن أصاحبها إلى مكان في حي السلام للقاء بنت الشيخ التي كان لها معها ميعاد.

وهناك، ازددت تعرفا على الشيخ المحاصر من خلال ابنته التي دار بينها وبين كريستين المحايدة دينيا (Agnostique) حوار رصين هادف دام لساعات طويلة.

وتمنيت من كل قلبي ساعتها لو أن ذلك الحوار الرائع بُث على الشاشة أو على أمواج الأثير، لكان استفاد منه المغاربة أيما استفادة، حيث تقارعت الحجج وتصادمت الدلائل بأسلوب حضاري راق وفرنسية سامية من كلا السيدتين.

ولكن أنى لقنواتنا التلفزية السخيفة أن تبث مثل هذه البرامج المفيدة وهي غارقة حتى عنقها بإشاعة ثقافة الرداءة، وبإقناع الشباب والشابات أن الشهرة والمجد في وطننا لن يتحققا إلا عبر الرقص الفاحش والغناء البذيء الهابط…

وأذكر فيما أذكر، أن السيدة نادية أخبرتنا بأن والدها لما أرسل رسالته التاريخية إلى الملك، ودَّع أهله وحضر كفنه وصلى صلاته وبقي ينتظر قدره…

أي تضحية في التضحيات أكبر من هاته حين نرى مقابل هذا أن هنالك عددا عديدا من أشباه العلماء، يستخفون ثيابهم، ويبلعون ألسنتهم في الأمور الجوهرية الحساسة، ولا يقربون المجال السياسي إلا للكلام بإسهاب عن وجوب الطاعة العمياء لأولي الأمر، أما حين يتعلق الأمر بدروس نواقض الوضوء وتقديم الرجل اليمنى على اليسرى، فهات يا فصاحة وهات يا بيان…

وأعتذر إن خرجت على الموضوع وسقت هنا على سبيل التندر مثلا حصل لي شخصيا في هذا المجال:

حضرت بمحض الصدفة جنازة باذخة في الدار البيضاء، فقدم رجل مهيب وقور بلحية طويلة جللها الشيب، ومن وجهه المحمر وثيابه النفيسة كانت تطل آثار النعمة، فجلس القرفصاء في مكان مرتفع من الصالون الفسيح تحت أنظار المعجبين وشرع يحدث الناس عن الجنائز وكيفية تغسيل الميت بعربية بليغة وإن كان فيها شيء من التعالي. فلما انتهى من درسه أخذ يتلقى الأسئلة ويجيب عليها. فلما جاء دوري سألته باحترام:

ـ سيدي الفاضل، ما رأي الشرع في هالك لم يجد رجل كان معه ماء يغسله به؟

فأجابني باسما:

ـ أوَقع هذا في المغرب؟

 قلت نعم

قال وابتسامته تزيد اتساعا:

ـ وهل المغرب ببحريه وأنهاره ووديانه وآباره وعيونه لم يستطع أن يوفر شيئا من الماء لغسل هذا المسلم؟

قلت: نعم

قال:

ـ أين حدث هذا؟

قلت: في تزممارت…

فاكفهر وجه الفقيه، وغاضت ابتسامته ليحل محلها عبوس وتكشير:

فأجاب على الفور:

ـ يا أخي، ما لنا وما لتزممارت؟ أنا أجيب عن أسئلة في الدين لا في السياسة…

طالع أيضا  الجبهة: المحاكمة في حق التطبيع والمطبعين "رمزية" في التوصيف لكنها "واقعية" في الأسس والقواعد

وقفل حصة الأسئلة، ثم تريث لحظة وغادر الجنازة دون تناول العشاء…

أمِثل هؤلاء العلماء كانوا سيطالبون باجتثاثنا من قبورنا؟

لا حول ولا قوة إلا بالله…

ولنعد إلى كريستين السرفاتي التي انبهرت بثقافة بنت الشيخ واعترفت لي أنها وضحت لها كثيرا من الأمور التي كانت الدعاية تلاحق بها أباها من قبيل العنصرية وطمع الانفراد بالحكم وعدم قبول الرأي الآخر والدعاية إلى العنف الخ…

وقد أشارت إلى هذا الحوار في الكتاب الذي كتبته مناصفة مع زوجها أبرهام المعنون بــ”ذاكرة الآخر”…

على كل حال، هذه نظرة وجيزة، هي قطرة من بحر، لا تفي أبدا بالمراد، ألقيتها بتواضع شديد على مسار هذا الرجل العظيم المصلح الذي ضرب الأمثال للأجيال اللاحقة في الشهامة والشجاعة وحب الوطن، ولم يلق “السلاح” إلا بعد أن ناداه ربه إلى جواره، فلبى النداء راضيا مرضيا بعدما ترك من بين صدقاته الجارية، علما ينتفع به، ورجالا أقحاحا يحفظون عهده ويصونون ذكراه ويمشون على هداه… 

واليوم، ها هو ذا رجل من بين أولئك الرجال، الأستاذ أحمد الفراك، يدلو بدلوه، وينبري إلى الساحة بقلمه الجميل السيال، مساهما في فك الحصار المتواصل المضروب على إرث الشيخ الجليل وجماعته، وذلك عبر تأليف كتاب رائع عنه، بسط فيه فترات حياته ومراحل نضاله من أسر وحصار وتضييق ومحاولات احتواء، كما جمع من شخصيات سياسية واجتماعية وازنة شهادات بليغة وآراء حكيمة حول الرجل، وزين ذلك بصور ناطقة تؤرخ لكل مرحلة من تلك المراحل العصيبة، كما أحال القراء ممن يريدون التعمق في دراسة شخصية الشيخ على مراجع وروابط إلكترونية مفيدة. 

إنها محاولة جميلة شجاعة مشكورة.

فأرجو أن يستمتع القراء الكرام بقراءة هذا الكتاب المفيد بالقدر الذي استمتع به عبد ربه، كما أغتنمها فرصة سانحة لتهنئة هذا الشاب الأريب على مجهوده الجبار، وحثه على مزيد من التأليف المفيد ما دامت لديه كل مقومات الكتاب الكبار…

أحمد المرزوقي

الجمعة 4 شتنبر 2020م.


[1] تعني بالغة الفصحى: “أنا ما سمعتُ شيئا، وإذا فعَل ذلك فهو أحمق وينبغي أن يأتوا به إلى هنا (أي تزممارت)”.