د. محمد راجي أستاذ جامعي وعضو اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي

بعد نجاح الإضراب الوطني الذي قررته اللجنة الإدارية أيام 7، 8 و9 يونيو 2022، حيث عرف هذا الإضراب مشاركة شاملة لكل مؤسسات التعليم العالي العمومي ببلادنا وتخللته تجمعات محلية وجهوية ساخنة وغاضبة، لكن مسؤولة أيضا، من تماطل الوزارة الوصية في الالتزام بتعهداتها، وبعد المخرجات السلبية للقاء المكتب الوطني مع الوزير المكلف بالقطاع يوم 23 يونيو  2022، ستجتمع اللجنة الادارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي يوم الأحد 3 يوليوز 2022 لاستئناف أشغالها ومدارسة الوضع النقابي ومآل الملف المطلبي لأساتذة التعليم العالي الذي عمر أكثر من 20 سنة. هذا التجاهل غير المفهوم للحراك النضالي العارم الذي اشتعل في كل مؤسسات التعليم العالي على طول البلاد وعرضها، يضع إرادة وجدية الوزارة والحكومة في إصلاح منظومة التعليم العالي على المحك ويجعل مما فتئت تعلنه من شراكة مع النقابة الوطنية للتعليم العالي محض ادعاء، حيث ترمي إلى تنزيل مخططاتها كما هي دون اكتراث برأي المكونات الأساسية لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي. الشراكة الحقيقية مع النقابة الوطنية للتعليم العالي والحرص عليها يقتضي الجدية في الحوار والالتزام بالاتفاقات المعلن عنها من خلال البلاغات المشتركة، وليس التلكؤ والمماطلة للتملص من التعهدات المتفق عليها سلفا بتبريرات وتعليلات واهية.

إن وضع التعليم العالي العمومي مأزوم وظروف عمل أساتذة هذا القطاع صعبة سواء من الناحية الأكاديمية أو البيداغوجية أو الاجتماعية أو حتى الانسانية. وضع كهذا يقتضي رؤية واضحة وسياسة واقعية وتدبيرا راشدا وعمل تشاركيا حقيقيا لنزع فتيل أزمة عمرت طويلا، سببها التوظيف السياسوي البئيس والمقاربة المادية الصرفة وكذلك المراهنة على تقاسم الأدوار بين المؤسسات الحكومية والتسويف والتأجيل إلى أجل انتخابي آخر.

أبانت أحداث ما قبل الإضراب الأخير وما بعده أن الجهة المسؤولة عن القرار في القطاع الوصي لا تعي جيدا خطورة ما تقدم عليه، إذ لا تعير أي اهتمام لصبر الأساتذة الباحثين ومعاناتهم وما يتحملونه من أعباء في ظروف صعبة للغاية، ولا تدرك على ما يبدو الدور المنوط بأستاذ التعليم العالي اليوم وما يقوم به من مهام تتعدى التدريس والتأطير والاشغال التطبيقية وغيرها من أشغال البحث والقيام بوظائف بيداغوجية وإدارية إضافية التي جاء بها نظام LMD. هذا النظام الذي لم ترصد له الإمكانات التي يروج لها قبل تطبيقه، فأصبحت المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح تشهد اكتظاظا كبيرا وتشكل ضغطا إضافيا على الأساتذة (الأعداد الهائلة من الطلبة في المدرجات، تصحيح عدد كبير من أوراق الامتحان في وقت جد وجيز، تأطير العشرات من مشاريع التخرج بما في ذلك من مواكبة وتصحيح ومناقشة، …..الخ).

طالع أيضا  دعما للريسوني ونعيا للقضاء.. فاعلون يعتبرون الحكم الصادر "فضيحة بكل المقاييس"

لا يختلف اثنان على أن النظام الأساسي الحالي لأساتذة التعليم العالي نظام متجاوز منذ فترة بعيدة وغير محفز، فالعديد من الأساتذة لم يستفيدوا من أي ترقية منذ 20 سنة ولو بدرجة، وقد بدأ الحوار بين النقابة والوزارة حول إصلاح هذا النظام وعقدت حوله اجتماعات كثيرة واستنفد زمنا ثمينا واتفق عليه مبدئيا وصدرت في ذلك بلاغات مشتركة حتى مع الوزير الحالي، وفي آخر المطاف يعلق لأسباب واهية لا تقنع حتى الوزارة نفسها.

على الوزارة الوصية أن تعلم أن العمل التشاركي يحتاج لشجاعة سياسية نافذة ولغيرة وطنية قوية باعثة تجعل من السلم الاجتماعي والاستقرار النفسي لكل مكونات التعليم العالي هدفا أساسيا وأولوية قصوى، وأن تعي أن الحل ليس هو الهروب إلى الأمام ولا التوسل بالمقايضة العرجاء ولا تورية الوضع المهترئ والهش بخرجات إعلامية منمقة هنا وهناك.

 إن الاعتماد على التدبير الإداري الجاف لقطاع حيوي كقطاع التعليم العالي والبحث العلمي واعتباره مؤسسة إنتاجية مادية تعتمد فقط على التراتبية الإدارية والإفراط في استعمال السلطة لا يخدم هذا القطاع في شيء؛ فالفردانية المفرطة والرؤية الأحادية لا تزيد الوضع المتأزم أصلا إلا تعقيدا، بينما تبقى القناعة بأهمية التعاون المستمر وفاعليته والتوافق المربح لكل الاطراف والوعي التام بخصوصية المجال وحيويته وتعقيداته هي الحل الأنسب في زمن سريع التغيرات لا يؤدي تضييع الوقت فيه إلا إلى الفشل في الإصلاح الحقيقي.

يقتضي الأمر اليوم من النقابة الوطنية للتعليم العالي في هذه اللحظة الدقيقة الاعتماد على قوة أجهزتها والحرص على انسجام كل مكوناتها واستثمار كل طاقاتها وأفكارها وتجربتها لرص الصفوف وجمع الكلمة، كي تتصدى بحسم وجزم لتعنت الوزارة وتصلبها المستمر ولكي تقوم بواجبها كاملا غير منقوص في إنصاف أساتذة التعليم العالي العمومي ورد الاعتبار إليهم ماديا ومعنويا وصون كرامتهم. إن اللجنة الادارية مدعوة اليوم لاتخاذ قرارات صارمة ووضع خطة نضالية تصعيدية محكمة لانتزاع حقوق الأساتذة المشروعة كاملة، كما ينتظر من أعضائها التزاما تاما بمخرجات المؤتمر الحادي عشر وبتوصيات التجمعات العامة المحلية والجهوية الأخيرة، ولن يتأتى ذلك إلا بالنضج الكافي من الجميع والاستيعاب الكامل لحساسية المرحلة والإدراك العميق لتفاصيل المنعطف الخطير الذي تمر منه الجامعة وكل مؤسسات تكوين الأطر العمومية وكذلك باستيعاب طبيعة التحولات الكبرى التي تغشى ساحاتها.

طالع أيضا  فضائل الصلاة على النبي