بقلم: مصطفى شقرون

في سنة 2000 في مكان ما من العالم.. حضرت عشاء احتفاليا جمع “خيرة” الأطر (high potential associates)  في إحدى الشركات متعددة الجنسيات.. 20 إنسانا من 20 بلد مختلف.. من بين أذكى ما أنجبت الشركة..

غالبا ما ينبهر الأطر والدبلوماسيون ومنهم -على سبيل المثال لا الحصر- الوزراء الجدد والسفراء والرؤساء إذا ما ووجهوا بمظاهر ترف لم يألفوها في أسفارهم كالفنادق الفاخرة والأسواق والمطاعم والملاهي والمنتجعات.. وبخاصة إذا كان بلدهم الأصلي فقيرا ضعيفا ليست لديه بنية تحتية يمكن أن تعتمد كمرجع لمقارنة ما.. وليس يمتلك أساسيات التنظيم ولا يطوّر أساليب تسييره في أي مجال.. وإذا كان -بالإضافة الى هذا كلّه- مستعمرا فكريا واقتصاديا.. تابعا..

وغالبا ما ينتج عن هذا “الكونتراست” أو التباين الواضح مركّب نقصٍ يدفع القادم من الجنوب وخاصة من الجنوب المسلم -حيث أمات الحاكمون علينا ديننا طيلة خمسة عشرة 15 قرنا من التسلط والتوريث والنهب- أن يتجنب الحديث عن الدين وأن يجنح إلى الدفاع إذا ما هوجم.. هذا إن كانت لديه بقية من مروءة تجاوز بها مؤقتا عقبتي الطمع أو الحرص على مصالح أو امتيازات..

كانت هذه المقدمة أساسية لا لتحليل واقع بل للاستفادة منه في عملنا الدعوي وفي إعداد أطر غد الإسلام..

إنه من المهم أن يكون للإسلاميين برنامج تدريب يضم رحلات إلى دول محددة في القارات الخمس تمثل العالم.. يبدأ في سن مبكرة إن أمكن.. سيما وأن دينهم عالمي…

لا نقتصر على سفريات الدراسة أوالسياحة التي ربما كان قد قام بها الأخ.. بل نخطط لها.. لأن سفرياته المحدودة ربما كوّنت لديه صورة غير مكتملة لما عليه الأرض وسكانها وعاداتهم..

نرجع إلى حفل العشاء..

تتوفر الشركات الأجنبية العابرة للقارات على “قانون سلوكيات” code of conduct  يوضح ما على العمال تجنبه.. ومنه الجدال في المعتقدات حتى لا يكون هناك تصادم..

لكن في الواقع هناك استثناء عشته مرارا..

يمنع الكلام حول الدين ما لم يكن إسلاما..

في الواقع يستباح الكلام عن الإسلام وانتقاده… برغم وجود “القانون”..

فالقانون والديموقراطية يحترمان ما داما بين الأقوياء..

شخصيا أحصيت ثمانية 8 أنواع من اللمزات والأسئلة (البريئة أحيانا) التي تطرح عليّ دائما.. وهي وضعية المرأة والحجاب والحدود العقابية وتحريم الخمر والخنزير ومعاملة الحيوان واللّحية والإرهاب..

وبطبيعة الحال لم يسلم هذا العشاء من واحدة منها.. برغم وجود أعلى سلطة في الشركة.. الأمريكيّة..

طالع أيضا  رَيّانُ عَجَبٌ في رَجَب

بدأ النادل في إحضار الوجبات.. فسألني زميل ألماني بصوت عالٍ.. فقد كان مقعده المقابل لي بعيدا مني بعض الشيء.. “سمك مرة أخرى.. ؟!”..

فأومأت برأسي لتوماس وبابتسامة صامتة تعني (نعم وتعرف ذلك واصمت ليس هذا وقته فقد ناقشنا هذا من قبل.. و”خلي الليلة تعدي على خير” كما يقول المصريون..)..

لكن توماس أراد أن يحرجني لأجيب.. لا لأنه سادي.. لا أظن.. ولكنه لا يستسيغ أن يكون هناك رجل “طبيعي” وفي نفس المستوى المهني يصدِّق ويمتثل “لخرافات” (في نظره) غير منطقية.. لأنها فقط مكتوبة في “كتاب” ما..

كانت هذه فرصته ليظهر لي أنني أهرطق.. أو أنني إمعة.. لا منطق ولا إرادة لي..

لكنني لم أجب..

تضايق صاحبي جدا.. فأعاد سؤاله بصيغة أكثر وضوحا..

“إنه قرآنك من يمنعك من أن تأكل الخنزير كما نفعل كلنا؟”.

هنا.. وعوض أن ينهاه مدير التدقيق المشرف على احترام القوانين بالشركة.. وكان حاضرا.. وعوض أن تتوجه الأنظار إلى من خرق القانون.. توجهت كل الأنظار إليّ… أنا المسلم الوحيد في “الزفة”…

ينتظرون جوابي.. دفاعي الدغمائي الأسطوري غير المنطقي حتما..

هنا كانت فرصتي للدعوة.. ولأعزّ دين الله وأسفّه أحلام “الأذكياء جدا” لعلهم يرجعون.. أو على الأقل لعلهم يحترمون هذا الدين..

قلت له بابتسامة عريضة: “لا أحب طعم الخنزير !..”

هنا احمرّ وجه توماس الأبيض.. يحدث له هذا كلما واجهتنا مشكلة في العمل..

لكن الألماني.. لا يستسلم بسهولة..

“إنك لا تستطيع مخالفة قرآنك.. قلها بكل بساطة”..

تبيّن هدفه.. يريد أن يوضح أن ديني خرافيّ لا منطق فيه..

هنا وبابتسامة عريضة قلت -مهاجما لا مدافعا-

“توماس.. حقا لا أحبه صدقني.. أفضل لحم النمر .. لكن لم أجده في اللائحة  (menu)”..

هنا حلّ صمت غريب.. وبدأت بعض النظرات الثنائية.. فواصلت أكلي..

لعبت على وتر أنني من إفريقيا.. فشك البعض..

(بل وقلت لنفسي نكتة: تخيّلت أن أحدهم قال لنفسه: علينا أن نكون حذرين.. ربما أكلنا هذا الإفريقي يوما.. وضحكت في خاطري.. لا أمامهم: فالموقف موقف جدّ.. الموقف موقف دعوة.. موقف جهاد.. ).

كانت لحظة تلذذت فيها بتوفيق الله المعين..

وكما في الشطرنج تماما.. هيأت بعون من الله لحركة توماس المقبلة..

“مستحيل أنت تكذب.. لحم النمر لا يؤكل! هذا لا يجب”.

هنا وبابتسامة حنونة لا خبث ولا انتصار فيها (أذكّر من خلالها بأن المسلمين ليسوا إرهابيين وأنهم يبتسمون ولا يتضايقون بسهولة) .. قلت له للتأكيد:

طالع أيضا  "مركز لتحليل السياسات" يصدر كتابا عن أعطاب التنمية في المغرب وبدائلها ضمن مخلفات أزمة كورونا

“بل يؤكل.. يا توماس!”

قال “لا يمكن”..

هنا قلت له والكل ينظر إليّ منتظرا نهاية فيلم الأدغال..:

“قل لي لماذا لا يجب أكل النمر.. أقلْ لك لماذا لا يجب أكل الخنزير..”

فبهت هير 1 توماس..

لم يكن يهمني توماس بالدرجة الأولى فلكم ناقشنا المسألة قبلها.. وكان ملحدا لا يؤمن بربّ ولا ببعث..

كنت حينها مهتما بالعشرين مديرا وإطارا الدوليين..

الآن بعد عشرين 20 سنة أصبحت مهتما بكم معشر الدعاة الشباب.. وبكم إخواني 2 الملحدين..

لو أنني اقتصرت على الدفاع وقلت بأن في الخنزير شيئا ما حذر منه الأطباء لضرره (وهو صحيح ويحتج به غيري في ظروف غير هذه) لخسرت عقول القوم وربما قلوبهم كذلك..

تخيل أن يجيبك عندها أحدهم.. نحن نأكل الخنزير ونعيش أكثر من 80 سنة في المعدل وبأجسام أصح وأسلم ولا أمراض لنا ونحن نأكل الخنزير مرات كل يوم.. وأنتم… انظروا لحال صحتكم.. وبشرتكم.. ولأعماركم..

قد يستعمل محاورك نتيجة يراها الجميع رأي العين.. ويلصق لها سببا ليس سببها..

لكن أكثر الناس يصدقون ما يرون.. فقط..

..ولكن أكثر الناس.. لا يعلمون.. ..

ملحوظة:

1-     هناك أجوبة أخرى سقتها في ظروف أخرى.. شاركت هذه الخاطرة للدعوة فقط حتى نبدع أجوبة أكثر إقناعا حسب الظرف ونية السائل أو لاستعمال المثل نفسه ..فقد أجبت متشددا نصرانيا: “لا آكل الخنزير لأن سيدنا عيسى عليه السلام لم يأكله” 3الدلائل من التوراة والانجيل *** :

ا- سفر اللاويين 7:11 و 8 :

Leviticus 11:7-8 : “And the pig, because it parts the hoof and is cloven-footed but does not chew the cud, is unclean to you. You shall not eat any of their flesh, and you shall not touch their carcasses; they are unclean to you”

[“4 إِلاَّ هذِهِ فَلاَ تَأْكُلُوهَا (…..) 7 وَالْخِنْزِيرَ، لأَنَّهُ يَشُقُّ ظِلْفًا وَيَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ، لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 8 مِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ لَكُمْ”]

ب- سفر إشعياء 17:66

Isaiah 66:17

“Those who sanctify and purify themselves to go into the gardens, following one in the midst, eating pig’s flesh and the abomination and mice, shall come to an end together, declares the Lord”

طالع أيضا  في حواره الماتع.. الدكتور متوكل يشخص أعطاب واختلالات المنظومة السياسية المغربية

[“الَّذِينَ يُقَدِّسُونَ وَيُطَهِّرُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْجَنَّاتِ وَرَاءَ وَاحِدٍ فِي الْوَسَطِ، آكِلِينَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَالرِّجْسَ وَالْجُرَذَ، يَفْنَوْنَ مَعًا، يَقُولُ الرَّبُّ.”]

ج- سفر التثنية 8:14 :

Deuteronomy 14:8

“And the pig, because it parts the hoof but does not chew the cud, is unclean for you. Their flesh you shall not eat, and their carcasses you shall not touch”.

[“وَالْخِنْزِيرُ لأَنَّهُ يَشُقُّ الظِّلْفَ لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. فَمِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا.”]

د- أنجيل متى 5: 17 إلى 19 :

تأكيد لتطبيق ما جاء في العهد القديم بحذافيره

Matthew 5:17-19

“Do not think that I have come to abolish the Law or the Prophets; I have not come to abolish them but to fulfill them. For truly, I say to you, until heaven and earth pass away, not an iota, not a dot, will pass from the Law until all is accomplished”

[“17. لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. 18. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.”.

2-      الحجاج العقلي أقل تأثيرا من الدعوة بالقدوة وبالعاطفة. لكن ما حدث هنا لم أبحث عنه بل اضطررت إليه وفي ظرف كهذا مع أشخاص هاته حيثياتهم يكون للحجاج المنطقي وزنه وهو لا يلغي بل يهيئ للدعوة القلبية وللدعوة بالقدوة.. أو يواكبها.

3-     لو كان توماس أجاب بأنه لا يؤكل النمرُ لأنه لاحم لكنت أجبته أن هذا ليس معيارا.. فحتى الخنزير لاحم عندما يأكل أولاده ويأكل الجيف وحتى السمك الذي كنت آكله لاحم يأكل سمكا وآكله..


[1] هير : السيد بالألمانية (مثل مستر).
[2] أخوة آدمية.. إنسانية..