في أحد مجالس النصيحة المباركة، التي يسر الله لي حضورها، كان الحديث عن الرحمة تحت شعار “الرحمة في العالمين”. في هذا المقال حاولت أن أجمع ما تناثر من أفواه المتناصحين من أفكار نيرة، نافعة وماتعة، لعل الله تعالى أن ينفع بها.

ومما جاء في هذه الأفكار، أن الرحمة خلق رفيع من أخلاق القرآن الكريم، وصف الله تعالى بها نفسه بأنه الرحمان الرحيم، ووصف بها أنبياءه بأنهم كانوا رحماء، ووصف بها المؤمنين أيضا بأنهم رحماء بينهم. وقد جاء ذكر الرحمة بصيغ مختلفة في القرآن الكريم في ما يقارب من 268 آية. وذلك لتؤدي معنى وظيفيا واسعا.

أولا: لا يقف عند المعنى الفردي باعتباره فقط مجرّد شفقة ورقّة، بل يتعدى ذلك إلى المعنى الجماعي الذي يشمل كل مظاهر الرحمة الواردة في القرآن الكريم.

وثانيا: لا يقف عند الرحمة الإيمانية باعتبارها فقط رابطة أخوية، بل تتعدى إلى الرحمة الإنسانية (العالمين). وبهذا التصور المنهاجي سنكون إذا جمعنا كل مظاهر الرحمة في سياق تربوي وتنظيمي وحركي أمام مشروع متكامل الأركان.

في هذه الآيات التي تتحدث عن مظاهر الرحمة آية جامعة لكل هذه المظاهر، وهي قوله تعالى وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَة لِّلۡعَـٰلَمِینَ [الأنبياء: 107]. فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، جمع عالم. رحمة للإنس وللجن، رحمة للمؤمنين بالهداية، وللكافرين بتأخير العذاب، ورحمة للمنافقين بعدم قتلهم. رحمة للحيوان وللنبات وللجماد، رحمة للأولين وللآخرين، رحمة في الدنيا بالهداية وفي الآخرة بالشفاعة، رحمة حتى للملائكة.

جمعت الآية الكريمة عناصر أربعة كما جاء في تفسير ابن عاشور رحمه الله تعالى وهي: المرسِل وهو الله تعالى، المرسَل وهو النبي صلى الله عليه وسلم، والرسالة وهي الرحمة، والمرسل إليهم وهم جميع العالمين.

طالع أيضا  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والحق الفلسطيني

فهي بكل هذه المظاهر مشروع منهاجي كامل الأركان. لها وظيفة تسعى لتحقيقها؟ لها بداية تنطلق منها، ولها طرق لتحقيقها.

في ما يخص وظيفة هذه الرحمة، فهي لجمع قلوب الناس واستمالتها وجذبها للإيمان بالمشروع والاقتناع بأهميته والسعي لنصرته. يقول الله تعالى مبينا هذه الوظيفة التربوية والدعوية العظيمة: فَبِمَا رَحۡمَة مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ [آل عمران: 159].

أما بداية منطلقها، فإنها تبدأ من الأسرة المؤسسة على المودة والرحمة، ثم تتسع لتشمل الأمة المرحومة، ثم تتسع حين تتمكن الأمة لتشمل الإنسانية جمعاء برحمتها.

أما طرق تحقيقها فبأمرين:

الأول: أن ننتقل بمفهوم الرحمة من المعنى الضيق الذي ورثناه عبر عصور الفتنة، إلى المعنى القرآني الواسع بكل مظاهره.

الثاني: أن يكون كل مسلم مؤمن، وكل مسلمة مؤمنة رحمة في العالمين. بحيث أن هذه الرحمة تتجسد فيهما فكرا وشعورا وسلوكا وخطابا. أن يراهما الآخر رحمة وليس نقمة، ملاذا وليس عذابا.

رحمة للعالمين هذه خاصة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو عين الرحمة، ولأنه صلى الله عليه وسلم كالشمس يضيء كل العالمين. أما المؤمن والمؤمنة فرحمة في العالمين بالتبعية، لأنهما مصابيح تضيء للناس الجوانب المظلمة في حياتهم ومجتمعاتهم. وكلما تعددت هذه المصابيح وكثرت وانتشرت في المجتمع وفي الأمة وفي كل العالم كلما صار الضوء أشمل وأعم وأكمل.

هذه الوظيفة التي نتحدث عنها اليوم معطلة، وما الفساد الذي يقع في الكون بكل مظاهره اللاأخلاقية واللاإنسانية، كالعنف والقتل والدمار والجوع والأمراض… وما ينتج عنه من أزمات على كل الأصعدة إلا دليل على هذا التعطيل.

طالع أيضا  استئنافية سلا تؤيد الحكم الابتدائي الصادر في حق المدون ياسر عبادي

تفعيل هذه الوظيفة وإحياؤها يتوقف على العمل عليها كقيمة أخلاقية في جميع مجالات حياتنا. وحتى نعمل عليها كقيمة أخلاقية لا بد من زرعها في القلوب حتى تنمو. وحتى تنمو لابد من الإيمان والصبر، يقول الله تعالى: ثم كان من الذين آمنوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ.

فاللهم ارحمنا برحمتك الواسعة، وارحم بنا خلقك يا رحيم.