عبد الله بلة: أحد المختطفين السبعة، أعضاء جماعة العدل والإحسان بفاس

تحل اليوم (28 يونيو) الذكرى الثانية عشرة لاختطاف السبعة بفاس، وهي مناسبة لطرح سؤال مركزي مرتبط بجانب مهم في وجود الإنسان فوق الأرض ألا وهو الأمن، على اعتبار أن كل ما يهدده هو خطر على وجوده. والاختطاف والتعذيب خطر بشع وإرهاب فظيع باعتباره سلوكا عدوانيا، خارج الضوابط القانونية، مخططا له مع سبق الإصرار والترصد.
سؤال الأمن الذاتي هذا يفتح المجال لاستحضار الملف الأمني برمته وفي شموليته، بدءا من الأمن الفردي إلى الأمن الاجتماعي مرورا بالأمن الاقتصادي والغذائي، ثم الأمن السياسي والحقوقي، وصولا إلى الأمن الروحي..
فعلى الصعيد الرسمي يأخذ مفهوم الأمن بعدا سلطويا يتجلى على المستوى التنظيمي في استحداث أجهزة وأنظمة إدارية ذات طابع أمني سلطوي، قصدها الحفاظ على النظام العام ومراقبة الحركات والسكنات لتفادي أي تهديد لاستقرار الحياة العامة إن على المستوى الاجتماعي أو على مستوى أمن الدولة..
لكن عندما يلاحظ آخر مواطن عادي تفشي الجريمة، وانتشار المخدرات، ويتداول الرأي العام وقائع وأحداث تورط جهات رسمية عديدة -نافذة وغير نافذة- في الفساد بكل أصنافه، ويلاحظ العادي والبادي تفشي الانحلال والميوعة، وتشجيع مؤسسات إعلامية وغير إعلامية لذلك دون حسيب أو رقيب، وعندما تغلق العيون وتصم الآذان عن الصرخات المرتفعة لإنقاذ المجتمع وقيمه من الدمار.. عندما يعيش المواطن يوميا وسط هذا الخضم مكتويا بناره يحق له أن يتساءل وكله حسرة: أمن وطني إلى أين؟
وحينما يرى المواطن العادي خيرات البلاد تنتهب، وثرواته تسرق، ويبصر الجشع والاستغلال في أبشع صوره، والاستفراد بالسلطة والثروة في أفظع مظاهره، والاحتكار ماض في عناده، والإقصاء والتهميش على أشده، والغنى الفاحش يزداد فحشا بعيدا عن المراقبة والضبط والأداء الضريبي والمنافسة الشريفة والمشاريع المفيدة للمجتمع.. ويرى الفقر المذقع يزداد وطأة تحت الضرائب غير المباشرة، وغلاء الأسعار، وكابوس البطالة، وانسداد الآفاق.. وهلم جرا… حينما يعيش مشهدا متكررا بهذه البشاعة مشفوعا ومتوجا بأشكال الريع، وإرضاء النخب بالزيادات، وإثقال كاهل الطبقة المتوسطة والصغيرة بالالتزامات المستجدة والاقتطاعات.. عندما يرى ويعيش هذا كله ألا يحق له أن يتساءل: أمن الوطن إل أين؟
ألا يجدر بنا أن نتساءل ونناقش ما يمور به الواقع من حولنا إذا ما ارتفع صوت صادح، أو شعار فاضح، يطلب حقا وعدلا، وينادي بحفظ الكرامة ليس إلا، أو يسطر تدوينة سجينة حساب كلاما وقولا، أو يعبر عن رأي يكفله القانون والدستور أصلا، أو يمثل الحقوق تنظيما وفعلا، أو يعارض ما كان فاسدا مختلا.. فتراه يجزى قمعا وسحلا، أو يلاحق بتهم جاهزة فصلا فصلا.. والمكان معروف ومعد حديدا وقفلا… أرأيت إن كنت تعاني وتعاين مستنقع الدناءة والتردي وغياب الشهامة والمروءة هكذا دونما استحياء، ألا يدفعك ذلك إلى إن تستنكر وتتساءل: أمن الوطن إلى أين؟
وعندما يصبح الدين الإسلامي مجرد شعار وإزار، يوظف لإضفاء الشرعية وستر الاعورار.. وحينما يدجن العلم وتؤمم المساجد، ويطلق العنان للكهنة والمعابد، ويفتح المجال للتطبيع، وتستنفر أجهزة الدولة لصناعة التضليل والتضبيع، وتترك الأبواب مشرعة للاختراق، فيدخل السافل والمغتصب ومحترف الارتزاق، ويتداعى الانحطاط من كل الآفاق.. فلك أن تصلي صلاة الغائب على الثوابت الروحية والعقدية والفكرية للوطن، ولا حرج أن تقول وتردد بين التكبيرات الأربع: أمن الوطن إلى أين؟
هذا غيض من فيض.. وإن المتتبع البسيط للمشهد العام في البلاد، وهو يتساءل عن مصير ومآل الأمن في الوطن، لا يفوته طرح الأسئلة المؤرقة المحرقة: أين سلطة الأمن في الوطن؟ أهي معطلة؟ أم مضللة؟ أم لاهية غافلة؟ أم هي مسخرة في غير ما هو منوط بها؟
الجواب في ما ترى وتسمع يوميا من غض الطرف عن التغول والفساد، وما تنقله وسائل الإعلام والتواصل من إهدار لكرامة المواطنين وإذلال العباد، وما يتهدد الأمة من إتلاف القيم والعبث بمقدرات وأصول البلاد، وما يصنعه التطبيع من أوهام عما قريب تنقلب إلى أصفاد، تسجن الوطن برمته وتغرقه في مستنقع الإذعان والانقياد…
فإلى الله المشتكى هو سبحانه حسب المستضعفين وصالح العباد.

طالع أيضا  الآباء والأبناء، أية علاقة؟