خصص الأستاذ عبد اللطيف العمراني حديثه في حلقة جديدة من حلقات برنامج “حديث القلب” لموضوع “الصحبة الصالحة”، معتبرا أن سنن الله في خلقه اقتضت أنْ جعل الإنسانَ اجتماعياً بطبعه، “يميل إلى مخالطة الناس والاجتماع ِ بهم، وتضيقُ نفسُه إن عاش وحيداً دون مؤنس، وحتى الكائنات الأخرى لا يتأتى لها الاستقرار والإنتاج إلا إن اجتمعت وتألفت جهودها وتعاونت. وعالمُ النملِ والنحلِ خيُر مثال لذلك”.

وذكر حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَوْ أنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ!»، موضحا أن كلّ إنسان منا يتخذ من بين من يعاشرهم أصدقاءَ يشتركون معه في الميول والاهتمامات، يرتاحُ لهم ويتبادل معهم الأفكارَ والمصالحَ. وقد ساهمت هذه الرفقة في صياغة شخصيتنا و سلوكنا، إن خيراً فخير، و إن شرّاً فشر.

وزاد موضحا أن ربنا سبحانه وتعالى ينقل لنا مشهداً مُخيفاً من يوم القيامةِ بقوله: الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ المُتّقين وعلق بقوله: “الأصدقاء يوم القيامة يعادي بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعضٍ (إلا المتقين) وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَٰبِلِينَ، وهو هذا حال الأصدقاء هناك في الدار الآخرة يخبرنا بها الله سبحانه ليتأتى لنا تفادي المشهد الأولَ من الآية وتحقيقَ الاستثناءَ الذي ورد في الشطر الثاني منها”.

فالكينونةُ مع المتقين الصادقين مصداقا لقوله تعالى: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين يقول العمراني: “ينجينا الله بها من مشهد المعاداة والتلاعن الحاصل بين من يجتمعون على المعاصي والغفلاتِ”.

وأورد ما جاء في سنن أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ” وهو ما يعضده المثل الشعبي المغربي: “معا من شفتك مع من شبهتك” أي أنت شبه لصاحبك بالنسبة لي، وهو ما تعضده أمثال كثيرة يرددها المغاربة من قبيل “الصاحب ساحب، والصديق قبل الطريق، فإما صديقٌ يدلُّ على الخير ويرشدُ إليه، وإما صديق يدلُّ على الشر ويوقعُك فيه”.

طالع أيضا  ذ. الوافي: تشميع البيوت لن يمنع جماعة العدل والإحسان من حقها في ممارسة العمل السياسي

واسترسل العمراني موضحا أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم أمره الله تعالى بمجالسةِ الذين يريدون وجه الله، ونهاه عن طاعة من كان أمره فُرُطاً من الغافلين.

كما جاء في سورة الكهف: وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًا.

وأفرد حديثا عن أهمية تجنب الخوض مع الخائضين: وذلك حين سُئل المجرمون عن سبب دخولهم النار: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ. علق ابن كثير على قوله وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ: فقال أي؛ مع أهل الباطل ندور معهم أينما داروا “كلما غوى غاوٍ غوينا معه”.

فقد كادت الرفقة السيئة تُسقط في مهاوي الخسران ذلك المؤمن، الذي أطل من الجنة على صديقه الذي كان يُكذّب بالبعث، فوجده في الجحيم فقال لمن معه في جنة النعيم: إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ قَالَ تَاللهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ.

وذكر العمراني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم”، معتبرا أن صحبة الصالحين وذكر الله معهم يتجددُ بهما الإيمان ويتطهرُ بهما القلبُ من النفاق، وتتحسن بهما الأخلاق والمعاملات.

وختم الحلقة بما جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة” متفق عليه.

طالع أيضا  فاطمة الزهراء خير نساء العالمين - قرة عين أبيها (فيديو)