قبل البدء:

يتفنن الإنسان اليوم ويتنافس في استعراض فنون القتل والسحل والتعذيب الفردي والجماعي، وكأنه لم يعد يتراءى له من غيره إلا الشر المدمر، والغريب أن يتلذذ البعض بنشر مشاهد لذلك، ضاربا عرض الحائط كل القيم النبيلة التي تعارفت عليها الإنسانية، من تعاطف وتساهل وتياسر وتراحم… وقد بلغت القسوة والغلظة اليوم مبلغا لا يطاق، وأصبح العنف اللفظي والفكري والجسدي عنوانا بارزا، عمت بلواه الشارع والمدرسة والأسرة والإعلام، كادت البشرية تُطبع معه، لولا مناداة الصلحاء هنا وهناك، يدقون ناقوس الخطر بشر قد اقترب، ولا عجب في ذلك، ما دامت الرحمة قد نُزعت من القلوب، وما ضُربت الإنسانية عبر سيرورتها بعقاب أعظم من قسوة القلب.

وكان الله سبحانه كلما نُزع هذا الخُلق من الخًلق إلا بعث الأنبياء والمرسلين والمجددين لتجديد بواعث الرحمة في قلوب خلقه، يمسحون عنها الغبار، ويستعرضونها سلوكا يمشي على الأرض، تأسيا بالحبيب صلى الله عليه وسلم، الذي كان قرآنا يمشي على رجلين، يفيض رحمة وعطفا حتى انبهر الأعرابي “لما رأى خلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعاملته، ورأى شدة بعض الصحابة عليه” 1، فاستكثر ذلك في زمانه وهو يُضيق واسعا بقوله: “اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا” 2.

من هنا كان ندب الله أمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الزمان، لتكون شاهدة بالقسط، وملاذا أخلاقيا وسياسيا للإنسانية المعذبة في الأرض، وأمرها بالاتصاف والتزين والتحلي بهذا الخلق العظيم في السر والعلن، والسعي إلى بثه سلوكا بين العالمين، تأسيا بالأصحاب الذين كانوا كالنجوم.

لكن كيف؛ يا ترى؛ يتم التوفيق بين هذه الرحمة وبين القوة في الحق، بين الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين، دون امتهان أو تنقيص، أو تعنيف أو تجريح، أو تكسير قلب أحد؟ وما السبيل ليكون هذا الخلق النبيل غالبا وشائعا في السلوك العام حتى تصطبغ به الشخصية المؤمنة المحسنة جامعة بين الرحمة القلبية والحكمة العقلية، فتسعى لبثه في الأرض بين عامة الناس، كل الناس، باعتباره رسالة الإسلام في العالمين؟

لطائف المفهوم:

الرحمة لغة: “الرقة والتعطف” 3. وهي “في بني آدم عند العرب رِقَّةُ القلب وعطفه” 4، “ومنها الرَّحِم: وهي عَلاقة القرابة، ثم سمِّيت رَحِمُ الأنثى رَحِماً من هذا، لأنّ منها ما يكون ما يُرْحَمُ وَيُرَقّ له مِن ولد” 5، وقد تطلق “ويراد بها ما تقع به الرحمة كإطلاق الرحمة على الرزق والغيث” 6.

الرحمة اصطلاحاً: “رقة في القلب يلامسها الألم حينما تدرك الحواس أو يتصور الفكر وجود الألم عند شخص آخر أو يلامسها السرور حينما تدرك الحواس أو يتصور الفكر وجود المسرة عند شخص آخر” 7.

ورد خُلق الرحمة في كتاب الله وسنة نبيه الكريم، وسمى سبحانه نفسه باسمين عظيمين هما “الرحمن الرحيم، اسمان مشتقان من الرَّحْمة” 8، “وهما… رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة” 9، لكن “الرّحْمن اسم ممتنع لا يُسَمّى غيرُ الله به، وقد يقال رجل رَحيم” 10، وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “جعل الله الرحمة مئة جزء فأمسك عنده تسعًا وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق، حتى ترفع الفرسُ حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه” 11.

طالع أيضا  اليقظة الأخلاقية بين أفول الواجب والتجديد الواجب 2/2

وقد جعله سبحانه للصفوة من خلقه: الرسل والأنبياء والوارثين، لذلك كان المصحوب الأعظم صلى الله عليه وسلم يصف نفسه فيقول: “أنا محمدٌ، وأحمدُ، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة” 12، بل ينادي في الناس: “يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مُهداة” 13، وسماه ربه رؤوفا رحيما، وأثنى عليه مادحا فقال: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ[التوبة: 128]، ثم أجمل له الوصف بعبارة بليغة وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، ولم يفعل ذلك سبحانه عبثا، بل تنبيها وتذكيرا لنا بسعة رحمته، وجميل إحسانه.

الرحمة أساس الإيمان والإحسان:

في مجلس من مجالس النصيحة، افتتح الرجل الصالح – الذي ملأت أنوار وجهه البسام أركان قلوب الحاضرين – المجلس بالدعاء والتضرع لله عز وجل أن يرفع الوباء والبلاء والغلاء وغمة الاستبداد، ويعم الرخاء وتسود الطمأنينة قلوب العباد، داعيا إلى بسط ذراع الرحمة والسلام والأخوة بين بني الإنسان، لتكون الرحمة في العالمين 14، وتغطي الكراهيةَ في أفق إنهاء الحقد والبؤس 15 والعنف، والاستغلال الفاحش للإنسان، ثم ذكر حديثا عظيما لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: “لَنْ تُؤْمِنُوا حتى تراحمُوا قالوا: يا رسولَ اللهِ! كلُّنا رَحِيمٌ. قال: إنَّهُ ليس بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صاحبَهُ، ولَكِنَّها رَحْمَةُ العَامَّةِ” 16.

رحمة كل الكائنات حتى الجمادات والبشرية جمعاء، فكيف بالمؤمنين والمسلمين، وخاصة الخاصة من المحسنين؟ فلا شك أنهم أولى بـ “التراحم، والملاطفة، والتعاضد، في غير إثم ولا مكروه” 17، وكأنه قال: الاتصاف بخلق الرحمة اتصاف بأخلاق الله الرحمن الرحيم، باعتبارها صفة ربانية، وصفة من صفات الترقي والقرب منه سبحانه، وهي “الرحمة” شفقة في القلب، ورأفة في الإحساس، ولين في السلوك، وإحسان في المعاملة، من أُعطيها أُعطي الخير كله، وكانت له السعادة، ومن حُرمها حرم الخير كله، “ولا تنزع إلا من شقي” 18.

واستمر الرجل الصالح في تبخير المجلس وتعطيره بأنوار حديث المصطفى، ففاح بعطر المحبة والرحمة في العالمين، فاشرأبت القلوب قبل الأعناق والأبصار لترتوي بحديث الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يقول: للأقرع بن حابس: “إنه من لا يرحم لا يرحم”، 19 مقالة كان لها وقع بليغ على الأنفس، ازداد وقعها بما رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: “الرَّاحمون يرحَمُهمُ الرحمنُ، ارحموا أهلَ الأرضِ، يرحمْكم مَن في السماءِ” 20.

معان نبيلة وخالدة وذات ذوق رفيع، إنها رحمة خلق الله، وباب كبير لنيل رحمة الله، ولا خيار لمن أراد خيرات الدنيا، وخيرات الآخرة في طرق هذا الباب، لأنه “في غاية الضرورة والافتقار إلى رحمة الله، لا يستغني عنها طرفة عين، وكل ما هو فيه من النِّعم واندفاع النقم، من رحمة الله، فمتى أراد أن يستبقيها ويستزيد منها، فليعمل جميع الأسباب التي تنال بها رحمته” 21، وقد اجتمعت كل معانيها الظاهرة والخفية، القولية والفعلية والشعورية في قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[الأعراف: 56]، وهم المحسنون المتقنون لكل أنواع العبادة والبر.

طالع أيضا  الأستاذ فتحي يبسط عوامل النصر والهزيمة في القضية الفلسطينية

الرحمة بلاغ:

لا عجب أن يكون المقصود من الرسالة هو التبليغ والبلاغ، لكن العجب ألا يتم ذلك إلا بتحلي الدعاة بالرحمة والرأفة والصفح والتجاوز عن الزلات، وتجنيب النفس الغضبية ودواعي الانتقام، وفهم الجهاد الفهم الصحيح، وتنقيته مما علق به خلال قرون العض والاستعمار والجبر، وطرق أبوابه المتعددة والنيل منها، ولعل أكبر الجهاد في هذا الزمان هو جهاد النفس، باعتبارها العائق الأكبر، ومن الموانع الكبرى التي تحجب الرحمة عن الناس، ومعرفة الناس خالقهم وسعة عفوه أعظم رحمة.

قال الله عز وجل ممتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[آل عمران: 159].

وكأن الله يخاطب نبيه قائلا: إني فطرتك على الرحمة واللين كي تصبر، وتكون لين الجانب مع أصحابك، مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك، فهم ليسوا بملائكة، وإن لم تفعل ينفضوا من حولك، ولن يقر لهذه الدعوة قرار، ولو انفضوا من حولك لفات القصد من الرسالة وهو البلاغ، فكل لين ورفق هو رحمة من الله. 

فالمطلوب أن تعفو عنهم فيما يختص بك وتستغفر “لَهُمْ فيما يختص بحق اللَّه إتماما للشفقة عليهم وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يعنى في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي لتستظهر برأيهم، ولما فيه من تطييب نفوسهم والرفع من أقدارهم” 22، هكذا هي النفس البشرية، تحب من يعطف عليها ويحن ويرأف بها، خاصة وقت الزلات والسقطات، لا من يؤجج ويشعل لهيبها بالتوبيخ والتقريع والتأنيب… كل ذلك مذموم إلا ما كان من تلطف وجميل العتاب.

ومن شأن الشورى مداواة الجراح، لأنها رفعة وكرامة، والاجتماع عليها كالاجتماع على الصلاة، ودليل على استنفاد الأخذ بالأسباب، يهب الله بها المسيء للمحسن، خاصة إذا صدرت ممن حباه الله بكمال رجاحة العقل، ثم يأتي بعدها التوكل القلبي بتسليم الزمام إلى المدبر الحكيم. (يتبع)


[1] الراجحي، شرح سنن أبي داود، مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net
[2] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، شرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث: 1407هـ / 1986م، ج: 10، ص: 453. الحديث رقم: 5664.
[3] الرازي، مختار الصحاح، المحقق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية -الدار النموذجية، بيروت -صيدا الطبعة: الخامسة، 1420هـ / 1999م، ج: 1 ص: 120.
[4] ابن منظور، لسان العرب، دار صادر -بيروت الطبعة: الثالثة -1414 ه ج: 12، ص: 231.
[5] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون الناشر: دار الفكر عام النشر: 1399هـ -1979م، ج: 2، ص: 498.
[6] لسان العرب، ج: 12، ص: 230.
[7] عبد الرحمن الميداني، الأخلاق الإسلامية وأسسها، دار القلم، دمشق، الطبعة: 5/1430ه ــ 1999م، ج: 2، ص: 3.
[8] الموسوعة الشاملة،  www.islamport.com، أرشيف ملتقى أهل الحديث، 1/6389.
[9] البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: 1/1420ه، ج: 1، ص: 71.
[10] الموسوعة الشاملة،  www.islamport.com، أرشيف ملتقى أهل الحديث. 1/6389.
[11] البخاري، الجامع المسند الصحيح المختصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي) الطبعة: الأولى، 1422هـ، ج: 8، ص:8، الحديث رقم: 6000.
[12] النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط: 2/1392، كتاب الفضائل، باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم ج: 15، ص: 105، الحديث رقم: 2355. انظر كذلك سعيد حوّى، الأساس في السنة وفقهها، السيرة النبوية، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط: 3/1416هـ/1995م، ج: 1، ص: 159.
[13] الحاكم، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، ط: 1 1411 -1990، ج: 1، ص: 91، الحديث رقم: 100.
[14] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 941.
[15] المنهاج النبوي، ص:121.
[16] المنذري، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، تحقيق إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية – بيروت، ط: 1/1417، ج: 3، ص: 140، الحديث رقم: 3409.
[17] شرح صحيح مسلم، ج: 16، ص: 139.
[18] السعدي، بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، السعودية، ط: 4/ 1423ه، ص: 169.
[19] أخرجه البخاري، ج: 8، ص: 10، الحديث رقم: 6013.
[20] مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرناؤوط -عادل مرشد، وآخرون، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421هـ -2001م، ج: 11، ص: 33، الحديث رقم: 6494.
[21] السعدي، بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، تحقيق: عبد الكريم بن رسمي ال الدريني، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، ط: 1/1422هـ /2002م، ص: 188.
[22] الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي – بيروت، ط: 3/ 1407ه، ج: 1، ص: 432.