1-    مقدمات افتراضية

انطلق الدكتور عبد الواحد متوكل رئيس الدائرة السياسية للعدل والإحسان في تشخيصه للوضع الداخلي الوطني، في كلمته أمام جمع من من مسؤولي ومسؤولات الجماعة والتي نشرها الموقع الرسمي للجماعة بتاريخ 17 يونيو 2022، من مقدمات افتراضية تفسيرية للوضع الداخلي السياسي الوطني.

ومن أبرز تلك الفرضيات التي قدمها المسؤول السياسي للجماعة والتي تُفسّر مآل بلد مثل المغرب الزاخر بمقوماته الطبيعية والبشرية والمادية، هو غياب الإرادة السياسية لدى الحاكمين لبلد عجز عن تحقيق إقلاع تنموي وانتقال ديمقراطي وعدالة اجتماعية ومجالية، إسوة ببلدان انطلقت من نفس الشروط الموضوعية والذاتية اختارها منها نموذج ماليزيا “التي حصلت على استقلالها من الاستعمار البريطاني عام 1957، وحققت خلال عقدين من الزمان تحولا كبيرا. وخلال ثلاثين سنة انخفض فيها معدل الفقر من % 52 إلى %5 عام 2002 ثم انتقلت النسبة في العقد الموالي إلى %0.4 عام 2015”، بينما لم نستطع نحن في المغرب بحسب رئيس الدائرة السياسية و“بعد أكثر من ستين سنة لم نتمكن بعد من القضاء على الأمية التي لاتزال نسبتها مرتفعة (32%)”.

الفرضية الثانية التي تساءل عنها في تحليله لهذا المآل غير المشرّف لبلدنا هي فرضية كفاية الزمن لتحقيق تلك التنمية وذلك الانتقال وتلك العدالة؛ ففي نظره “أكثر من ستين عاما من عمر استقلال المغرب فترة كافية ليكون البلد في وضع أحسن، وليتضح أن مستقبله واعد ومطمئن”. وعلى الأقل، وبعد أن أقصى الدكتور متوكل سنوات يمكن الادعاء على أنها كانت، بإقرار النظام نفسه سنوات عهد قديم، تساءل: “ألم تكن أكثر من عشرين سنة مما سمي بالعهد الجديد كافية لتبدد شكوكنا وتعطينا الخبر اليقين، خبر وجود إرادة قوية، واستراتيجية محكمة، للخروج بالبلد من التخلف وإنجاز ما أنجزته بلاد كانت ظروفها أسوأ من ظروفنا وإمكاناتها أقل من إمكاناتنا؟”.

طالع أيضا  غزوة بدر: المكاسب السياسية والمقومات الحضارية

إن الفرضيتين معا؛ فرضية غياب الإرادة السياسية وفرضية كفاية الزمن السياسي، جعل الدكتور متوكل يخلص إلى أن النظام السياسي المغربي هو نظام سلطوي تغيب لديه أي رغبة حقيقية لتحقيق ديمقراطية حقيقية، وما حرصه على تدبير الشكليات الديمقراطية إلا من باب ربح الزمن السياسي، وتزيين واجهته السلطوية بشكليات من قبيل الانتخابات التي اتخذها الدكتور متوكل أحد المثالين للاستدلال على الطابع السلطوي للنظام السياسي المغربي.

2-    اختبار للفرضيات في العملية الانتخابية

لم يبدِ الدكتور متوكل استغرابه من نتائج آخر محطة انتخابية جرت بالمغرب أي انتخابات 08 شتنبر 2021، عكس كثير من القراءات التي عدتها “مفاجئة وغير مفهومة وصادمة”، حيث اعتبرها “منسجمة مع الدستور الممنوح، والقوانين الانتخابية المدروسة بعناية للتحكم المسبق في الخريطة السياسية، والوضع السياسي العام المتردي وإرادة الحاكمين”، وإن كانت في نظره الأكثر تعبيرا من سابقاتها عن هذا التردي العام.

فقد نجحت السلطة الحاكمة في أن تجعل الصناديق الزجاجية غير الشفافة تُخرج سيناريو كان معدا مسبقا خارج تلك الصناديق، موظفة حيلا قانونية من إدارة انتخابية غير مستقلة تتحكم في الترشيحات وتغليب كفة مرشح على آخر بمنطق التعليمات، ورفض تسليم محاضر لممثلي بعض المرشحين. إضافة إلى قوانين تنظيمية ومراسيم وتشريعات من قبيل القاسم انتخابي، وحذف العتبة، وتقطيع انتخابي هُندس للتحكم القبلي في مخرجات صناديق الاقتراع.

كما ساهم عامل آخر مرتبط بالفاعلين الآخرين، في نظر الدكتور في العلوم السياسية، في تزكية هذا الوضع وهو “تدني المنسوب الأخلاقي لدى كثير من الساسة والنقابيين وأشباه المثقفين”، مما مكّن النظام السياسي من اجتثاث حتى المعارضة الناعمة غير المعارِضة، حتى أضحت جل النخب الحزبية في نظر الدكتور متوكل تتسابق “لركوب حافلة الحكومة”.

وهذا المسلسل الانتخابي العبثي لا يمكن إلا أن يفرز مؤسسات صورية وشكلية فاقدة للشرعية وعاجزة عن المبادرة، وبذلك “أصبحت مؤسسات الحكومة والبرلمان وغيرُها في هامش الهامش، وانكشف للجميع المسؤولون الحقيقيون عن أوضاع المغرب بشكل لم يسبق له مثيل. فلا الحكومة تحكم، ولا البرلمان يمتلك القدرة ليشرع المفيد، أو يراقب أو يطالب بمحاسبة من كان وراء القرارات التالفة المتخذة أو المشاريع المفلسة”

طالع أيضا  ذة. اضريس: أسلوب التربية الذي نربي عليه أبناءنا يعطي جيلا ينظر إلى المرأة نظرة دونية

فهل فعلا هناك إرادة سياسية حقيقية للإصلاح وتحقيق الانتقال الديمقراطي عبر هذه الآليات العبثية؟ يجيب متوكل: أن بهذا “الإخراج الانتخابي يكون صلف النظام المخزني قد بلغ منتهاه… ويكون الاستبداد قد أناخ بكلكله على صدور المغاربة، وتبخرت كل الشعارات الكاذبة، ليتأكد بأن لا أمل في الإصلاح المرجو ما لم يتغير هذا الوضع الفاسد بكل ما تعنيه الكلمة من معنى”.

3-    عود على بدء

إن ما انطلق منه الدكتور عبد الواحد متوكل لا يمكن لذي منطق سليم وإرادة حرة إلا أن يتفق معه؛ فالانتخابات في المغرب بعيدة كل البعد على أن يُراهَن عليها لتحقيق تحول سياسي أو انتقال ديمقراطي. فهي لا تعدو مسلسل يتكرر في الزمن الغرض الأساس منه إضفاء الواجهة “الديمقراطية” على نظام سياسي يرفض التحول نحو الديمقراطية، ويوظف هذه الآليات لتجديد النخب وتعزيز الولاء له.

كما تعد وظيفة الإلهاء وهدر الزمن السياسي من أهم مقاصد هذه العملية الانتخابية، تُصْرف فيها الأنظار عن المدربين الحقيقيين وتجنب مساءلتهم، وتعليق شماعة المحاسبة على من لا يملك سلطة فعلية. كما تعد الانتخابات مناسبة لإشغال الرأي العام عن قضاياه الأساسية والالتفاف على مطالبه الاجتماعية والاقتصادية والمجالية الملحة.

 

 



[1]  كلمة جامعة للدكتور متوكل تعرج على الواقع الدولي والوطني وشأن الجماعة، على الرابط: https://cutt.us/JBfwE.