قبل أن يشتد حر صيف هذه السنة، التهبت حرارة الأسعار، وعلى رأسها أسعار المحروقات، والتي توشك أن تفجر الوضع الاجتماعي في البلد. فأكثر ما يثير قلق المغاربة هذه الأيام هو الارتفاعات المتكررة للأسعار التي توالت في الأشهر الأخيرة بشكل مخيف، فكلما تقبّل الناس على مضض، مكرهين غير مخيرين، سعرا إلا واسطلوا بنار رفعة جديدة في السعر.

فما هي خلفيات هذه الزيادات، وإلى أي حد يمكن أن تصل؟

ارتفاع صاروخي في ثمن المحروقات

بلغت أسعار المحروقات مستويات قياسية غير مسبوقة، إذ اقترب ثمن البنزين من 18 درهما، بينما اقترب سعر الغازوال من 17 درهما، بعدما كان محدودا في 10 درهم قبل 3 سنوات، وعلى الرغم من انخفاض سعر النفط على المستوى العالمي، إلا أن أسعار المحروقات في المغرب مازالت مشتعلة وتواصل الصعود.

واكتظت محطات الوقود بالزبائن الذين حاولوا استبقاء الزيادة باقتناء كميات كبيرة من البنزين، وذلك لعلمهم المسبق بأن أسعار الغازوال والبنزين سترتفع إلى مستويات غير معروفة خاصة وأن تحديد الأسعار يكون بداية ومنتصف كل شهر.

زيادات تتوالى في أسعار المواد الأساسية

في الماضي القريب كانت الزيادات تتم مرة كل خمس سنوات أو أكثر، في مواد أولية وأساسية كالزيت مثلا، والذي صار يعرف الآن زيادات دورية متقاربة. هذه الزيادات تؤكدها الأرقام الرسمية، حيث سجلت مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط ارتفاع أسعار “المحروقات” خلال شهر ماي الفائت بـ %3 وأسعار “الزيوت والذهنيات” بـ %8,5 و”اللحوم” بـ %2,3 و”الخبز والحبوب” بـ %0,7.

وبالمقارنة مع نفس الشهر من السنة السابقة، تفيد نفس المذكرة أن الرقم الاستدلالي للأثمان سجل عند الاستهلاك ارتفاعا ب 5,9% خلال شهر ماي 2022. وقد نتج هذا الارتفاع عن تزايد أثمان المواد الغذائية ب 8,4% وأثمان المواد غير الغذائية ب 4,1%.، فيما تراوحت نسب التغير للمواد غير الغذائية ما بين ارتفاع قدره 0,1%بالنسبة لـ”المواصلات” و”الصحة” و14%بالنسبة ل “النقل”.

طالع أيضا  الجبهة تدين زيارة وزيرة الاقتصاد الصهيوني للمغرب.. وتؤكد أن الهدف فرض هيمنة صهيونية اقتصادية على بلادنا

وهكذا، يكون مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستثني المواد ذات الأثمان المحددة والمواد ذات التقلبات العالية، قد عرف خلال شهر ماي 2022 ارتفاعا ب %1,2 بالمقارنة مع شهر أبريل 2022 وبـ 5,6% بالمقارنة مع شهر ماي 2021.

مبررات في ميزان المساءلة

الارتفاعات المسجلة في سعر الوقود يرجعها المراقبون لقرار تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عنها سنة 2015، حيث صار الفاعلون في قطاع الوقود هم الذين يحدّدون ثمن الوقود في السّوق، ويضيف المتابعون أن شروط المنافسة غير موجودة في المغرب، حيث تتحكم ثلاث شركات كبرى في ثلثي السّوق، إذ تشتري هذه الشركات وتخزّن الوقود بشكل مشترك.

الخبراء أكدوا أنه لو كانت مصفاة سامير مشغلة كان يمكن ربح أزيد من 12 مليار درهم حينما وصل ثمن البرميل إلى 100 دولار، وذلك لأن المصفاة قادرة على تخزين 12 مليون برميل، فقد كان ممكنا استغلال الانخفاض المهول لسعر الوقود خلال الجائحة حين نزل سعر البرميل في فترة معينة إلى حوالي 20 دولارا.

من جهتها أكدت جمعية “أطاك” على أن إغلاق سامير “جريمة اقتصادية” قامت بها الدولة، قلصت إلى حدود الصفر “ما يتراءى كأنه سيادة طاقية للمغرب”، مضيفة أن جذور الأزمة الحالية تعود لقرار خوصصة هذه الشركة العمومية سنة 1997، ببيع “زهرة المؤسسات العمومية الاستراتيجية” لشركة لا خبرة لها.

وطالبت الجمعية بإعادة تشغيل المصفاة بتسيير عمومي تحت رقابة شعبية، تسيير يمكّن العمال من تمثيلية في المجلس الإداري للشركة من خلال ممثليهم المنتخبين مما سيسمح بتفادي حالات الإفلاس المدبر مجددا، وكذلك سيسمح بأخذ بعين الاعتبار مصالح الساكنة والتخفيف من الأضرار الإيكولوجية التي تنتج عن أنشطة لاسمير بالمدينة.

وشددت أطاك على ضرورة وقف مسلسل تحرير قطاع المحروقات الذي يستفيد منه الموزعون والشركات البترولية المتعددة الجنسيات.

طالع أيضا  قرآنا عجبا (13).. والله أحق أن تخشاه (فيديو)

احتجاجات.. دشّنها مهنيو سيارات الأجرة

في هذا السياق المتوتر، نظم مهنيو سيارات الأجرة يوم الأربعاء 22 يونيو وقفة احتجاجية بمدينة الدار البيضاء، نددوا خلالها بالارتفاعات الصاروخية والمتتالية لأسعار المحروقات.

التنسيق الوطني لقطاع سيارات الأجرة بالمغرب انتقد الدعم المقدم، واصفا إياه بـ”الصدقة” التي لا تتناسب وحجم الزيادات التي تعرفها أسعار المحروقات، دون الحديث عمن يتسلم الدعم ولا المقصيين منه.

التنسيق النقابي أوضح أن “الأزمة الخانقة التي تعرفها بلادنا في الجانب الاجتماعي والاقتصادي لحق ضررها بمهنيي قطاع النقل الطرقي، وخاصة قطاع سيارات الأجرة الذي لازال يعيش معاناة ومآسي من الارتفاع المتتالي لأسعار مواد المحروقات”.

وشدد المحتجون على ضرورة إيجاد حلّ جذري لمشكلة الغلاء، عبر تسقيف الأسعار، وتخفيض الضرائب وهامش ربح الشركات، وإعادة تشغيل “سامير” وغيرها من الحلول الممكنة.

حملات إعلامية رافضة

وانطلقت حملة إلكترونية وطنية على مواقع التواصل الاجتماعي، للتنديد بغلاء أسعار المحروقات في البلاد واستمرار ارتفاعها، حيث رفعت الحملة شعار “يوم بدون سيارات”، فدعا عدد كبير من المواطنين إلى وقف استخدام السيارات واستعمال الدراجات الهوائية والنقل العمومي فقط، كشكل احتجاجي من أجل دفع السلطات لمراجعة أسعار الوقود والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.

واختار فاعلون مجتمعيون التنديد في عدة حملات متتالية، كان أهمها هاشتاج “قهرتونا”، وهاشتاج “لا لغلاء الأسعار”، وفي هذا الصدد قال الفاعل السياسي الأستاذ عبد الصمد فتحي إن من مسؤولية الدولة حماية القدرة الشرائية للمواطنين فـ“ليس قدرا لازما أن تكتوي الشعوب بلظى ارتفاع الأسعار”، وأضاف أنه عندما تكون الشفافية والنزاهة في الحاكمين تتفهم الشعوب الظروف القاسية وأحيانا تتحمل تبعاتها من أجل المصلحة العامة، لكن عندما تكون سياسات الحاكمين يسودها الغموض والفساد والاستفراد “فالأصل هو الشك وسوء الظن بالحاكمين المفترسين الذين يجمعون بين السلطة والثروة. ومن الظلم تحمل الشعب تبعات سوء تدبير الحاكمين وتبذيرهم ونهبهم”.

طالع أيضا  مرابطات المسجد الأقصى.. شجاعة وصمود رغم اعتداءات المحتل

وأكد فتحي أن أخنوش امبراطور المحروقات ورئيس الحكومة، وفي الوقت الذي يكتوي الشعب بنار سياساته وشجعه في المحروقات وغيرها، يراكم هو الأرباح على حساب جيوب الشعب. وهو مجرد نموذج وواجهة لعشرات من أمثاله سواء علت مسؤولياتهم أو انخفضت، ممن يتسابقون ويتشبثون بالحكم من أجل تكريس سياسات تزيدهم غنى ولو على حساب ازدياد الشعب فقرا.

بدوره قال الفاعل الشبابي بوبكر الونخاري أن الذي يملك زمام الأمور في قطاع المحروقات في المغرب، أحد الأسباب الرئيسية في ارتفاع الأسعار، هو رئيس الحكومة نفسه. هو وجه من وجوه الزواج الفاضح بين الثروة والسلطة، ومن الصناعة الفاسدة للاستبداد، وهو من يدير هذا القطاع عبر لوبي متنفّذ يُحكم الخناق على المغاربة ويعتدي على حقوقهم في الاستقرار، والأمن المجتمعي، مادام يفكّر بمنطق الربح فقط، ولا اهتمام له بالوطن والمواطنين.

واستدرك الونخاري بقوله أنه على كل حال، رئيس الحكومة، أحد أباطرة قطاع المحروقات وكثير من القطاعات التي تشهد تغولا لرأسمال على حساب منطق الدولة راعية مصالحة المواطنين، يبقى رقما بسيطا في معادلة نظام قائم على الريع، على كل المستويات.

وختم المتحدث تدوينته بالقول في عشرين فبراير رُفع بوضوح مطلب فصل الثروة عن السلطة، لأنه هذا الزواج بينهما من أوجه الخراب، وتهديد حقيقي للسلم المجتمعي، وتغليب مصالح فئة متغلّبة على حساب كل الشعب، مؤكداً أن “النظام المخزني قائم على زواج سافر للثروة والسلطة. وطالما رددنا أن الفساد حليف الاستبداد ورديفه”.