“هل لدى حكامنا إرادة لتحقيق نهضة شاملة تبوئ المغرب مكانة محترمة بين الأمم؟ وإن كانت، فهل من سبيل للجزم بذلك؟”. بهذا السؤال استهل الدكتور عبد الواحد متوكل حديثه عن الوضع الداخلي المغربي في كلمته التي ألقاها أمام مسؤولي ومسؤولات جماعة العدل والإحسان وقد نشرها موقع الجماعة يوم الجمعة الماضية.

التسلط لايزال هو السمة الأبرز للنظام السياسي القائم

ولم يخف رئيس الدائرة السياسية شكوكه التي تساوره بين الفينة والأخرى حيال هذا السؤال الذي استهل به مناقشة الوضع الداخلي للمغرب، لذلك فهو عبر عن أنه يحاول تلمس الجواب الشافي فلا يجده. “وأحيانا أتهم نفسي وأقول لا يمكن لأناس لهم غيرة على وطنهم، ويقودون بلدا مثل المغرب، المتميز بخيراته وموارده المادية والبشرية وتاريخه العريق وموقعه الجغرافي أن لا تكون لهم هذه الإرادة، وأن لا يكون عندهم مشروع تنموي شامل. ربما لم نفهمهم، أو لم يشرحوا لنا بدرجة كافية”.

لكن ما يغذي هذه الشكوك لدى الدكتور متوكل، هو أن “الانتظار قد طال أكثر من اللازم، ومضى ما يكفي من الوقت لتتمحص النيات، وتتبين الحقيقة من الدعاوى والشعارات. المفروض أن أكثر من ستين عاما من عمر استقلال المغرب فترة كافية ليكون البلد في وضع أحسن، وليتضح أن مستقبله واعد ومطمئن”.

عضو مجلس الإرشاد، ذكر في كلمته من قد يجادل في كون حساب السنوات المذكورة غير دقيق، وأنه ينبغي التفريق بين العهد القديم الذي درج الكثير على وسمه بعهد الرصاص والبارود والمعتقلات السرية وغير ذلك مما يشير إلى طبيعته السلطوية والقمعية، وكان فيه الاهتمام الأكبر منصرفا إلى تثبيت العرش، وترويض الخصوم والمعارضين، فلا غرابة ألا تتحقق النهضة المطلوبة. وبين العهد الجديد الذي جاء بمفهوم جديد للسلطة، وبرؤية جديدة، وبإرادة جديدة لتحقيق ما فشل فيه العهد القديم. وعلّق على هذا الرأي قائلا “وددت لو كان هذا الافتراض صحيحا، لكن المعطيات على الأرض غير مشجعة، حتى لا أقل شيئا آخر، وأن طبيعة الحكم الاستبدادي هي هي لم تتغير. تغيرت الوجوه، وبعض الأشكال، ولكن التسلط لايزال هو السمة الأبرز للنظام السياسي القائم”.

طالع أيضا  على ضفاف آيات (7)

فرق شاسع بين الدعاية الرسمية والواقع الذي يعرفه المغاربة

وأوضح أن دولا عدة حصلت على استقلالها في الوقت نفسه الذي خرج فيه المغرب من حكم المستعمر، وإن كان خروجا منقوصا، ومع ذلك “فقد تغيرت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تلك البلاد تغيرا جذريا، وتحقق فيها إقلاع تنموي باهر، وتخلف المغرب إلى وراء الوراء”.

وضرب مثالا بدولة ماليزيا التي حصلت على استقلالها من الاستعمار البريطاني عام 1957، وحققت خلال عقدين من الزمان تحولا كبيرا. وخلال ثلاثين سنة انخفض فيها معدل الفقر من 52% إلى 5%عام 2002 ثم انتقلت النسبة في العقد الموالي إلى 0.4% عام 2015.

ومقارنة بماليزيا، يرى متوكل أن التساؤل مشروعا حول ما إذا كان أكثر من عشرين سنة مما سمي بالعهد الجديد كافيا لتبديد شكوكنا وتعطينا الخبر اليقين؛ “خبر وجود إرادة قوية، واستراتيجية محكمة، للخروج بالبلد من التخلف وإنجاز ما أنجزته بلاد كانت ظروفها أسوأ من ظروفنا وإمكاناتها أقل من إمكاناتنا؟”.

فهل نصدق الدعاية الرسمية التي تسوق للأوهام، أم نصدق الواقع الذي يعرفه المغاربة، وتتحدث عن بؤسه تقارير دولية وحتى محلية؟ هل نصدق الكلام الرسمي الفارغ، أم نصدق ما نراه ونلمسه على الأرض من حقائق صادمة، تثير الحسرة والأسى على بلد كان يمكن أن يكون في وضع أفضل؟ يضيف.

أهمية التعليم والصحة في الإقلاع التنموي وتحقيق الكرامة

وركز الدكتور متوكل على أهمية التعليم في عملية التنمية، موضحا كل الدول الحديثة التي حققت إقلاعا تنمويا سريعا كان مما ركزت عليه أول الأمر التعليم. فكيف حال التعليم عندنا؟

هكذا يتساءل الحاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية متحسرا، قبل أن يوضح “نحتاج إلى مجلدات وزفرات وعبرات، حتى تجف مآقينا، لعرض الصورة المحزنة التي يوجد عليها هذا القطاع الحيوي الهام. ويكفي القول إنه بعد أكثر من ستين سنة لم نتمكن بعد من القضاء على الأمية التي لاتزال نسبتها مرتفعة (32%).”

طالع أيضا  نموذج تنموي جديد لإعادة تدوير الوضع القديم!

أما أوضاع الصحة -يقول المتحدث- فهي ليست أحسن حالا، “بل إنك إذا أردت أن تعرف كيف تمرغ كرامة المغربي والمغربية في الوحل، فقم بزيارة المستشفيات العمومية. مشاهد، والله، لا تكاد تصدق، لولا أني رأيت بعضها بأم عيني”

وإن كنتَ ممن يرى أن الكرامة الآدمية أسبق في الاعتبار، وفق متوكل، “فاذهب إلى الأحياء الشعبية، وابدأ من العاصمة إن شئت، لترى كيف يعيش قطاع عريض من المغاربة، وحجم البؤس الذي يعيش فيه أبناؤهم وبناتهم، وما يتحملونه من عنت لكسب ما لا يكاد يقيم الأود ويشفي الغُلة”.

نظام تملّكه الصلف إلى أبعد الحدود

وزاد موضحا أن معاناة المغاربة متعددة الوجوه، “والأنكى أن تصبح حتى الشكوى منها مزعجة لمن بأيديهم مقاليد الأمور. ومن يجرؤ على فضح ظلم أو فساد هنا أو هناك، أو يطالب بالتحقيق في عمليات غش أو اختلاس أو صفقات مشبوهة، قد يتعرض للمساءلة وربما يجد نفسه وراء القضبان”.

واعتبر أن كل دعاوى حرية التعبير وحقوق الإنسان تتهاوى عندما “نرى حجم التضييق المتنامي على المعارضين والصحفيين والحقوقيين، بل حتى بعض المدونين قد وجدوا أنفسهم موضوع متابعة أو تحقيق بسبب بضع كلمات”.

هذا أسميه الصلف، يشدد رئيس الدائرة السياسية، قبل أن يضيف “فحينما يصبح النظام السياسي يتضايق من بضع كلمات، حتى وإن كانت تنقصها الدقة في الصياغة، نفت بها مصدور أرهقه الظلم المستشري، وأضناه الأسى على حقوقه المضيعة، وكرامته المهدورة، وأقض مضجعه قلقُه على مستقبل بدون أفق”.

وحينما يتبرم هذا النظام من الاعتراض على سياساته الفاشلة حتى وإن كان هذا الاعتراض لا يزعج “التقاليد المرعية” جبرا، والخطوط الحمر الموضوعة قسرا، فهذا يعني أننا أصبحنا أمام نظام قد تملكه الصلف إلى أبعد الحدود. يضيف الدكتور عبد الواحد متوكل.

طالع أيضا  ذ. الكتاني: لا بد للدولة أن تعترف بالحقيقة "المعروفة" لقتل عماري وتنصف عائلته