استرجع الدكتور عبد الواحد متوكل في معرض حديثه عن “أي مدى وصل إليه التغول السلطوي في المغرب” الحدث الذي وقع في جامعة القنيطرة بتاريخ 12 أبريل 2022، واعتبره “مؤشرا خطيرا للتوجه الذي انخرط فيه حكام المغرب بحماس مخيف”.

وأوضح رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في الكلمة التي ألقاها أمام عدد من مسؤولي الجماعة، ونشرها موقع الجماعة يوم الجمعة، أن الطلبة اعتادوا منذ سنوات أن ينظموا نشاطا طلابيا تحت مسمى “ملتقى القدس” بشراكة مع الهيئة المغربية لنصرة لقضايا الأمة، لكن هذه المرة مُنع النشاط، “وأُمرت الجامعة بقرار غريب أن تتعطل ثلاثة أيام. والأدهى هو العنف الذي استعملته السلطات العمومية، مما خلف عدة إصابات في صفوف الطلبة”.

وكانت رئاسة جامعة ابن طفيل قررت منع ملتقى القدس أيام 12 و13 و14 أبريل 2022 مع إغلاق كل الكليات التابعة لها لثلاثة أيام كاملة، وهي سابقة في الجامعة المغربية، أعطت مؤشرا على حجم الإغراق في التطبيع والاستسلام لإملاءات الكيان الصهيوني، وصلت حد منع نشاط طلابي عن القدس في بلد عرف شعبه بمواقفه التاريخية المساندة للقضية. ولم يقف الأمر عند المنع، بل واعتقلت السلطات عددا من الطلبة واحتجزتهم داخل سيارات الأمن للحظات واعتدت عليهم بالضرب فضلا عن إصابات ومطاردات في الشوارع.

وتساءل الدكتور متوكل: لماذا كل هذا العنف؟ وما الجريمة التي اقترفها هؤلاء الطلبة؟ وهل هاجموا منشآت عمومية أو كسروا محلات تجارية؟ وهل أغلقوا الشوارع وعرقلوا حركة المرور؟ وهل رموا أحدا بالحجارة أو اشتبكوا مع الشرطة بالعصي أو السلاسل أو حتى بالأيد؟ ولماذا هذه الهمجية المجانية؟ وغيرها من الأسئلة التي طرحها في محاولة للبحث عن جزء من الجواب عن دوافع الهجوم عن الطلبة.        

واسترسل متسائلا “من أجل ماذا؟ ومن أجل من؟ هل للتأكيد أنه بعد التوقيع على التطبيع مع الصهانية لن يسمح بأي نشاط يندد بجرائمهم في فلسطين؟ أم لإفهامنا بأن مسار التطبيع الذي انخرط فيه حكام المغرب بحماس ماض ولا رجعة فيه؟ أم لإثبات أن النظام لن يتساهل مع من يعترض على سياساته وإن كانت مهينة لإسلام المغاربة وتاريخهم ودماء الشهداء المغاربة الذين سقطوا دفاعا عن فلسطين؟”

طالع أيضا  أيهما أغلى الحياة أم الموت؟

يذكر أن منع ملتقى القدس بالقنيطرة لم يكن الحدث الأول لاختبار مدى التغلغل الصهيوني في كل مرافق الحياة ببلادنا بما فيها الجامعة، بل جاء بعد اتفاقات وتبادل زيارات بين كليات عدة منها الرباط وبنجرير والقنيطرة وأكادير… مع الكيان الصهيوني، وكلها كانت لقاءات تتويجية للتفاهمات السياسية الناتجة عن الاتفاق الأم لتطبيع العلاقات الرسمية بين السلطات المغربية وهذا الكيان ضدا على إرادة الشعب المغربي.

فقد كانت جرأة “المنع الحازم” لملتقى القدس من قبل الجامعة بإيعاز من جهات سياسية وأمنية، مؤشرا خطيرا على النوايا الحقيقية للسلطات المغربية تجاه القضية. وتزداد حدتها في قراءة ما يرتبط بالملتقى باعتباره محطة بارزة في نصرة الأقصى وفلسطين التي لم يسبق لها أن كانت موضع منع من قبل السلطة.

نعم، مؤشر خطير في التحول من مرحلة التساؤل حول مدى جدية الدعم الرسمي المغربي للقضية الفلسطينية، إلى مرحلة الجهر بمنع الأنشطة الداعمة لها في مقابل الجهر غير المسبوق بدعم الكيان الصهيوني واستضافة رموزه، وتنظيم أنشطة متنوعة بالشراكة معه والتمكين له في كل مرافق الحياة في المجتمع المغربي، والأخطر من كل ذلك أنه يجري بشكل معاكس لقناعات الشعب المغربي تجاه هذه القضية التي تربطه معها علاقات تاريخية ووجدانية ودينية راسخة.

وقد كان آخر بركات التطبيع في الجامعة أن أقدمت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بداية الشهر الجاري على توقيع مذكرة تفاهم مع نظيرتها في الكيان الغاصب، ليدخل بذلك أكبر جهاز وصي على الجامعة إلى هذا المستنقع القذر، رغم ممانعته من قبل كل مكونات الجامعة من طلبة وأساتذة وإداريين كما في بقية المجتمع.

لم تسلم الجامعة إذا من هذا المد التطبيعي الجارف الذي سماه رئيس الدائرة السياسية في لقاء إعلامي سابق بـ “التسونامي” الذي انبرت له كفاءات تخطط وإرادات تنفذ، وكلها تحت رعاية سيادية لم تقتصر في عزيمتها لمواصلة مشوار التطبيع على الاعتداء على الطلبة فقط، وإنما تشهد كل الشوارع والساحات في المدن المغربية بالتدخلات الأمنية العنيفة لمنع أي تظاهرة أو وقفة احتجاجية على هذا المسار، كما تشهد الساحات ذاتها أمام التاريخ على مدى صمود هذا الشعب رغم التنكيل وثباته على شعاره الخالد “الشعب ضد للتطبيع”.

طالع أيضا  حق المُتعلِّم على المُعلِّم

وكان دافع الدكتور متوكل لاستحضار ما وقع بالقنيطرة في كلمته، للاستدلال فقط، رغم أنه “مجرد مثال من أمثلة أخرى كثيرة تؤكد كلها أن السياسة التي اشتغل بها النظام منذ سنين، لا فرق في ذلك بين عهد قديم ولا جديد، هو ترويض المجتمع بكافة شرائحه بحيث لا يعترض “لا إنسان ولا حيوان” على ما يفعلون في البلد وبالبلد”.