تصريحات عمدة مدينة الرباط أن الجماعة تتوفر على حوالي 3700 موظف يشتغل منهم بشكل فعلي 1000 موظف فقط، و300 موظف هم في وضعية رهن إشارة بتراب الجماعة، فيما 2400 تقريبا هم عبارة عن موظفين أشباح يتقاضون أجورهم بدون تقديم أي خدمات، تصريح يسائل صاحبه قبل غيره، فرئيس الجماعة هو الآمر بالصرف وهو الرئيس التسلسلي لكافة موظفي الجماعة (جاء في الباب الثاني من القانون التنظيمي 113.14 في المادة 96: يسير رئيس المجلس المصالح الإدارية للجماعة، ويعتبر الرئيس التسلسلي للعاملين بها، ويسهر على تدبير شؤونهم، ويتولى التعيين في جميع المناصب بإدارة الجماعة طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل). لكن الأكيد أن عمدة الرباط ليست ساذجة إلى هذا الحد، فهي أكيد تعلم علم اليقين كما يعلم كل من سبقوها في ذاك المنصب أن “الطرح قاسح” ويتعداها، وإلا فكيف يفسر صمت وزارة الداخلية التي لا تغيب غائبة عن أعينها؟ ألا يستدعي الأمر فتح تحقيق عاجل من طرف وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات وتحريك مساطر ربط المسؤولية بالمحاسبة في حق المتسترين والمتسببين في هدر المال العام، والعمل على استرجاع كل الأموال المنهوبة؟ ألم تغرم المجالس الجهوية العديد من الموظفين الذين تبت فقط تقصيرهم في تفويت على الجماعة مداخيل ما؟ أليس هدر مبلغ يقارب بـ300 مليون درهم في السنة في جماعة الرباط لوحدها يحتاج إلى تدقيق ومساءلة؟ (الأجور المخصصة للموظفين، تقدر بأزيد من 40% من الميزانية الإجمالية لمجلس الرباط، أي ما يساوي 400 مليون درهم).

الحقيقة أن الجماعات يشوبها ضعف كبير، يعزى إلى وجود عدة ثغرات ونقائص على أكثر من صعيد، وقد لا يجد الملاحظ أي عناء في رصد سوء التدبير الإداري والمالي الذي يرافقه ضعف الأداء والارتفاق، فلازالت الممارسة المحلية بالمغرب تشتكي العديد من الصعوبات والإشكالات التي تشكل عائقا أمام تطبيق الحكامة الجيدة، منها ما هو ذاتي على مستوى الممارسة، ومنها ما هو بنيوي/ قانوني في توزيع الاختصاصات وتداخلها.

طالع أيضا  رئيس الفدرالية المغربية لحقوق الإنسان: آن الأوان للسلطات في البلد أن تضع حدا لتشميع البيوت

صحيح أن الممارسة داخل المجالس الجماعية أثبتت ضعف تكوين المنتخب الجماعي وضآلة تجربته وخبرته في جل الميادين، الأمر الذي كانت له نتائج سلبية على تدبير شؤون الجماعة، أضف إلى ذلك ظاهرة الأمية التي تحكم على المنتخب بالعجز والضعف، وتجعل منه مجرد أداة للتمرير، لكن أليست الدولة ملزمة بوضع الآليات والأدوات اللازمة لمواكبة ومساندة الجماعة لبلوغ حكامة جيدة في تدبير شؤونها وممارسة الاختصاصات الموكولة إليها تفعيلا للمادة 276 من القانون التنظيمي 113.14.

ثم أليس الخلل ونحن نتحدث عن الموظفين الأشباح يكمن في منظومة التوظيف على المستوى الترابي والتي تعاني من عدة خروقات منذ مرحلة التعيين، حيث كانت الدولة ولا تزال تعين برسائل ملكية أبناء الأقاليم الصحراوية وغيرهم بشكل ريعي لا تراعى فيه مبادئ المساواة والشفافية، أضف إلى ذلك عملية توظيف جيوش العاطلين من حاملي الشواهد غير المؤهلة ولا تستجيب للحاجيات الحقيقية لهذه الجماعات، حيث لجأت الدولة إلى امتصاص الضغط والاحتقان الذي عرفه الشارع المغربي بداية التسعينات من القرن الماضي.

أضف إلى ذلك تعدد الجهات المتدخلة في تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية وضعف التنسيق بين أجهزتها، الأمر الذي يجعل القطاع مشتلا للفوضى الخلاقة، ويفتح الباب على مصراعيه للمحسوبية والزبونية على حساب الكفاءة.

ومما يساهم أكثر في هذه الفوضى ويوسع من ظاهرة الغياب غير المبرر في صفوف العديد من الموظفين الجماعيين هو أن نظام الترقية المعمول به يتضمن اختلالات تنعكس سلبا على أداء الموظفين، أضف إلى ذلك نظام التعويضات التي تمنح للموظف بمحسوبية وتتميز بعدم انسجامها بحيث يصعب تحقيق وحدتها خصوصا وأنها تستند على المنح بدل الاستحقاق وعلى معايير معقدة لا تؤدي إلى الإنصاف بين الموظفين.

ثم كيف يعقل أن يدبر ثاني قطاع من حيث عدد الموظفين في غياب نظام أساسي للوظيفة الترابية الذي لم يصدر بعد بالرغم من التنصيص عليه في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، فهناك فقر كبير على مستوى النظام القانوني المتعلق بهذه الشريحة من الموظفين، إذ باستثناء مرسوم 1977 الذي يحيل صراحة على النظام الأساسي للوظيفة العمومية الصادر سنة 1958، لا نكاد نجد نصا قانونيا قائم الذات خاصا بتنظيم شؤون الموظف الجماعي، إذ نجد نصوصا قانونية وتنظيمية متعددة ومتفرقة سمتها الأساسية هي عدم الانسجام. وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن وظيفة عمومية محلية لها خصوصيتها الترابية ومرجعيتها القانونية الخاصة بها.

طالع أيضا  العشر الأواخر: فضلها وأعمالها

ثم أخيرا وليس آخرا، أليست الجماعات مجرد جهاز قاصر أمام أعين سلطات الوصاية ويجب أن تظل خاضعة لوصايتها وتحت رحمتها، فتدبير الموارد البشرية الذي هو اختصاص خالص لرئاسة المجلس تحجر عليه وزارة الداخلية عبر المصادقة على الهيكل الإداري وتحشر أنفها في التعيين في المناصب، وعلى قانون الإطار (LOI DE CADRE) حيث لا يسمح بتنظيم مباراة التوظيف ولا حتى امتحانات الكفاءة المهنية إلا بموافقة الداخلية. فالمشرع مازال متمسكا بالوصاية من خلال التمعن في الجانب المتعلق بمشروعية القرارات الإدارية (أكثر من 58 حالة)، فالوصاية وإن اختفى التنصيص عليها كمصطلح في القانون التنظيمي بشكل واضح، فإنها أقحمت بشكل ذكي داخل ثناياه، حيث أن جل القرارات التي يتخذها الرئيس تخضع لرقابة سلطة الوصاية.  

سلطات الوصاية كانت وما تزال مهيمنة ومتمركزة، وأضحت وسيلة للتحكم في الهيئات المنتخبة، مما أفرغ اختصاصات الجماعات من محتواها، ولذلك فعمدة الرباط تصرح بهذه الاختلالات وهي جد مرتاحة، وتعلم أن مجلسها غير مسؤول بالمطلق.

الحقيقة أنه ينبغي إعادة النظر في الأسس الفكرية والفلسفية والسياسية المحددة لعلاقة الدولة بالجماعات الترابية، فالحكامة المحلية تعني أن تتحمل الجماعات مسؤوليتها الكاملة في تدبير شؤونها المحلية ولا يتأتى ذلك إلا بتمتعها بالاستقلالية الكافية.

إن ظاهرة الموظفين الأشباح لا تقتصر على الجماعات بل تنتشر في كل القطاعات الحكومية بالمغرب، ورغم غياب أرقام دقيقة توضح العدد إلا أن بعض التقارير الصحفية المغربية أشارت لوجود حوالي 100 ألف موظف شبح في القطاع العام.

نعم، لقد بلغ مستوى الفساد وأشكال ممارسته حدودا لا تطاق وأدخل المغرب في حالة من العبث، فهو ليس متفشيا فحسب على نطاق واسع ويطال مختلف القطاعات، ولكنه أيضا أصبح يشكل ظاهرة ثقافية شبه شاملة تنصهر كوسيلة عملية في المعاملات والعادات لتتعامل معها مختلف الشرائح الاجتماعية بتساهل ملحوظ، حيث تفشى الاعتداء على المال العام، وغياب التأديب والعقاب اللازم للمفسدين.

طالع أيضا  تعلم لغتك وتعرف ما ينبغي عن "الحال"

إن الفساد الإداري والمالي يشكل ظاهرة سرطانية تهدد المجتمع المغربي بعد أن تفشت جرائمه وزادت معدلاته، وهذا يعود بالأساس لغياب الإرادة السياسية أولا، ثم لقصور التدابير التقليدية لعلاج مشكلة الفساد من ضعف وعجز وانعدام الفاعلية في تنفيذ التشريعات والقوانين الزجرية، وضعف آليات المساءلة والشفافية والرقابة، وهذا ما أدى إلى انتشار الفساد في كل الدوائر وتحوله -أي الفساد- إلى سلوك متعارف عليه، الأمر الذي سيؤدي بالبلاد إلى مزالق الدمار الاقتصادي والأخلاقي. فكل الدراسات، سواء الرسمية أو غير الرسمية، كشفت عن فضائح التدبير المالي والإداري الفاسد، كما أجمعت على أن الفساد بالمغرب محصن بشبكة من العلاقات الحاضنة له.