كلمة ألقاها الدكتور عبد الواحد متوكل رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في لقاء جمع عددا من مسؤولي ومسؤولات الجماعة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات: أحييكم جميعا بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد.

الوضع الدولي

لقد عرف العالم خلال السنوات الأخيرة أحداثا كثيرة ومفاجئة، دوخت العقلاء، وحيرت الحكماء. وطفق العلماء والمفكرون والمراقبون يبحثون لفهم وتفسير ما يجري. تعددت الآراء، وتكاثرت النظريات وتضاربت، ولم يستقر الأمر لحدود الساعة على تفسير يشفي الغليل ويحسم الجدل. فيرى البعض أن تبخر الآمال التي راهنت عليها كثير من الشعوب من خلال تقليد الغرب، وتعدد بؤر التوتر في العالم، والتصريحات والممارسات الصادمة والمستخفة بالقيم الإنسانية كلها تؤشر إلى أن الأمل الذي لاح في الأفق بعد نهاية الحرب البارة قد انتهى (أنظر مثلا كتاب: النور الذي أخفق، 2019 The Light that Failed by Ivan Krastev and Stephen Holmes). ويحاول آخرون من خلال التساؤل إلى أين يتجه العالم أن يجدوا تفسيرا متماسكا لما يجري لكن دون جدوى، في حين جزم آخرون بأن العالم يعيش في فوضى أو دخل حالة هي أشبه بالجنون.

ويبدو لي أن هناك ثلاث كلمات وراء كثير مما يتخبط فيه العالم المعاصر: الصلف، الجشع، ضياع المعنى. واستعرض بعض التجليات على سبيل المثال لبيان المقصود.

المثال الأول من فلسطين، وفيها يتجلى الصلف، والجشع، وضياع المعني في أجلى صورة. فمنذ أكثر من سبعين سنة والصهاينة يرتكبون في فلسطين والفلسطينيين كل أنواع الجرائم: من قتل وذبح وسجن وتعذيب، وهدم للبيوت على أصحابها أو إخراجهم منها عنوة، ومصادرة ممتلكاتهم، وتشريدهم عن أرض الآباء والأجداد. كل ذلك موثق وأصبح أشهر من نار على علم، لاسيما بعد توفر أدوات التصوير والتسجيل، وتطور وسائل التواصل الاجتماعي.

وما كان الصهاينة ليصلوا إلى هذا الحد من الصلف لولا أنهم يحظون بدعم لامحدود من دول “متقدمة جدا”، وتبحث لهم عن المسوغات حتى وإن كانت لا تستقيم بأي وجه. وعندما يفرطون في الإجرام، وتضج أصوات الأحرار بالتنديد، تصدر بعض القرارات الدولية، هدفها المعلن ردع المعتدي، لكنها في الحقيقة ذر للرماد في العيون، ومحاولات لامتصاص الغضب بعض الوقت، ثم تستأنف الآلة الصهيونية جرائمها المعهودة.

من هذه الجرائم المثيرة التي اقترفها الصهاينة ما وقع في رمضان الماضي. فبينما كان المسلمون معتكفين في المسجد الأقصى، منشغلين بالعبادة والقرآن والذكر، اقتحمت عليهم العصابات الصهيونية المسجد، وروعت المصلين المسالمين، وعربدت في المسجد عربدة لايجرؤ على مثلها إلا الجبناء الأنذال. ونقل كل ذلك بالصوت والصورة، وتابع العالم كله ما وقع. وما رأينا أو سمعنا عن مواقف حازمة تضع حدا لهذا العدوان المقيت. أين الإنسانية؟ أين الحضارة؟ أين حقوق الإنسان؟

ثم توالت الاقتحامات والجرائم تترى، فقتلت الصحفية الشهيرة شرين أبو عاقلة بدم بارد بينما كانت تمارس عملها في مكان مكشوف، ولباسها يدل على أنها كانت تقوم بتغطية صحفية وليست في وضع عدائي أو هجومي يبرر استهدافها. جريمة بشعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، كان ينبغي أن يهتز لها ضمير العالم، ويُقتص من الجناة في الحال. لم يقع شيء من ذلك، إلا كلمات باردة، هي أشبه بالاستخفاف منها بالتعزية والمواساة. ثم تستمر بعد ذلك الجرائم الصهيونية ولاتتوقف.

إنه الصلف الصهيوني الذي أمن الملام فطغى، وحظي بدعم لامحدود فصال تيها وعربد، وضمن ولاء الخونة من حكامنا فعاث في مقدسات المسلمين تدنيسا وتمرد. وما كان ليتجرأ على فعل ما فعل ويستمر فيه، لو بقي لقيم الانصاف والعدل ونصرة المظلوم معنى في عالم لايؤمن إلا بالقوة ولايفقه إلا لغة المصالح.

المثال الثاني الدال على الصلف والجشع وفقدان المعنى لدى عدد من صانعي القرار في الغرب يتجلى في التعامل غير المنصف مع الإسلام والمسلمين، ولاسيما بعد سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية.

لقد تعرض العالم العربي والإسلامي لاستعمار طويل امتد لعقود وفي بعض الحالات لقرون. وعندما نتحدث عن الاستعمار، فإن المصطلح مضلل. فنحن لا نتحدث عن حركة للإعمار ونشر للحضارة، كما زعموا. نحن نتحدث عن تاريخ طويل من النهب والسلب والقتل والتعذيب والاعتقال وغير ذلك من ألوان الاضطهاد التي اكتوت بنارها شعوب تلك البلاد التي ابتليت بتسلط المستعمرين.

فما الذي ينبغي والحالة هذه؟ القليل من المنطق يقول: نحن في القرن 21، وما تُشرفنا التصرفات الهمجية التي وقعت في تلك العهود. لذلك ينبغي اتخاذ مسافة منها، إن لم أقل التبرؤ منها، واعتماد سياسة جديدة تجاه هذه الشعوب تقوم على الاحترام المتبادل، ورعاية المصالح المشتركة، وعلى الاقتناع بأن تنمية هذه البلاد سيكون مفيدا للجميع.

لكن للأسف الشديد لاتزال الإساءة مستمرة إلى حدود الساعة وبصور شتى، ناعمة أحيانا وخشنة أحيانا، ومباشرة وغير مباشرة أحايين أخرى. ففي الانتخابات الفرنسية الأخيرة مثلا يخيل للمراقب أن الإسلام هو المشكلة الرئيسة في البلد. معارك طاحنة حول غطاء الرأس، وحتى اسم محمد عده أحد المرشحين مشكلة ينبغي الحسم في منع تداوله، وغير ذلك من التصريحات الغبية التي لو قيل لنا إنها وقعت في الأزمنة الغابرة، لما صدقنا ولقلنا إنها من مبالغات القُصاص والإخباريين.

والأنكى هو أن يطلب إلى المسلمين السكوت والرضى بكل ما يتكرر أمام أعينهم ويمس مشاعرهم في الصميم، من إساءات للرسول صلى الله عليه وسلم، واستهزاء بدين الإسلام، واستخفاف بمقدسات المسلمين. وإن لم يرضوا فسيف الإرهاب مصلت على من يجرؤ على الاعتراض، بل حتى التعبير عن الامتعاض قد يوقع صاحبه في مشكلة. وسلام على حرية التعبير وحقوق الانسان والتعايش السلمي وغير ذلك من القيم النبيلة.

طالع أيضا  ذ. حمداوي: القرآن يرسخ الأخلاق الفاضلة السامية (فيديو)

ترى ما هو الكسب المرجو من رسوم مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، أو من حوادث إحراق المصحف، أو من إعلان الحرب على غطاء الرأس، وما الذي يبرر الذهاب إلى حد تحديد ما يسمح بقراءته من القران ومالا يسمح به في خطب الجمعة؟ لاشيء البته، إلا الرغبة في توقيع الإهانة بالإسلام والمسلمين باعتبارهم شعوبا مستضعفة ليست لهم قوة تحميهم، أو تدافع عن كرامتهم. يقول الإمام عبدالسلام رحمه الله:

إذا حلت الأرانب ربعا فسيحا خصبا، فلن تكون لذلك الربع حرمة لأن سكانه أرانب. فلو سكنته الأسود، لأصبح عرينا عزيز الحمى، له المنعة والسطوة. كذلك ديار المسلمين، وخيرات المسلمين، وطاقات المسلمين والكم العددي الهائل للمسلمين. كل ذلك لا وزن له سياسيا ولا أخلاقيا ما دام المسلمون على حالة البعد عن دينهم.

من هذا البعد تخطبهم الداهية، داهية الخوف والجوع والظلم والتفاهة. أرانب طيعة لكل صائد.

الوضع الداخلي

أستهل الحديث عن الوضع الداخلي بطرح السؤال التالي: هل لدى حكامنا إرادة لتحقيق نهضة شاملة تبوئ المغرب مكانة محترمة بين الأمم؟ وإن كانت، فهل من سبيل للجزم بذلك؟

يساورني هذا السؤال بين الفينة والأخرى، وأحاول ن أتلمس الجواب الشافي فلا أجد. وأحيانا أتهم نفسي وأقول لايمكن لأناس لهم غيرة على وطنهم، ويقودون بلدا مثل المغرب، المتميز بخيراته وموارده المادية والبشرية وتاريخه العريق وموقعه الجغرافي أن لاتكون لهم هذه الإرادة، وأن لايكون عندهم مشروع تنموي شامل. ربما لم نفهمهم، أو لم يشرحوا لنا بدرجة كافية.

ثم أعود إلى شكي لكون الانتظار قد طال أكثر من اللازم، وقد مضى ما يكفي من الوقت لتتمحص النيات، وتتبين الحقيقة من الدعاوى والشعارات. المفروض أن أكثر من ستين عاما من عمر استقلال المغرب فترة كافية ليكون البلد في وضع أحسن، وليتضح أن مستقبله واعد ومطمئن.

ربما يجادل البعض أن حساب السنوات المذكورة غير دقيق، وأنه ينبغي أن نفرق بين العهد القديم والعهد الجديد. ففي العهد القديم، الذي درج الكثير على وسمه بعهد الرصاص والبارود والمعتقلات السرية وغير ذلك مما يشير إلى طبيعته السلطوية والقمعية، كان الاهتمام الأكبر منصرفا إلى تثبيت عرش المملكة، وترويض الخصوم والمعارضين، فلاغرابة ألا تتحقق النهضة المطلوبة. أما العهد الجديد فقد جاء بمفهوم جديد للسلطة، وبرؤية جديدة، وبإرادة جديدة لتحقيق ما فشل فيه العهد القديم.

وددت لو كان هذا الافتراض صحيحا، لكن المعطيات على الأرض غير مشجعة، حتى لا أقل شيئا آخر، وأن طبيعة الحكم الاستبدادي هي هي لم تتغير. تغيرت الوجوه، وبعض الأشكال، ولكن التسلط لايزال هو السمة الأبرز للنظام السياسي القائم.

لقد حصلت عدة دول على استقلالها في الوقت نفسه الذي خرج فيه المغرب من حكم المستعمر، وإن كان خروجا منقوصا، ومع ذلك فقد تغيرت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تلك البلاد تغيرا جذريا، وتحقق فيها إقلاع تنموي باهر، وتخلف المغرب إلى وراء الوراء.

لنأخذ مثلا ماليزيا التي حصلت على استقلالها من الاستعمار البريطاني عام 1957، وحققت خلال عقدين من الزمان تحولا كبيرا. وخلال ثلاثين سنة انخفض فيها معدل الفقر من 52% إلى 5%عام 2002 ثم انتقلت النسبة في العقد الموالي إلى 0.4% عام 2015.

ألم تكن أكثر من عشرين سنة مما سمي بالعهد الجديد كافية لتبدد شكوكنا وتعطينا الخبر اليقين، خبر وجود إرادة قوية، واستراتيجية محكمة، للخروج بالبلد من التخلف وإنجاز ما أنجزته بلاد كانت ظروفها أسوأ من ظروفنا وإمكاناتها أقل من إمكاناتنا؟ فهل نصدق الدعاية الرسمية التي تسوق للأوهام، أم نصدق الواقع الذي يعرفه المغاربة، وتتحدث عن بؤسه تقارير دولية وحتى محلية؟ هل نصدق الكلام الرسمي الفارغ، أم نصدق ما نراه ونلمسه على الأرض من حقائق صادمة، تثير الحسرة والأسى على بلد كان يمكن أن يكون في وضع أفضل؟

كل الدول الحديثة التي حققت إقلاعا تنمويا سريعا كان مما ركزت عليه أول الأمر التعليم. فكيف حال التعليم عندنا؟ نحتاج إلى مجلدات وزفرات وعبرات، حتى تجف مآقينا، لعرض الصورة المحزنة التي يوجد عليها هذا القطاع الحيوي الهام. ويكفي القول إنه بعد أكثر من ستين سنة لم نتمكن بعد من القضاء على الأمية التي لاتزال نسبتها مرتفعة (32%).

وليست أوضاع الصحة بأحسن حالا. بل إنك إذا أردت أن تعرف كيف تمرغ كرامة المغربي والمغربية في الوحل، فقم بزيارة المستشفيات العمومية. مشاهد، والله، لاتكاد تصدق، لولا أني رأيت بعضها بأم عيني.

وإن كنت ممن يرى أن الكرامة الآدمية أسبق في الاعتبار، فاذهب إلى الأحياء الشعبية، وابدأ من العاصمة إن شئت، لترى كيف يعيش قطاع عريض من المغاربة، وحجم البؤس الذي يعيش فيه أبناؤهم وبناتهم، وما يتحملونه من عنت لكسب ما لايكاد يقيم الأود ويشفي الغُلة.

معاناة المغاربة متعددة الوجوه، والأنكى أن تصبح حتى الشكوى منها مزعجة لمن بأيديهم مقاليد الأمور. ومن يجرؤ على فضح ظلم او فساد هنا أو هناك، أو يطالب بالتحقيق في عمليات غش أو اختلاس أوصفقات مشبوهة، قد يتعرض للمساءلة وربما يجد نفسه وراء القضبان. وتتهاوى كل دعاوى حرية التعبير وحقوق الانسان عندما نرى حجم التضييق المتنامي على المعارضين والصحفيين والحقوقيين، بل حتى بعض المدونين قد وجدوا أنفسهم موضوع متابعة أو تحقيق بسبب بضع كلمات.

هذا أسميه الصلف. فحينما يصبح النظام السياسي يتضايق من بضع كلمات، حتى وإن كانت تنقصها الدقة في الصياغة، نفت بها مصدور أرهقه الظلم المستشري، وأضناه الأسى على حقوقه المضيعة، وكرامته المهدورة، وأقض مضجعه قلقُه على مستقبل بدون أفق، وحينما يتبرم هذا النظام من الاعتراض على سياساته الفاشلة حتى وإن كان هذا الاعتراض لايزعج “التقاليد المرعية” جبرا، والخطوط الحمر الموضوعة قسرا، فهذا يعني أننا أصبحنا أمام نظام قد تملكه الصلف إلى أبعد الحدود.

طالع أيضا  تقرير دولي: 4 آلاف مهاجر بين قتيل ومفقود في طريق الهجرة إلى اسبانيا

أشير هنا إلى مثالين، ليس بالضرورة أنهما أولى من غيرهما لبيان إلى أي مدى وصل إليه التغول السلطوي في المغرب.

المثال الأول يتعلق بانتخابات 08 شتنبر 2021. وقد أفرزت نتائج اعتبرها البعض صادمة ومفاجئة. والحقيقة أنها ليس فيها ما يمكن أن يعتبر مفاجئا. فقد جاءت منسجمة مع الدستور الممنوح، والقوانين الانتخابية المدروسة بعناية للتحكم المسبق في الخريطة السياسية، والوضع السياسي العام المتردي وإرادة الحاكمين. وإن كان من اختلاف في تقديرات المراقبين والمتابعين ففي نسبة التردي، أما التردي فهو حاصل يقينا.

وليس غرضي هنا أن افصل في تحليل ذلك الحدث أو تلكم النتائج، ولكن سأتوجه مباشرة لإبداء بعض الملاحظات:

1.     لا أتصور أن تكون هناك انتخابات أكثر سوء من هذه. لقد اجتمعت فيها من الأعطاب ما أحالها إلى عملية عبثية بدون معنى.

2.     لقد نجح النظام بالحيل القانونية، وبالتعليمات حين تعجز هذه، بالإضافة إلى تدني المنسوب الأخلاقي لدى كثير من الساسة والنقابيين وأشباه المثقفين، في اجتثاث المعارضة من المؤسسات الرسمية، حتى أصبح من يمارس المعارضة، وإن كانت ناعمة، يفعل ذلك اضطرارا وليس اختيارا. وقد رأينا كيف كان الجميع يتسابقون لركوب حافلة الحكومة، فلما امتلأت، قيل للباقين اركبوا الحافلة الأخرى، حافلة المعارضة. فهل هناك وضع سياسي أشد بؤسا من هذا؟

3.     لقد أصبحت مؤسسات الحكومة والبرلمان وغيرُها في هامش الهامش، وانكشف للجميع المسؤولون الحقيقيون عن أوضاع المغرب بشكل لم يسبق له مثيل. فلا الحكومة تحكم، ولا البرلمان يمتلك القدرة ليشرع المفيد، أو يراقب أو يطالب بمحاسبة من كان وراء القرارات التالفة المتخذة أو المشاريع المفلسة.

4.     بهذا الإخراج الانتخابي يكون صلف النظام المخزني قد بلغ منتهاه. فبالتحكم في الخريطة السياسية، وبالتحكم فيمن يكون في الحكومة، ومن يكون في المعارضة، ومن يكون في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، يكون الاستبداد قد أناخ بكلكله على صدور المغاربة، وتبخرت كل الشعارات الكاذبة، ليتأكد بأن لا أمل في الإصلاح المرجو ما لم يتغير هذا الوضع الفاسد بكل تعنيه الكلمة من معنى.

المثال الثاني الذي ربما لم يلتفت إليه البعض، ولكني أراه مؤشرا خطيرا للتوجه الذي انخرط فيه حكام المغرب بحماس مخيف. ويتعلق الأمر بالحدث الذي وقع في جامعة القنيطرة بتاريخ 12 أبريل 2022.

لقد اعتاد الطلبة منذ سنوات أن ينظموا نشاطا طلابيا تحت مسمى “ملتقى القدس” بشراكة مع الهيئة المغربية لنصرة لقضايا الأمة. لكن هذه المرة مُنع النشاط، وأُمرت الجامعة بقرار غريب أن تتعطل ثلاثة أيام. والأدهى هو العنف الذي استعملته السلطات العمومية، مما خلف عدة إصابات في صفوف الطلبة.

السؤال: لماذا كل هذا العنف؟ ما الجريمة التي اقترفها هؤلاء الطلبة؟ هل هاجموا منشآت عمومية أو كسروا محلات تجارية؟ هل أغلقوا الشوارع وعرقلوا حركة المرور؟ هل رموا أحدا بالحجارة أو اشتبكوا مع الشرطة بالعصي أو السلاسل أو حتى بالأيد؟ لماذا هذه الهمجية المجانية؟

ومن أجل ماذا؟ ومن أجل من؟ هل للتأكيد أنه بعد التوقيع على التطبيع مع الصهانية لن يسمح بأي نشاط يندد بجرائمهم في فلسطين؟ أم لإفهامنا بأن مسار التطبيع الذي انخرط فيه حكام المغرب بحماس ماض ولارجعة فيه؟ أم لإثبات أن النظام لن يتساهل مع من يعترض على سياساته وإن كانت مهينة لإسلام المغاربة وتاريخهم ودماء الشهداء المغاربة الذين سقطوا دفاعا عن فلسطين؟

هذا مجرد مثال من أمثلة أخرى كثيرة تؤكد كلها أن السياسة التي اشتغل عليها النظام منذ سنين، لافرق في ذلك بين عهد قديم ولاجديد، هو ترويض المجتمع بكافة شرائحه بحيث لايعترض “لا إنسان ولا حيوان” على ما يفعلون في البلد وبالبلد. لاينبغي لأحد أن يتساءل عن حجم الأموال المنهوبة، ولا عن الاختلاسات التي أزكمت رائحتها الأنوف، ولا الأرباح غير المشروعة من المحروقات والأدوية والصفقات المشبوهة، ولا أحد ينبغي أن يطالب بالتحقيق في الملايير المهربة إلى الملاذات الضريبية التي تحدثت عنها بعض التقارير الدولية، ولايجوز المطالبة بالشفافية في منح رخص الصيد في أعالي البحار أو مقالع الرمال، ولا بكشف حجم الأموال الضائعة بسبب التهرب الضريبي من قبل من يسمون Les intouchables ، إلى غير ذلك من صنوف الفساد التي تدع الحليم حيران.

فإذا كان المطلوب هو “ألايتحرك إنسان ولاحيوان”، وكان الهدف هو تحويل المغرب إلى ضيعة والمغاربة إلى خدم وعبيد، وأن لايُقبل من أحدهم أن يعترض أويعبر بأي شكل من الأشكال المشروعة عن قلقه أو حتى امتعاضه، فهل بهذه العقلية ستتحقق النهضة التي ينتظرها المغاربة؟  أصارحكم أننا أصبحنا نخشى على هذا البلد أكثر من أي وقت مضى.

لايستحق المغرب والمغاربة هذه الأوضاع البئيسة، وكان يمكن بناء مغرب يتسع للجميع، ويفخر به الجميع، وينافس أمما وشعوبا حققت نهضة عظيمة دون أن تكون لها من الثروات والإمكانيات ما لدينا. تحدثت قبل قليل عن ماليزيا، ويمكن أن أضيف مثالا آخر هو رواندا التي كان يصورها لنا الأعلام أنها بلد همج، ثم لما انكشفت الأيادي الأجنبية العابثة واندحرت، تغيرت رواندا في وقت قياسي، وأصبحت تنعت بسانغفورا افريقيا.

طالع أيضا  الإمام ياسين: أيام مباركات في شهر مبارك طوبى لمن وفقه الله لصيامها

لماذا كل هذه الشعوب إلا نحن؟ أما آن لمآسينا أن تنتهي، ولليلنا البهيم أن ينجلي؟

الجماعة والآخر

لقد دأبت جماعة العدل والإحسان منذ سنين على الدعوة إلى الحوار والتعاون من أجل بناء مغرب جديد، ووضحنا بما يكفي المسار الذي نحسب أنه يؤمن تغييرا سلسا هادئا، يحفظ للقرار الوطني استقلاله، ويجنب البلاد المزالق المخيفة التي سقطت فيها بعض الدول، وأبدينا مرونة كبيرة، حرصا على جمع الكلمة وبث الثقة، وتحملنا في المناسبات المشتركة العبء الأكبر، نبتغي بذلك وجه الله ولا نمن به على أحد، ودعونا مرارا، ولازلنا، إلى المسارعة لإنقاذ بلدنا قبل أن ينهار بما فيه على من فيه، لاسمح الله، ولم نترك فرصة سنحت إلا ودعونا كل الخيرين في هذا البلد لترك الخلافات جانبا، والاجتماع على كلمة سواء، والتركيز على المشترك للقيام بالواجب تجاه هذا الوطن قبل فوات الأوان، لكن للأسف الشديد لازال التجاوب دون المستوى المطلوب، يمنع البعض التوجس غير المبرر أو الخوف من بطش السلطة، أو عدم تقدير للمخاطر التي تهدد بلدنا، أو أسباب أخرى لانعلمها الله يعلمها.

في حين أن البعض قد ألزمنا بما لا يلزم، واشترط علينا اشتراطات ما أنزل الله بها من سلطان، ومع ذلك قد تجاوبنا إلى أبعد الحدود. قلنا: ميثاق إسلامي، قالوا: لم إسلامي؟ كلنا مسلمون، هذا احتكار منكم للإسلام، فـ”أشيلوها”. قلنا: جيد، ولامشاحة في الاصطلاح بعد الاتفاق على المعنى، وأبدلنا كلمة وطني بإسلامي. قلنا: شورى بآليات ديمقراطية. قالوا هذا كلام غير واضح، الديمقراطية وبس. الديمقراطية هي عملة العصر، ولانبغي بغيرها بدلا. قلنا: حسنا، الديمقراطية وبأشهر تعريف متعارف عليه إذا كانت ستخرجنا من ظلام الفساد والاستبداد. قالوا: ولكننا لانثق، قلنا: نحلف، إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر. قالوا: نريد أن نطلع على تنظيمكم الداخلي لنرى مدى انسجامه مع روح الديمقراطية، ونتأكد من أن اجتماعاتكم خالية من كل الطقوس والخرافات، وأزيد ومن البخور والطلاسم… قلنا: وهنا آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه. فإنكم لا تريدون الحوار، أو لا تستطيعونه، وإنما تريدون التعجيز فقد أدركتموه. لا نقول مثلما قال شاعر متشائم: فيا موت زر، بل يا رب أغث فإن العطب بليغ.

الخلاصات

اختم ببعض الخلاصات لجمع ما بثثته في هذه الكلمة من هموم وأشجان:

1.     الدول الاستعمارية على المكشوف أمس، والمتسترة اليوم، وإن كان بستار يصف ويشف، لاتريد لنا أن نخرج من التخلف والتبعية، ولايُنتظر منها أن ترحب بحركات التحرير، فأحرى أن تناصرها. لذلك علينا أن نعول على الله جل وعلا، ثم على إرادتنا لإمساك مصيرنا بأيدينا، ولافتكاك حريتنا بأنفسنا، وصنع المستقبل الذي يليق بنا أمة لها تاريخ عريق، وإمكانات ضخمة، وتدين بهذا الإسلام العظيم. والحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة.

2.     من شقاء الصهاينة وسوء حظهم أنهم دخلوا في صراع لايعني الفلسطينيين وحدهم، وإنما يعني قريبا من ملياري مسلم، ويحاولون اختطاف أرض لها في قلوب عامة المسلمين مكانة وأي مكانة. ومحال أن يهنأوا بسرقتهم طالما بقي من يقول ربي الله ويعرف للقدس والأقصى والأرض المباركة مكانتها في عقيدة الإسلام. علينا أن نحفظ ونُحفظ لأبنائنا وبناتنا، ونُذكر من نسي أو تناسى من المسلمين أن “فلسطين أمانة والتطبيع خيانة”. فليبلغ الشاهد الغائب.

3.     إن الاستبداد هو أصل البلاء، ومكمن الداء، نقولها ونكررها، ولانمل من التكرار، لاسيما إن كان من النوع الذي ابتلي به المغرب، الذي اجتمعت فيه من العاهات ما جعلته من أسوء أنواع الاستبداد. لذلك فإن حل هذا الإشكال الجوهري هو بداية الحل الشامل.

4.     التدمير الأخلاقي الممنهج قد أصاب المجتمع بأعطاب بليغة. لعل من أبرز مظاهره طفوح سياسي بلا مروءة، ونقابي بلا أخلاق، ومثقف له قدرة عجيبة على الخيانة وعلى تبريرها، مثلما قال لينين، ونصاب اقتحم ميدان الصحة أوالقضاء أو المحاماة أو غيرها من المهن الشريفة فطفق يفترس ضحاياه بلا شفقة ولا رحمة. لابد من إعادة الاعتبار للأخلاق لكيلا نفقد إنسانيتنا.

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

5.     لايمكن لبلد أن ينهض إذا كان الفساد قد استشرى في كل مفاصله، حتى غدا وسيلة ارتقاء، وأسلوب حكم، وأداة تحكم. لاشك أن الصراع معه ليس بالهين، ولكنه ليس مستحيلا، إذا صحت النيات، واتسعت العقول والصدور، وعرفنا من أين نبدأ. وإذا صحت البداية أشرقت النهاية.

6.     البداية الصحيحة تقتضي التركيز على المشترك، والترفع عن الحسابات الضيقة، والثقة المتبادلة، وألا تنطلي علينا سياسة فرق تسد التي استعملتها الأنظمة الاستبدادية عبر العصور.

7.     ليس بالضرورة أن يكون مخرج الجهود النضالية الجماعية يستجيب كليا مع طموحات كل الأطراف المشاركة، أو يتفق بشكل كامل مع المشاريع التي يتبنونها، ولكن سيكون بكل تأكيد أحسن بكثير من واقع الذلة والهوان المفروض على الجميع.

أكتفي بهذا القدر وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين. والحمد لله رب العالمين.