في قرية مهملة مطلّة على المحيط الأطلسي، كانت “أمي زهرة” تعيش رفقة زوجها “السيد حمّو” يأويهما بيت سفلي صغير حاز أرضه إثر صفقة غبن باء أصحابُها بإثمها. يؤنس الواحد منهما وحشة الآخر، يختصمان تارة ويتلاطفان أخرى، وينتظران في هدوء عجيب قدوم ضيف يكرهه جلّ الناس…

وسواء سألتَ العجوز الشمطاءَ أو الشيخ الفاني وقلت: “كيف حالك يا “أبي حمو” أتاك جواب يثلج الصدر: “نأكل القوت، وننتظر الموت، والله -يا بُني- لقد سَقتْنا الدنيا من علقمها ما يكفينا”.

في كلّ يوم -بعد صلاة العصر- تجلس “أمي زهرة” عند باب بيتها المهترئ وحيدة تدندن وبين يديها صحن أبيض بالٍ مُحاولةً تنقية حفنات قمح من الشوائب، فهي لا زالت محافظة على عادات الأجداد وتكره أن تشتري الدقيق المعبأ في الأكياس. تدندن بصوت حزين، وعينها الدّامعة شاخصةٌ تتتبّع حبات القمح على إناء الحديد الأبيض، تتذكر أيام طفولتها وشبابها وعزّها حينما كانت تتجول بين المروج الخضراء – التي استولت عليها شركة نافذة بدعوى المصلحة العامة- تارة كفراشة تستهويها الألوان، وتارة كنحلة تمتص رحيق الأقحوان…

تتذكر حينما كانت في بيت أبويها تسمع عند صفاء الفجر زقزقة العصافير وهي تهمس في أذنها “سبحان الله وبحمده”، تتذكر صياح الديك وهو يقول “أصبحنا وأصبح الملك لله”، تتذكر مؤذّن القرية وهو ينادي “حي على الصلاة”، تتذكر شويهاتها وثغاءها وبقراتها وخوارها ودجاجاتها ونقنقتها ، تتذكر نباح الكلاب وشحيج البغال ونهيق الحمير وصهيل الخيول في غلس الصبح وهي تسبح الله خالق الأكوان. “يُسَبِّحُ لَهُ اُ۬لسَّمَٰوَٰتُ اُ۬لسَّبْعُ وَالَارْضُ وَمَن فِيهِنَّۖ وَإِن مِّن شَےْءٍ اِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمُۥٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيماً غَفُوراٗۖ (44)”

تتذكر يوم عرسها حينما جمع القدر بينها وبين توأم روحها “حمّو”، تتذكر رجال قريتها وهم يشْدون أعذب الألحان بذكر الواحد الديّان وصلاةً على المصطفى العدنان…

وتسقط دمعتان ساخنتان من عينيها الذابلتين -اللتين أفقدتهما أهوال السنين ما كانتا تتمتعان به من سحر ولمعان – فتشويان الثرى وترويانه بماء حميم سعّر ناره سخط دفين على الظالمين. وتهمس “أمي زهرة” لنفسها قائلة: “ألم يكن الأجدر بهم إذ سلبوا منّا حياتنا أن يهبونا على الأقل موتا كريما!”

طالع أيضا  فاجعة غرق شباب من تازة في قارب للهجرة.. وشبيبة العدل والإحسان تعزي وتستنكر (بيان)

ذات يوم – وعيد الأضحى على الأبواب- جلست “أمّي زهرة” كعادتها عند عتبة بيتها الخرب، لكن هذه المرّة ليس لتقوم بتنقية القمح، بل لتتبادل أطراف الحديث مع جاراتها، وبينما تتحدثن عن الدنيا وفتنتها، زاغ لسان إحداهنّ فقالت لأمي زهرة: “هل اشتريتم الأضحية يا “أمي زهرة”؟ هل ستذهبون عند “ألعربي” أم أنّ “العربي” سيأتي عندكم ..؟

وشعرت “أمي زهرة” – وهي المرأة المعروفة بأنفتها ونخوتها وعزّة نفسها- بسهام الكلام اللاذع تخترق الضلوع وتطعن الفؤاد، فقامت بدون استئذان، ولم تنبس ببنت شفة، ودخلت بيتها وأغلقت الباب.

نادت زوجها: حمّو، يا حمّو…

أجابها بصوت مبحوح: نعم، ماذا تريدين؟

قالت: أو ما سمعت ما قالت فلانة؟

قال: وماذا قالت؟

أجابته والعبرة تسبق الكلام: إنّها ترمي الملح على الجرح، وتسألني بخبث إن كنّا سنقضي العيد مع “ألعربي” أم أنّ العربي سيقضي العيد معنا، متى رأتني فارقت بيتي؟

لم يكن للعجوزين إلا ابن واحد اسمه “ألعربي”، غادر القرية منذ سنين طويلة هاربا من أغلال العطالة وسجن البطالة وظلم السجّان، فقصد مدينة الدار البيضاء علّه يجد فيها دواء لقلّة ذات اليد، لكنّه فوجئ بالمدينة الصاخبة تدير له ظهرها وتستقبله ضيفا ثقيلا غير مرحّب به، وتبخرت أحلامه بالعيش المريح والملبس المليح والمسكن الفسيح، ووجد نفسه في كابوس لا تنتهي أهواله…

سكن في ضواحي المدينة، في حيّ من أحياء القصدير، وتزوج هناك وأنجب أطفالا، وارتمى في أحضان الفقر والعوز يضمّه إليه ضمّا وكأنهما حبيبان التقيا بعد طول فراق.

لم يكن “ألعربي” عاقّا لوالديه، ولكن الفقر كاد يكون كفرا…

كان حلم “ألعربي” أن يجد في العاصمة الاقتصادية عملا يكسبه مالا وفيرا ينفق منه على والديه وعلى أولاده، لكنه الآن بالكاد يستطيع أن يوفر لقمة العيش لصغاره، وبين العيد والعيد يطلّ المسكين على أبويه جارّاً ذيول الخيبة واصلاً رحماً قطعها البغاة لمّا استأثروا بخيرات البلاد، وأكثروا فيها الفساد، وذبحوا كرامة العباد على نصب الاستبداد.

ودخلت العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، وبدأت أصوات الأضاحي تنبعث من البيوت، والناس يتساءلون عن أحوال السوق، والنساء يتهيّأن للعيد ويشترين الأواني والمستلزمات، والصبية يتفاخرون على بعضهم،

طالع أيضا  ذ. بناجح يستحضر "ثلاثة معطيات" مهمة لفهم الأبعاد الكبرى لغلاء الأسعار في المغرب

كانت “أمّي زهرة” تراقب هذه الحركة والأسى يمزّق الحشى، والذكريات تطير بها إلى أيام البادية حينما كان لزوجها “السيد حمّو” قطيع غنم وأرض فسيحة، فلم تكن تحمل همّ الأضحية بل كانت هي تبيع الأضاحي للناس…

الآن، ينكسر قلب “أمي زهرة” يوما بعد يوم، وكلما اقترب العيد، زاد ألمها، فتمطر الظالمين بوابل من الدعاء…

قبل العيد بيومين، طُرق باب “أمي زهرة” ليلا، فتحت فإذا فلذة كبدها “العربي” قد أتى، عانقته بحرارة، ضمته، شمّته، أخذت بيده أدخلته إلى حجرتها نادت على أبيه، اجتمعوا جميعا، سألهم عن أحوالهم وسألوه. تبادلوا أطراف الحديث، ثم قال “ألعربي”: “ستذهبون معي إلى البيضاء لنقضي العيد معا، فقد اشتريت أضحية تكفينا جميعا”

نظرت إليه “أمي زهرة” نظرة يطبعها عدم الرضا، ثم قالت: “يا بني، لقد علمتَ بأن هذا الأمر قد حسم منذ زمن بعيد، ولا يمكنني أن أكون ضيفة ثقيلة على زوجتك، وكما يقولون: “عزّ الخيل مرابطها”، والله يا بني لنحن بألف خير، وما كان ينقصنا إلا النظر إلى وجهك السمح وقد رأيناك، لا تحمل همّنا فلنا ربّ قادر عنده الخير الوافر، اذهب –يا قرّة عيني- إلى أولادك واقض معهم العيد ولا تنشغل بنا، وإنا عنك لراضون”

ارتسمت على وجه “العربي” علامات الكمد، اغرورقت عيناه بدموع العجز، أمسك رأسه بيديه، سكت طويلا ثمّ قال: “الأمر لك يا أماه” ، ثمّ أخرج من جيبه ورقة نقدية من فئة مائتي درهم أعطاها إياها وقام، وقبل الفجر كان “ألعربي” قد أدلج حتى لا تراه عيون الجيران المتجسّسة ولا تسمع حسّه آذانهم المتلصّصة.

بعدما عاد “ألعربي” من حيث أتى، قالت “أمي زهرة” لزوجها: “أسمع يا حمّو سنغلق علينا باب بيتنا اليوم وغدا حتى يمضي العيد، وإياك أن تفتح لأحد أو تجيب طارقا، فأنا لن أرضى أن تأتي الجارات بصدقاتهن إليّ”.

أجابها الشيخ مبتسما: “القول قولك “يا زهرة”، لكن أما علمت أنّ لنا ربّا يجيب المضطر إذا دعاه ويعطي السائل إذا ناجاه؟”

وأغلقت العجوز بابها، وسدّت نوافذها، وكتمت أنفاسها.

لكن غير بعيد من بيتها، تساءل بعض شباب الحيّ -الذين كانوا يحملون شعار: “مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورثه”- عن “السيد حمّو” و “أمي زهرة”، فقال قائل منهم لقد رأيتها قبل قليل وهي تغلق الباب، وأنا متأكد أنهم لا يملكون الأضحية، لكنّكم تعلمون حال “أمي زهرة” وتعرفون شممها وكبرياءها.

طالع أيضا  د. بن مسعود: بعيدا عن المزايدات.. كان بالإمكان فتح المساجد

وبادر الشباب إلى المساهمات المادية، جمعوا ما يكفي لشراء خروف يفي بالغرض ويفرح العجوزين، اقترح عليهم أحدهم أن يبيعهم جذعة هي أفضل من خروف، لم يتوانوا وأعطوه ثمنها، بل أقلّ من ثمنها، ثمّ حملوها على عجل وانطلقوا نحو بيت العجوزين وطرقوا الباب. حاول الشيخ القيام لفتح الباب فمنعته “أمي زهرة”، كرّروا طرق الباب، وكرّرت هي الامتناع عن فتحه، فنادى مناد من الخارج: افتحي “يا أمي زهرة” فنحن نعلم أنك في البيت”. قام “أبي حمو” فتح فإذا الجذعة تستقبله عند الباب، لم يتمالك نفسه رقص وصفّق وقال لزوجه: ألم أقل لك يا زهرة إن لنا ربّا قادرا يرعانا، وأنه سبحانه لا ينسانا”.

قامت “أمي زهرة” على عجل، همهمت، دندنت، هملت عيناها…

خرجت تبحث عمن فعل بها هذا لتكافئه، وجدت فاعلي الخير قد انبروا في صمت، فهؤلاء يعملون لوجه الله، لا يريدون من أحد جزاء ولا شكورا، أمطرتهم بوابل صيب من الدعاء الطيب ولسان حالها يقول: “والله لأنتم أحقّ بالخلافة من عمر”.

قلت: إذا كانت هذه فرحة عجوز لا صغار لها، فبالله عليكم كيف تكون فرحة أرملة يتضاغى أيتامها عند قدميها يقولون أين كبشنا يا أماه! كيف تكون فرحة طفل مات أبوه وتركه أمانة عندنا!

أيها الراحمون…

من يرسم بسمة على شفاه المعوزين…

من يدخل الفرحة إلى قلوب المحتاجين…

من يمسح دمعة يتيم حزين، من يجود عليه بلمسته ويسقيه من رحمته، من، من؟

“الرَّاحِمونَ يرحَمُهم الرَّحمنُ تبارَك وتعالى؛ ارحَموا مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماءِ.”