بقلم: ذ. محمد النويني عضو هيئة الدفاع

تروم العدالة الانتقالية تعزيز ثقة الأفراد بمؤسسات الدولة، والاعتراف بضحاياها، والعمل على احترام مبادئ حقوق الإنسان، وتعزيز سيادة القانون عربونا على وجود إرادة صادقة من قبل الدولة نحو المصالحة ومنع الانتهاكات الجديدة المنتظر وقوعها، وتنبني العدالة الانتقالية مبدئيا على أربعة أسس مرتبطة ببعضها البعض، انطلاقا من توفير محاكمة عادلة تتوفر فيها كافة الضمانات لكشف الضالعين في الانتهاكات، وكذا إزالة اللثام عن طبيعة الانتهاكات وتعويض الضحايا والاعتذار لهم، إلى جانب الحرص على قيام الدولة بجل الإصلاحات التي من شأنها منح ضمانات عدم تكرار هاته الانتهاكات.

ترى ما مآل المساطر القانونية والقضائية في ملف الشهيد كمال عماري؟ وما هي خلاصات التقارير الحقوقية في الملف؟ وهل تحققت مبادئ العدالة الانتقالية في ملف عماري بعد مضي 11 سنة على واقعة اغتياله؟

مآلات المساطر القانونية والقضائية في ملف كمال

في نفس اليوم الذي أعلن فيه عن وفاة الشهيد كمال عماري، سارعت هيئة الدفاع ومن ورائها أسرة الضحية، إلى تقديم شكاية بخصوص وقائع الحادث إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بأسفي، وقام بتكليف نائبين من نوابه لمعاينة جثمان الشهيد بالمستشفى الذي كان يرقد به عشية اليوم الثاني من يونيو 2011، وتحرير محضر لهذه المعاينة، ثم أعلن عن تكليف مركز الطب الشرعي التابع للمستشفى الجامعي ابن رشد، بإجراء تشريح طبي على الضحية، وهو الأمر الذي تم يوم الوفاة ليلا.

وفي اليوم الموالي للوفاة، تقدم فريق الدفاع بطلبين لإجراء خبرة طبية على الضحية أمام المحكمة الابتدائية بأسفي، وأمام المحكمة الإدارية بمراكش –باعتبارها المختصة ترابيا– لكن المحكمتين معا قضتا بعدم قبول الطلب، ليتم الموافقة على استخراج جثمان الشهيد ليدفن بمشاورة مع أسرته بتاريخ 04 يونيو 2011، بعد وعد رسمي من النيابة العامة على أنها ستمكن الدفاع وعائلة الشهيد من نسخة تقرير التشريح فور التوصل به، إلا أن النيابة العامة خلال يوم 06/06/2011، أصدرت بلاغا عبر وسائل الإعلام الرسمية، تقدم فيه مستخلصا مجتزءا من خلاصات التقرير، وتعلن فيه عن تكليف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالقيام بإجراء بحث تمهيدي في القضية.

وبعد فترة تناهز السنة على وقائع الحادثة، أحال الوكيل العام الملف على قاضي التحقيق -الملف عدد 280/2011-  ليباشر التحقيق ضد مجهول، من أجل تهم العنف العمدي المؤدي للوفاة دون نية القتل والعنف العمدي.

طالع أيضا  الذكرى 11 للاختطاف والاعتقال: ويستمر التردي الحقوقي وسوء الحال

وبعد مرور أربع سنوات على قرار إحالة الوكيل العام للملك الملف على قضاء التحقيق، صدر عن هذا الأخير بتاريخ 24 مارس 2016، قرار يقضي بعدم المتابعة وحفظ القضية مؤقتا إلى حين ظهور عناصر جديدة في الملف، الأمر الذي لجأت معه هيئة دفاع عائلة السيد كمال عماري، إلى استئنافه بتاريخ 29 مارس 2016، وبعد عدة جلسات مارطونية، أبقت الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بأسفي على نفس القرار السابق في ملف عدد 145/2016 قرار رقم 215، الصادر بتاريخ 08 يونيو 2016، وهو القرار الذي ثم الطعن فيه بالنقض من طرف دفاع عائلة كمال عماري بتاريخ 13 يونيو 2016 صك عدد 258.

للأسف بعد سبع سنوات على استشهاد كمال عماري، شهيد الحراك المغربي، تسدل محكمة النقض الستار على هذا الملف الحقوقي والسياسي بامتياز، والذي تابعه المغاربة قاطبة، وحققت فيه منظمات وهيئات حقوقية وطنية ودولية، حكومية وغير حكومية، أصدرت حوله تقارير لا يمكن أن نقول عنها، إلا أنها جاءت منسجمة ومتناغمة ومتساوقة، تؤكد بالأدلة والشهود والقرائن، مسؤولية الدولة المغربية في حادث وفاة الشاب كمال عماري، إلا أن القضاء المغربي جانب الصواب حينما قررت محكمة النقض، في الملف عدد 23321/2016، قرار رقم 1191-6-1-2017، الصادر بتاريخ فاتح نونبر 2017، برفض طلب دفاع عائلة كمال عماري، الرامي إلى نقض قرار قاضي التحقيق، المؤيد من قبل الغرفة الجنحية الاستئنافية بأسفي، والقاضي بعدم المتابعة وحفظ القضية مؤقتا، إلى حين ظهور عناصر جديدة .

خلاصات التقارير الحقوقية حول ملف عماري

تسعى السلطات إلى أن تحجب الشمس بالغربال، حين تتعامى عن الحقيقة التي خلصت إليها العديد من التقارير الصادرة عن العشرات من المنظمات الحقوقية، والتي أكدت مادية الجريمة والعلاقة السببية بين الوفاة والاعتداء، فحسب خلاصات التقرير الصادر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان المنجز في عشرات الصفحات، أكد جميع الأطراف التي استمع المجلس إلى إفادتها، على أن العنف والقوة المستعملين لمواجهة تظاهرات 29 مايو 2011 شكلا نقطة تحول جوهرية في طريقة تعاطي السلطات الترابية والأمنية مع المحتجين من شباب حركة 20 فبراير ومجلس الدعم المحلي، وأن الشهادات المتطابقة والمتكاملة والقرائن القوية قد رجحت القناعة لدى اللجنة بأن تعاطي السلطات الأمنية مع هذه التظاهرة قد شابته تجاوزات، منها على الخصوص: اللجوء إلى العنف المفرط والاستعمال غير المتناسب للقوة منذ البداية وعدم التدرج في ردع المتظاهرين وتفريقهم، كما تؤكد ذلك الشهادات من جهة وأثار العنف البادية التي عاينتها اللجنة على أجساد العديد من المتظاهرين، بالإضافة إلى تسجيل اللجنة حشد قوى عمومية متنوعة وكثيرة العدد وتعبئتها ونشرها في مختلف النقط المقررة لانطلاق التظاهرة وسيرها ووصولها، بكيفية غير متناسبة بتاتا مع محدودية أعداد المتظاهرين المحتشدين في تلك النقط، وعدم الاكتفاء بتفريق المتظاهرين واللجوء إلى الهجوم عليهم ومطاردتهم وتعنيفهم وهم في حالة هروب أو استسلام، وامتداد العنف إلى بعض المارة من ساكنة هذه الأحياء وبعض الباعة المتجولين وبعض التجار الذين لا علاقة لهم بهذه التظاهرة.

طالع أيضا  "فتح تحقيق" مقبرة لملفات الانتهاكات وسوء التدبير

أيضا لجوء الأجهزة الأمنية إلى الاختطاف والاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة وسلب المتعلقات الشخصية وتدميرها في حق عينة منتقاة من شباب 20 فبراير يوم الأحد 29 مايو 2011 ابتداء من الساعة الخامسة إلى منتصف الليل، بالإضافة إلى نقل هذه العينة بواسطة سيارة لا تحمل أي علامة تدل على قوات الأمن إلى خارج المدار الحضاري لمدينة أسفي وتركهم في الخلاء تراوحت مسافتها بين 10 كلم و40 كلم وفق الشهادات المدلى بها من طرف الضحايا.

ومما يؤكد الاستعمال المفرط للقوة في عملية تفريق المتظاهرين يوم 29 ماي، لجوء السلطات إلى الاستعانة بتعزيزات أمنية من خارج المدينة مما يشكل قناعة لدى اللجنة بترجيح ثبوت مسؤولية القوات العمومية في الحادث.

وبخصوص وفاة المرحوم كمال عماري فإنه انطلاقا من الإفادات التي توصلت بها اللجنة من خلال مختلف الشهود والوثائق التي توفرت لديها والمعطيات التي حصلت عليا من لدن ممثلي السلطات الترابية والأمنية والقضائية، فقد تكونت لها قناعة بوجود قرائن على تعرض المرحوم كمال عماري للعنف من جراء تدخل عناصر من الشرطة، يستعملون دراجات نارية، ويصل عددهم حسب شهود عيان بين أربعة وخمسة عناصر، وكذلك وجود أثار لهذا العنف على جثة المرحوم عند معاينة اللجنة لها في مستودع الأموات، وهو ما يتقاطع مع ما ورد في محضر المعاينة الأول الذي أنجز من قبل الشرطة القضائية بحضور نائبي الوكيل العام وأفراد من أسرة المرحوم، هذا إلى جانب ورود معطيات في تقرير التشريح الطبي المنجز من قبل الطب الشرعي، والمقدمة بعض خلاصاته في بلاغ السيد الوكيل العام للملك، والتي تتقاطع مع ما ورد سابقا.

مقتل كمال عماري على ضوء مبادئ العدالة الانتقالية

رغم مرور 11 سنة على اغتيال كمال عماري، ورغم صدور العديد من التقارير الحقوقية الوطنية والدولية التي تؤكد في خلاصاتها وتحقيقاتها وجود قرائن على تعرض كمال عماري للعنف من جراء تدخل عناصر من الشرطة، وعلى الرغم من سلوك هيئة دفاع عائلة الشهيد كمال عماري للعديد من المساطر القانونية والقضائية طيلة العشرية السابقة، لا زالت العدالة لم تأخذ مجراها في حق من قتل عمر، ولم يكشف عن حقيقة مقتله، ولا معاقبة من تسبب في ذلك وأصدر الأوامر للقيام بهذا الفعل الشنيع، ولم يتم إنصاف عائلة الشهيد وجبر ضررهم .

طالع أيضا  مؤسسة القدس الدوليّة: اتفاق التطبيعِ بين المغربِ والعدو الإسرائيلي عارٌ لا يمثّلُ المغاربة

إن جريمة قتل كمال عماري، هي جريمة تتضمن المس بالحق في الحياة وبالسلامة الجسدية والتعذيب، وانتهاك الحق في الانتماء، والحق في التعبير، والحق في الاحتجاج السلمي، وهي جرائم سياسية بعضها لا يسقط بالتقادم وفقا للقانون الإنساني الدولي، والقانون الجنائي المغربي، وأن هيئة دفاعه مصرة على كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، ومحاكمة الجناة وكل المتورطين في القضية أمام قضاء مستقل ونزيه، مع توفير كافة الضمانات لمحاكمة عادلة.

إنه وفي حالة استنفاد جميع إمكانات الحصول على الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر أمام المؤسسات الداخلية، تبقى إمكانية لجوء عائلة الضحية للمؤسسات الدولية المختصة واردة، لعدم تحمل الجهات القضائية والسلطات العمومية مسؤولياتها حيال كل انحراف يعرفه مسار الملف، وفي كل إجراء من شأنه طمس الحقيقة والإنصاف وإفلات الجناة من العقاب.