بقلم: مصطفى شقرون

الغرور ضد الذكاء.

معادلة بسيطة.. 

إذ بِمَ يغتر المرء غالبا؟ بشيء لم يصنعه (عقلا كان أو مالا أو جمالا..)..

قمة عدم الذكاء..

سمعت يوما “ثوريا” يمجد إبليس (لعنه الله)! قال هو أول من اعترض.. اضحكني الأمر كثيرا.. فالعقلاني آمن بالجن وبقصص القرآن… فكل شيء جائز مادام يصب في محاربة من يسميهم “رجعيين”..

حكيت في بعض المحاضرات حاكيا قصة إبليس -بطريقة غريبة- لأحذر من عقبة الكِبر :

“قد يظهر لكثير من الناس أن شكل النار وألوانها أكثر جاذبية في أعينهم من شكل الطين العادي.. فلم غضب الله من مقارنة إبليس -لعنه الله-؟”.

قال الشيطان الرجيم محتجا: ..أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (سورة الأعراف – من الآية 12).

حين أقرأ القصة.. أفهم منها أن المغرور اغتر بالنار، واحتج بها.. مع أنه لم يخلقها..

احتج بشيء لم يصنعه..

لم يستحقّه..

ليس هذا منطقيا ولا ذكيا.. !!

ولا.. ثوريّا…

لقد فعل الشيطان كما فعل حارس السيارات الفقير الذي يعمل بفندق فاخر.. أعطاه صاحب سيارة فاخرة تثير فضول الناظرين.. سيارته ليركنها.. فأطال المسافة وأخرج يده من النافذة وبدأ ينظر إلى الناس باستعلاء.. وهم منبهرون بشكل سيارة لم يعهدوه… ومنهم من يعرف أنه حارس الفندق المسكين..

مسكين..

هكذا هم أكثر الناس..

فمغرور بجمال لم يرسم خطوطه..

ومغرور بعقل لم يصنعه ولم يشتره ولم يستورده..

ومغرور بمال لم يصنع ذكاء تسييره ولا مصادره ولا زبائنه..

ومغرور بأفكار لا يدري من أين أتته ..

ومغرور بكراماتٍ ما كان ليُجرِيَها هو على يديه..

ومغرور برؤىً ما كان مُرسِلَها لنفسه..

ومغرور بذكر ما كان هو مُيسرَه ولا مُلهِمَه.. 

..وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (سورة النّور – من الآية 21).

طالع أيضا  الهيئة المغربية: أنقذوا حي الشيخ جراح

لهذا قلنا بأن الغرور ضد الذكاء..

فلا شيء يستوجب أن نغتر به منطقيّا..

لأننا -ببساطة- لا نخلق شيئا من عدمٍ أصلا حتى نفخر به..

وحتى إن “أبدعنا” في تحويل شكل أشياء موجودة مخلوقة، فإنّما نفعله بمخّ موجود هو أيضا.. لم نبدعه نحن.. ويدين عجيبتين فنّانتين وجدناهما.. من غير حول منّا ولا قوّة..

وحتّى إن رفض أحدهم فرضية خلق المخّ واليدين.. فالأكيد الذي لا يمكنه أن يرفضه هو أنه لم يخلقها هو..

الغرور شيطنة وهو من الغَرور لعنه الله.. هو من وعدٍ وعدَهُ الكاذب مغريا أبوينا بالخلد وملكٍ لا يبلى..

ولا زال من الملحدين من يُنكِر الخلق..

لكنه يفعل ذلك بواسطة علم وعقل مخلوقين..

أقول لمن تبجّح بالنار: إصنع نارك ولا تسجد!

وأقول لمن يتبجح بالعقل: إصنع عقلك.. وتبجح!