بقلم: ذ. المحامي عبد الحق بنقادى عضو هيئة الدفاع

تطل علينا الذكرى السادسة عشرة لتشميع بيوت مواطنين ينتمون لجماعة العدل والإحسان من طرف السلطات المغربية، وعلى رأسهم منزل الأستاذ “محمد عبادي” الأمين العام للجماعة، الكائن بشارع سيدي محمد بن عبد الله بوجدة (شرق المغرب)، الذي اقتحمته قوات الأمن وحاصرته من كل الجهات بتاريخ 25 ماي 2006 في وقت متأخر من الليل، واعتقلت ضيوفه وقامت بتفتيشه والعبث بمحتوياته ليتم تشميعه وحرمان أسرة بأكملها من حقها في السكن والتصرف في عقارها، كما ضربت على أبوابه ومحيطه حراسة أمنية مشددة إلى يومنا هذا (عناصر أمن بمداومة 24 ساعة و كاميرات مثبتة من جميع زوايا البيت المشمع)، نفس الشيء بالنسبة لبيت الأستاذ “لحسن عطواني” بمدينة بوعرفة ودائما بشرق المغرب، والمشمع منذ 16 سنة دون أي سند قانوني أو قضائي أو حتى إداري، شأنه شأن جميع البيوت المشمعة ظلما وعدوانا عبر ربوع الوطن التي بلغت لحد الآن 14 منزلا مغلقا خارج دائرة القانون.

ولا يختلف أحد في أن ما وقع يشكل مسا خطيرا بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية، وخرقا فاضحا لكل الشرائع والأعراف والمواثيق الدولية والقوانين الوطنية، خاصة الفصل 24 من الدستور الذي ينص على أنه: “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، لا تنتهك حرمة المنزل، ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون”.

كما أنه سبق للقضاء بجميع درجاته أن أصدر أحكاما وقرارات نهائية تعتبر قرارات التشميع غير مشروعة والجهة التي أصدرتها غير مختصة، بل إنها حكمت ببراءة أصحابها من المتابعات التي سطرتها النيابة العامة في حقهم والمتعلقة بتهمة “كسر الأختام الموضوعة بأمر من السلطات العامة”، أذكر هنا على سبيل المثال قرار محكمة النقض عدد 2165/5 المؤرخ في 03/12/2008 ملف جنحي عدد 10801/6/5/2007، بين الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالناظور والسيد “جمال البوطيبي”، الذي جاء في أحد حيثياته: “حيث إنه بمراجعة ظهير 1958 المتعلق بالتجمعات العمومية يتضح أنه لا يتضمن كتدبير وقائي إغلاق المقرات أو المحلات التي يعقد فيها التجمعات العمومية بدون تصريح وعليه يبقى أمر إغلاق منزل المتهم عملا غير مشروع وبغض النظر عن قيام المتهم بكسر الختم الموضوع على منزله أو عدم قيامه بذلك فإن الدخول إلى المنزل بعد كسر الختم من طرف المتهم يبقى مبررا ما دام أن وضع الختم بداية كان من جهة غير مخولة قانونا للقيام بهذا التدبير وقبل صدور العقوبة الأصلية”.

طالع أيضا  قراءة في تجربة حركة 20 فبراير

موقف القضاء هذا شكل فيما بعد إحراجا وفضيحة قانونية وقضائية وحقوقية لمهندسي قرارات التشميع، مما دفعهم للبحث عن مبررات جديدة تسعفهم في إغلاق بيوت عشرات المواطنين في إطار “حملة ثانية” لتشميع بيوت أخرى، شنتها السلطات المغربية أواخر سنة 2018 عبر ربوع الوطن بكل من مدن: وجدة والدار البيضاء والقنيطرة وطنجة وتطوان وفاس والجديدة ومراكش وأكادير، هذه المبررات تجسدت في إصدار قرارات إدارية تقضي بإغلاق وهدم هذه البنايات تحت ذريعة أنها مخالفة لمقتضيات كل من ظهير 02 أكتوبر 1984 المتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي فيها، وكذا القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير رغم أن الحقيقة هي عكس ذلك تماما كما سبق توضيحه بالحجة والدليل للرأي العام من طرف هيئة الدفاع في مناسبات عدة، ولعل حالة منزل السيدين “لطفي حساني” و”البشير عبيد” بحي الأندلس بمدينة وجدة خير دليل على ذلك، والمشمع منذ 3 دجنبر 2018.

وبذلك تكون السلطات قد زجت بنفسها أمام صنفين متضاربين وغير منسجمين من قرارات التشميع يفتقر كلاهما إلى السند القانوني والواقعي، وهما:

*الصنف الأول: قرارات تشميع لا وجود مادي لها، صدرت بتعليمات شفوية عن “جهة عليا” لم تعلن عن نفسها، اعتبرها القضاء أحيانا قرارات منافية للمشروعية وبالتالي حكم ببراءة أصحابها من تهمة كسر الأختام التي وجهت لهم، بينما سكت عن البعض معرضا عن فحص مدى شرعيتها خلافا لمقتضيات المادة 44 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، وبذلك استطاع أصحاب البيوت استرجاع بيوتهم بكل من مدن: الناظور و زايو و العروي رغم تلكؤ السلطات في تنفيذ هذه الأحكام القضائية، بينما بقي الحال كما هو عليه بالنسبة لمنزلي الأستاذين عبادي وعطواني بكل من مدينتي وجدة وبوعرفة، و هو ما شكل تناقضا صارخا و تخبطا واضحا.

طالع أيضا  حتى لا ننسى...

* الصنف الثاني (الذي ينطبق على حالة منزل السيدين لطفي حساني والبشير عبيد بوجدة نموذجا): قرارات إدارية مكتوبة صادرة عن عامل الإقليم بالإغلاق والهدم بدعوى مخالفة ظهير 02 أكتوبر 1984، والقانون رقم 12.90، وبغض النظر عن عيوب هذه القرارات نجد تناقضا بين مختلف المحاكم الإدارية على الدرجة الأولى، بين محاكم اعتبرتها قرارات إدارية بالمعنى القانوني للقرار الإداري، وأخرى اعتبرتها قرارات غير إدارية لا يمكن الطعن فيها أمامها، ناهيك عن أحكام الإدانة الصادرة عن المحاكم الزجرية بالحبس والغرامات المبالغ فيها في نفس النازلة، و هو ما شكل عقابا مزدوجا لحقوقهم كمتقاضين وانتهاكا لأبسط ضمانات ومبادئ المحاكمة العادلة.

وعليه يبدو أن “الجهات العليا” التي أعطت تعليماتها السابقة بإغلاق البيوت بدون سلوك أو الاستناد إلى أية مسطرة قانونية أو قضائية، هي نفسها التي أوعزت بإصدار الصنف الثاني من قرارات التشميع بعدما غلفتها بقرارات إدارية وكيّفتها بمواد قانونية بعيدة كل البعد عن نازلة الحال قصد تدارك خروقات قرارات التشميع السابقة، لكن ما يفضح حقيقة هذه القرارات المتعسفة هو استمرار الوضع على ما هو عليه بالنسبة لمنزلي الأستاذين عبادي وعطواني لحد الآن رغم مرور 16 سنة على هذا الانتهاك الخطير، دون أي غطاء قانوني أو قضائي يمكن أن تتوارى خلفه هذه “الجهات العليا”، كما تتوارى الآن خلف قرارات إدارية و أحكام قضائية ثبت للعام و الخاص عوارها و تهافتها في الحالة الثانية المذكورة. مع الإشارة كذلك إلى أن أغلب هذه البيوت المغلقة والتي تعتبر الآن تحت مسؤولية وحراسة السلطات التي قامت بإغلاقها أصبحت عرضة للنهب والسرقة والتخريب والإهمال، مما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أننا أمام مس خطير ومصادرة لحقوق مواطنين خارج شرعية القانون والمؤسسات.

طالع أيضا  ذ. امرابط: تشميع البيوت يضرب بعرض الحائط جميع الشعارات التي ترفعها الدولة

ختاما، وبعد مرور 16 سنة على هذا التعسف والشطط والمس الخطير بالحقوق والحريات واستمرار نفس النهج مع مطلع سنة 2018 باستهداف بيوت أخرى تحت مبررات لا أساس قانوني لها، فهل الأمر انتقل من عقوبة التشميع بدون أي سند قانوني أو قضائي إلى عقوبة تأبيد التشميع!!!؟ وكيف يتأتى للسلطات الإدارية أن تصادر الاختصاص الحصري للسلطة القضائية وتنفذ عقوبات مؤبدة في حق البيوت المشمعة تتمثل في “مصادرة محلات والاستيلاء عليها” خارج الشرعية القانونية والمساطر والإجراءات القضائية!!!؟ وكم يا ترى سيكفيها من الوقت لإنهاء هذا الانتهاك المؤبد والخطير لحقوق وحريات المواطنين في بلد لا يفوت مسؤولوه أي فرصة وفي أي محفل للترويج والدعاية أنهم يحترمون سيادة القانون ويصونون الحقوق والحريات!!!؟