حجزت الغرفة الجنحية الاستئنافية بسلا زوال اليوم الأربعاء 11 ماي 2022 ملف المدون ياسر عبادي بالمداولة لجلسة فاتح يونيو 2022 بعد استئنافهم للحكم الابتدائي المجانب للصواب، الصادر في حقه بتاريخ 24 يناير 2022 والقاضي ب 6 أشهر موقوفة التنفيذ و500 درهم غرامة.

وأرجع الأستاذ محمد النويني عضو هيئة دفاع ياسر في تصريح خص به موقع الجماعة، أسباب مجانبة الحكم المستأنف المعروض أمام الغرفة الجنحية الاستئنافية بسلا للصواب إلى عتبارين اثنين. الأول؛ “أنه أدان المدون ياسر عبادي، من أجل تدوينة عبر من خلالها عن أراء وأفكار بشكل سلمي وحضاري، بالرغم من مخالفة ذلك لمقتضيات المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، باعتباره الإطار الدولي الأساسي الذي يقنن هذا الحق” وتنص هذه المادة على أنه “لكل إنسان حق في اعتناق أراء دون مضايقة، ولكل إنسان حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو بأي وسيلة أخرها يختارها “.

وهو نفس الأمر الذي أكده الفصل 25 من الدستور، حيث اعتبر “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها“، بل أكثر من ذلك جعل مجموعة من الحقوق المرتبطة بحقل حرية الرأي والتعبير من الحقوق المضمونة. وفق النويني، حيث نص الفصل 29 من الدستور المغربي على “أن حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي مضمونة”.

أما الاعتبار الثاني في مقاربة الأستاذ المحامي والباحث في القانون الدولي الإنساني، فهو “أن المحكمة أدانت العارض من أجل جنحة إهانة هيئة منظمة، والحال أن الفصل 263 من ق ج يستلزم للمتابعة بجنحة الإهانة، توافر ركن مادي قوامه توجيه الإهانة لموظف عمومي أثناء قيامه بوظيفته، أو بسبب قيامه بها، بواسطة الأقوال والإشارات، أو التهديد، أو إرسال الأشياء أو وضعها، أو الكتابة أو الرسوم غير العلنية”. كما يستلزم أيضا توافر ركن معنوي، يتمثل في وجود قصد للمساس بشرف الموظف أو بشعوره أو الاحترام الواجب لسلطته.

طالع أيضا  القطاع النقابي للعدل والإحسان: لا سبيل لتحقيق المطالب وحماية الحقوق إلا بالتحام جماعي في جبهة نضالية موحدة (بيان فاتح ماي)

وتأسيسا على هذين الاعتبارين وبالرجوع إلى محضر الضابطة القضائية بمختلف عناصره ووثائقه، يضيف النويني “فإنه لم يثبت أن المتهم وجه الإهانة بالوسائل التي ذكرها المشرع في الفصلين 263 و 265 من ق ج م، بل لا تتوفر النيابة العامة على أي إثبات يذكر، من قبيل الشهود أو الاعتراف، بل نجد المتهم يرفض التوقيع على تصريحاته المضمنة بالمحضر على اعتبار أنها غير صادرة عنه”.

وشدد عضو هيئة الدفاع على أن هذا الأمر “يتعين معه التصريح ببراءته من هذه الجنحة عملا بالاجتهادات القضائية المتواترة لمحكمة النقض في هذا الباب والتي نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر، القرار عدد 6774 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 1983، الذي جاء في إحدى حيثياته “لما كانت المحكمة لم تبين العبارات غير اللائقة التي تكون العنصر المادي لجريمة إهانة موظف، فإن حكمها يكون ناقص التعليل ومستوجبا للنقض” 1 وكذا قرار محكمة النقض عدد 2765 الصادر بتاريخ 18 يناير 1989 الذي جاء في إحدى حيثياته: “أن المحكمة لما أدانت الطاعن من أجل جريمتي التهديد وإهانة موظف دون أن تبرر في قضائها أن التهديد كان مصحوبا بأمر أو معلق على شرط، وأن إهانة الموظف وقعت أثناء القيام بعمله وبقصد المساس بشرفه أو شعوره أو الاحترام الواجب لسلطته، يكون قرارها منعدم التعليل مما يستوجب نقضه” 2

وأما بخصوص ملاحظات الأستاذ النويني على إدانة ياسر من أجل جنحة عرقلة تنفيذ قرارات السلطات العمومية وتحريض الغير على مخالفة قراراتها، “فإن العارض لم يوجه أي إهانة تذكر للسلطات العمومية، بل انتقد فقط أداءهم عبر تدوينة بشكل حضاري وسلمي، وأن إعلان حالة الطوارئ لا تخول للسلطات العمومية في جميع الأحوال، التضييق على الحقوق والحريات بحجة حفظ الأمن وتطبيق القوانين على حساب المبادئ والقيم والحقوق”، مردفا أن المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية اكدت ذلك ونصت على أنه “في حالة الطوارئ الإنسانية التي تتهدد حياة الأمة والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد شريطة عدم منافاة هذه التدابير الالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي، وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون، أو الجنس أو اللغة ، أو الدين أو الأصل الاجتماعي، ولا يجيز هذا النص أي مخالفة لأحكام المواد 6و7و8 “.

طالع أيضا  توقيف د. المعطي منجب ومتابعته في حالة اعتقال

ولفت النويني إلى أن المادة 7 مثلا من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، “نجدها لا تجيز إخضاع أحد للتعذيب ولا المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة، وهذا ما أكدته المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.

وأكد المتحدث باسم هيئة الدفاع التماسهم بإلغاء الحكم الابتدائي القاضي بالإدانة والحكم من جديد أساسا ببطلان المتابعة واعتبارها هي والعدم سواء طبقا للمادة 751 من ق م ج واحتياطيا الحكم ببراءة المتهم مما نسب له. وذلك استنادا إلى أربعة دوافع أساسية، أولها “الدفوع الشكلية التي آثرناها أمام المحكمة والتي تعصف بجل الإجراءات المنجزة في المسطرة، بكل مراحلها بدأ من مرحلة الإيقاف والتحري والوضع تحت الحراسة النظرية، مرورا بمرحلة التقديم والاستنطاق والتكييف القانوني للأفعال المنسوبة لمؤازرنا“.

وثانيها الدفوع الموضوعية “التي بسطناها بإسهاب، سواء فيما يتعلق بانعدام الركن المادي والمعنوي للفعل الجرمي المنسوب للمتهم، وغياب وسائل الإثبات، وأمام نفي هذا الأخير لانصراف نيته إلى توجيه الإهانة إلى أجهزة الشرطة أو الأجهزة الأمنية، وكذا نعينا على الحكم الابتدائي مجانبته للصواب فيما قضى به من إدانة العارض من أجل ما نسب له من جنح، ونقصان التعليل الموازي لانعدامه”.

أما الدافع الثالث فهو “كون ما نسب لياسر عبادي لا يخرج عن نطاق حرية الرأي والتعبير، باعتبارهما حقين أصيلين ومقدسين تضمنهما المواثيق الدولية، ويؤطرهما الدستور المغربي والقوانين الوطنية”.

في حين أن الدافع الرابع فهو “كون كل التأويلات التي جاءت بها الشرطة القضائية في محضرها من خلال خلاصاتها ومستنتجاتها، ينفيه المتهم، بل رفض التوقيع عنها، لكونها غير صادرة من قبله”.


[1] مجموعة قرارات المجلس الأعلى المادة الجنائية الصفحة 198
[2] المرجع السابق الصفحة 206.