لمن نكتب؟

“فيما أكتب لا استهدف الملحدين الذي يجدون في كثرة النقاش تسلية تنسيهم تذكر الموت/العدم.. ويلهيهم تكاثرها حتى يزوروا المقابر..

مثل هؤلاء -وهم قلة دائما لأن فطرة الناس جميعهم جبلت على حب النظر إلى السماء ونجومها.. بحثا عن خالق لهذا الجمال الغريب.. وعن شيء ما بعد الموت- مثل هؤلاء الملحدين سيبقون إلى يوم الدين.. كما سيبقى اختلاف المعتقدات.. وليس هذا مشكلا.. بل إنه لذلك خلقنا الله..

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ.. (سورة هود، الآيتان 118-119)

لكن تقع المسؤولية علينا -نحن الذين وصلنا الوحي الأخير بلا اختيار منّا ولا مجهود- أن نوصل الرسالة التي وصلتنا إلى من لم تصله..

كان الهدفَ من هذه السلسلة ولا يزال إسماعُ فطرة بعض الصادقين ممن اغتروا بمنطق حسبوه منطقا كاملا..”.

أما عن أولوية الموضوع، فقد أضفتها في الخاتمة ما إنِ اكتشفتُها.. شهورا بعد الانتهاء من الكتاب..

ليس صدفةً..

بل قدَراً.. و.. عملاً..

عبادة العقل

قبل سنين استدعيت لغذاء أحد الملحدين.. كان ذكيا جدا (وكان يظن ذلك.. من كثرة جزمه..)، متفوقا في عمله.. لكن قبل نهاية وجبة الغذاء.. قال لي: لم يجبني أحد من قبل هكذا.. في الحلقة الثالثة ستعرفون ما الذي جعل الشاب الأنيق الوسيم يعترف بحدود “عقله” حين سألني عن الغاية من الخلق وعدم وجود معنى للولادة والعمل لينتهي المطاف بالموت.. وهو سؤال منطقي…

لكني اليوم سأبدأ من العقل.. الذي يربطه الماديون بالمخ.. ولهذا يخطأ أكثرهم “ذكاء”.. ويحتقر فكرة وجود مصدر خارجي للتفكير.. خصوصا إن كانت عنده حساسية مرضية نفسية allergy من الدين ومن مفرداته ومنها “الوحي”.. .

-1- ما درسناه من مناطق للتفكير أو الإرادة (صورة 2) لا تعني أبدا أن مراكز تلك الإرادات والتفكير هي في المخ.. إن تجربة وضع الآلكترودات على رأس الإنسان (صورة 1) وإن أبهرت العلماء وغير العلماء لا تعني شيئا البتة.. فهي لا تقيس التفكير ولا حتى نشاط المخ الفاعل.. بل تقيس فقط مرور الكهرباء عبر العضلة الرمادية.. فقط لا غير..
تصوروا لو أن كائنا فضائيا لا يعرف كمبيوتراتنا قام بنفس التجربة لوجد أن أكبر نسبة “للتفكير” توجد في “ذيل” الحاسوب (ما نسميه نحن سكان الأرض كايبل أو واير أو سلك الحاسوب) كيف وقوة الكهرباء التي تمر عبر السلك 220 ڤولتا.. ثم تأتي البطارية بأقل من 20 ڤولتا ثم المايكروبروسسر ب 3 ڤولت تقريبا.. وما البروسسر إلا بوابة “نعم/لا” تمرر كهرباء أو تحبسها لتطبق حرفيا وبلا ذكاء ما علمها من اخترعها بل ما قيدها به… كعبد مطيع لا هامش للحرية له..

طالع أيضا  بعد 10 سنوات.. د. إحرشان يقرأ تجربة الربيع العربي ومشاركة الإسلاميين

-2- لا يوجد ذكاء الحاسوب إذا في الحاسوب.. ذلك أنه لا يشتغل لوحده بل هو يسرع فقط عمل من يشغله بالطريقة التي أرادها معلمه..

 -3- رياضيا وبمنطق التراجع 1 أي ما ينطبق على “ن” ينطبق على “ن+1” أو “ن-1” لا يمكن الحسم حتى في أن التفكير يصدر من عقل الجالس وراء لوحة الرقن… فتفكير من يمسك الحاسوب أو “السمارت” فون ليس بالضرورة في عقله.. وهذا ما فهمه المتخصصون عن علم.. ولم يفهمه الملحدون عن جهل بحدود علوم الأعصاب والمخ.. وحدود كل العلوم..

-4- ذكر الوحي أو أي مصدر خارجي للتفكير ليس غباء البتة: يقول الدكتور يوهان جون (Dr Yohan John, Neuroscience PhD) 2دكتور مبرز في علوم النورون (المخ والأعصاب) بتواضع وموضوعية العالم لا بغرور من لم يدرس علوم العقل ويتبجح بعلوميته وعلمانيته وعقلانيته و”تنويريته” وماديته وووو.

يقول الدكتور حيرته على هذا النحو:

“مصدر التفكير لاشيء أو كل شيء.. الفرضيتان فيهما جزء من الحقيقة.. أعتقد شخصيا أن أفكارنا تأتي من لا مكان.. إنها فقط تقفز إلى رؤوسنا..”

“Thoughts come from nowhere and from everywhere! I think both contain an element of truth. Subjectively, our thoughts come from nowhere: they just pop into our heads..”

3   “إننا لا نعرف تحديدا كيف يصدر التفكير من نشاط النورونات.. ولا نعلم حتى معنى التفكير من الناحية البيولوجية.. لكن هناك أدلة غير مباشرة عديدة تعضد “الاعتقاد السائد” بأن اتفكير مصدره المخ..”
“We don’t know exactly how thoughts emerge from the activity of neurons, or even how to define what a thought is in biological terms, but there is plenty of indirect evidence to support the (general claim) that the brain is where thoughts emerging..”

طالع أيضا  فاعلون يوضحون معنى التطبيع وتجلياته وكيفية مواجهته في ندوة للجبهة بطنجة

تركت السند الانجليزي حتى لا أتهم بتغيير المتن..

كانت هذه فرضية هذا العالم.. وغيره كثير..

استشهدت بها لأظهر عدم معرفة العلماء بمصدر التفكير، 
المهم أن لا نأخذ ما يقوله العلماء -ولا ما يقوله لنا تفكيرنا- مأخذ الحقيقة المطلقة
فعقلهم كعقولنا محدودة جدا..

{..وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } (سورة الإسراء، من الآية 85).


والرجوع إلى مصدر الوحي .. فرضية ثالثة.. لا ينبغي –علميا- إقصاؤها..

خلاصة:

إعلم أخي الإنسان أنك مخلوق..

فما دمت لم تخلق إنسانا من لا شيء، فأنت مخلوق..

لست خالقا..

وما دمت مخلوقا فإن فيك شيئا سيدفعك لمعرفة من صنعك…

هذا لا يقاوم…

اختر أنت فقط نوع معبودك.. أو شكل صنمك.. 

فإن اخترت العقل صنما..
فاعلم أن العقل مخلوق..

ما دام لا يستطيع خلق عقل مثله من لا شيء..

فلا تُنْزِله منزلا أكبر من قدره..

فإنّه سيخذلك..

ثم إنّه سيتوقّف.. يوما..

سيموت.. حتما..

ويأفل..

فلا تعبد الآفلين.


[1] recurrence relation (math)
[2]

دكتور في علم الأعصاب  متخصص في النمذجة الحسابية  [Computational Modeler]

أستاذ مساعد باحث في جامعة بوسطن [Boston University]

يعمل في علم الأعصاب الحسابي وتشريح الأعصاب

[computational neuroscience and neuroanatomy]

يبحث في ​​علم الأعصاب الخاص بالتفاعل المعرفي العاطفي

[neuroscience of cognitive-emotional interaction]

يقوم بعمل نماذج حسابية للدوائر العصبية، تركز في الغالب على التفاعلات بين اللوزة ، والقشرة أمام الجبهية ، والحصين

[computational models of neural circuits, mostly focusing on interactions between amygdala, prefrontal cortex, and hippocampus].

وتمّ التأكد من حيثية الدّكتور الباحث وبحوثه من صفحته في “لينكدإن”

linkedin.com/in/yohan-john-2b277a119


[3] المقال “من أين تأتينا أفكارنا ؟” مجلة  “فوربس”

https://www.forbes.com/sites/quora/2016/10/21/ – [where do our thoughts come from ?]

طالع أيضا  "#فليسقط_التطبيع".. هاشتاج يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب