وقف الدكتور عبد الواحد متوكل رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان ورئيس دائرتها السياسية مع نماذج ثلاثة من الطغيان، الأول سياسي والثاني اقتصادي والثالث نموذج مؤامرة ظالمة، في محاضرته التي نقلتها قناة الشاهد الإلكترونية يوم أمس ضمن برنامج “محاضرات الشاهد” في موضوع: “كيف ينكسر الباطل أمام إرادة الحق؟”.

فرعون نموذج للطغيان السياسي

وقد ضرب الله مثلا لنموذج الطغيان السياسي في القرآن الكريم بفرعون، الذي بلغ من الطغيان مبلغا رهيبا، ويصفه الله تعالى بأوصاف كلها تشير إلى هذا النموذج فقال: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا. وهما صفتان؛ الأولى هي الاستعلاء والطغيان، والثانية تقسيمه للمجتمع إلى فرق وشيع وأحزاب ليضرب بعضهم ببعض لضمان عدم الاجتماع لأن ذلك يشكل خطرا عليه، فبث العداوة بين طوائف المجتمع، وعليه فإن سياسة فرق تسد ليست جديدة أو وليدة اليوم بل هي قديمة جدا لكل طاغية غشوم.

وذكر متوكل صفة أخرى من صفات الطاغية فرعون جاءت في قوله تعالى يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم وهي صفة أكبر من أختها، تذبيح الأبناء الأبرياء الصغار حقيقة وليس مجازا، خوفا من ذهاب ملكه بعدما سمع من كهنته كما يقال أن ولدا سيخرج من بني إسرائيل ويستولي على ملكه، ففكر كيف يوقف هذا الخطر المحتمل، وفكر في هذا الإجراء الذي لا يترك مجالا للمغامرة.

فهو نموذج -يضيف المتحدث- اجتمعت فيه كل الصفات التي ما اجتمعت في شخص إلا وكان طاغية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن السؤال الذي يطرح هنا، ماذا كان مآل فرعون وماذا حصل له بعد هذه الأشياء؟

ليجيب بكل بساطة “أغرقه الله تعالى وانتهى أمره على يد مولود من بني إسرائيل، وما كان يعشاه قد وقع، ونكاية فيه يكون هو الذي ربى هذا المولود في بيته وقصره، وهو درس بليغ له ولكل طاغية بأن الله تعالى إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون ولن يقف أمامه أي مانع كيفما كان”.

طالع أيضا  الأربعاء أول الأيام البيض.. وذ. أيت لقتيب محفزا: قول ربنا ﴿سابقوا﴾ يحتّم علينا أن نكون من السباقين

قارون نموذج للطغيان الاقتصادي

أما النموذج الثاني فهو نموذج الطغيان الاقتصادي أو المالي وهو نموذج قارون، صاحب القصة العجيبة، وهو من بني إسرائيل ومن أقرباء سيدنا موسى عليه السلام، وكان من أقرأ بني إسرائيل للتوراة، فهو بذلك حائز على كل خير، إضافة إلى أن الله تعالى آتاه مالا وفيرا لينضاف إلى ما له من نعم.

لكن الذي حدث لقارون كما ذكر متوكل “أن المال بطره وفتنه، وعوض استعماله فيما يرضي الله عز وجل طغى وتجبر على قومه وبغى عليهم، وتجاوز الحد في ظلم قومه”.

وكانت نتيجته أن خسف الله به وبداره الأرض وهو خسف معجز، لأنه خسف به وبداره دون غيره بعدما لم يسمع للنصيحة ولم يكرث لطغيانه، وحينما يستبد المال بأهله فإن الإنسان ليطغى، فابتلعته الأرض وانتهى أمره إلى الخسران ونعوذ بالله. يقول متوكل.

غزوة الأحزاب نموذج لمخطط رهيب للقضاء على الإسلام

أما النموذج الثالث يضيف متوكل، فهو ما يتعلق بالتحالف العدواني على الإسلام فيما سمي بغزوة الأحزاب، وهي كانت من المواقع البارزة في تاريخ الإسلام، وخاصة بالنظر إلى المخطط الذي خططه المشركون آنذاك، وقال كيف نقضي على هذه الدعوة وهذا الدين الجديد ولا تقوم له قائمة أبدا.

وهذا المخطط الرهيب جمعوا له المشركين وقبائل العرب واليهود ليتمكنوا من إنجازه بعد وضعه، وبالفعل جمعوا جيشا كبيرا عرمرما بمنطق ذلك العصر في مقابل ثلاثة آلاف في معسكر المسلمين الذين حوصروا أياما، وبالفعل كانت أياما عصيبة جدا، ووصفها الله تعالى فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا.

واسترسل موضحا “هو وضع شديد ولكل متأمل أن يتأمله، لكن ماذا كانت النتيجة لهذا المخطط الرهيب الذي أراد به أصحابه القضاء على شوكة الإسلام والدعوة الجديدة؟” يتساءل متوكل ثم يقول: “عوملوا بنقيض قصدهم، فانهزموا وانكسرت شوكتهم هم وانتصر المسلمون فدخلوا مرحلة جديدة، يَغزون ولا يُغزون”.

طالع أيضا  المحامون يحتجون في عدة مدن مغربية ضد التطبيع وضد جرائم الاحتلال الصهيوني (+صور)

وسائل انتصار المسلمين في غزوة الأحزاب

والغريب في هذا الحدث البارز في تاريخ الإسلام، كما ذكر متوكل “أن المسلمين انتصروا في هذه المعركة بدون غزو، بل بأربعة أشياء، أولها الدعاء الذي كان ديدن رسول الله لأنه كان إذا حزبه أمر لجأ إلى الدعاء، ويكثر منه كما فعل في بدر وفي غيره من المواقع”.

وما يستفاد من هذا الموقف، وفق حديث عضو مجلس الإرشاد، هو أن “الدعاء من أهم الوسائل التي ينبغي أن يتسلح بها المؤمن في كل الأحوال ولا سيما في الأحوال الصعبة التي مر منها المسلون أو يمرون منها اليوم”.

أما الوسيلة الثانية التي انتصر بها المسلمون -يقول المتحدث- فهي الريح العاصفة التي عصفت بمعسكر المشركين بعد اقتلاعها لخيمهم وأوتادهم، “والعجيب أن المعسكرين في مكان واحد وفي مساحة واحدة ليست فسيحة، هنا ريح هوجاء وهنا ريح رخاء باردة تنعش ولا تؤد”.

أما الوسيلة الثالثة -يضيف متوكل- فهي أن الله تعالى أرسل ملائكة، وهي جنود لم تروها، زلزلتهم وألقت الرعب في قلوبهم، في حين أن الوسيلة الرابعة وهي أعجب من الوسائل الأولى، وهي أن الله تعالى شاء أن يسلم في هذا الظرف رجل يقال له نعيم بن مسعود، وتساءل: “ترى ما الذي دفع رجلا ليسلم في ظرف لا يغري أحدا بالإسلام، لأن المسلمين كانوا قلة، والمشركين في ظرف المنتصر وكانوا قاب قوسين من تحقيق نصر كاسح؟” لكنه بعد إسلامه لعب دورا مهما أسهم في انتصار المسلمين.

خلاصات جلية

وشدد متوكل في خلاصة هذه النماذج الثلاثة على أن الظالم دائما يكون مرتعه وخيما، وهو مؤذن بالخراب كما قيل، والله عز وجل بالمرصاد للظلمة ولكنه يمهل ولا يهمل، فيبتلي المستضعفين ليرى هل يصبرون، كما يبتلي الآخرين بالقوة ليرى هل يشكروا الله ويحكموا بالعدل… فالكل مبتلى.

طالع أيضا  منظومة القيم الإسلامية من خلال غزوة بدر الكبرى

أما الخلاصة الثانية فهي أن الإسلام “لم يتشدد في كل ما حرم مثل ما تشدد في تحريم الظلم، ويكفي أنه ذكر ذلك في القرآن أكثر من مائة وثمانين مرة، أما في الحديث فحدث ولا حرج”. وحرم الظلم على نفسه هو سبحانه فكيف لا يحرمه بين العباد. بصرف النظر عن دين الناس ومعتقداتهم بما في ذلك التعامل مع الحيوان. وإن الله لا ينصر الظالم ولو كان مسلما وينصر العادل ولو كان كافرا.

ومضى متوكل يوضح في خلاصة ثالثة “أن الله تعالى لم يكتف بتحريم الظلم، بل أمر بالتصدي للظلم ومقاومته وعدم التساهل معه، لأن أي تساهل يجعله ينتشر ويتمدد ويكتسب مساحات جديدة”، وهنا جاء التنبيه في القرآن والأحاديث الصحيحة الصريحة التي تحث وتحرض على التصدي للظلم والظلمة، وتحذر من سيرة الظالمين الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه.

ولفت المتحدث إلى أن “التدخل الإلهي في الحالات الثلاث التي ذكرها تدخلا مباشرا، وبأسباب خارقة للعادة، وكان من الممكن أن يحصل النصر بأسباب أخرى خفية كما حصل في بدر وانتصروا بقلة على المشركين، لكن الرسالة هو أن تقل الاحتمالات أمام حقيقة واحدة وهي أن الله تعالى هو الذي صنع النصر ولا دخل لأي قوة بشرية فيه”. فذكر في القرآن بنصوص صريحة أنه أخذ الأمم الظالمة ولا دخل للبشر…

لمتابعة المحاضرة كاملة، من هنا: