بدأت قصتي مع العيد منذ زمن بعيد، حينما تجاوزت سن الثالثة وصرت أميّز بين الأشياء. لم يكن أبي ميتا، لكنّه كان للأسف مواطنا فقيرا في بلد لا يؤمن بالحق في الشغل ولا يضمن لكلّ أبناء الشعب حقّ العيش الكريم.

قضى والدي المسكين شبابه ينتظر فرصة توظيف لم تأت أبدا -رغم أنّه حاصل على شهادة جامعية- وولدت أنا في فترة الانتظار تلك، فتعلّمت معنى الألم والحسرة والحرمان، وتعلّمت الصبر في الصغر، وهو كذلك كالنّقش على الحجر.

كان البؤس قد أناخ علينا بكلكله فساخت حياتنا في وحل التهميش، نعيش وما نعيش، وكان العيد بالنسبة لنا وطأة حرمان إضافية تفعل فينا ما يفعله الملح بالجرح، كان بالنسبة لنا ألما فوق الألم…

وكنت حينما أسمع أقراني يتحدثون عن فرحة العيد، وكسوة العيد، وحلوى العيد، أصاب بإحباط شديد، فذاك شعور لم أعرف طعمه إلا حينما عانقتُ حلمَ أبي وحظيت بالوظيفة التي انتظرها عمره كلّه.

حتى حينما يئس أبي من حلمه بمعانقة الوظيفة العمومية واستفاق على كابوس بلوغه الخمس وأربعين سنة والذي أتى على جرعة الأمل الضئيلة التي كان يمنّي بها النفس، وتبنى المثل المغربي القائل “الرجل كالفأس حيثما وضعته حفر” ووجد عملا كحارس ليلي في إحدى الشركات، فإن راتبه الشهري لم يكن يكفي حاجاتنا الضرورية، فكيف بمصاريف المناسبات.

كنا خمسة وسادسنا كلبنا، فقد اقتنى أبي كلبا بثمن غير بخس كلّفه أشهرا من سداد الدّين…

كان الكلب من لوازم العمل الضرورية. ولعلّهم شغّلوا الكلبَ وكان أبي تبعا له.

لا أرى حاجة للحديث عن تفاصيل الراتب، وساعات العمل التي كان يقضيها أبي صحبة الكلب، فالتلميح يغنينا عن التصريح. المهم هو أنّ العيد لم يدخل بيتنا يوما، فقط كنا نسمع أنّه حلّ وارتحل.

طالع أيضا  كماله وجلاله صلى الله عليه وسلم

أذكر ذات مرة -في عيد فطر- أن أبي لم يجد ما يشتري لنا به ثياب العيد، فتحايل علينا وقال لنا غدا صباحا سنذهب إلى الشاطئ ونقضي اليوم هناك، سنسبح ونلعب ونركض، فهل أنتم موافقون؟

كنّا نصيح بصوت مرتفع: “نعم موافقون”، وكانت دموع أمّي المتدفّقة -خلسة- كشلال ماء حار تقول: “لست موافقة”، أمّا كلبنا فقد كان باسطا ذراعيه لا يفتر عن النباح ولعلّه كان يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أين أنتم أيها المسلمون؟ أين أنتم أيها الراحمون؟

وبعد ليلة عمل مضنية، عاد أبي من العمل ولم يخلف وعده معنا، وانطلق بنا نحو البحر في يوم عيد الفطر، وعوّضتنا الرمال التي تدثّرت بها أجسادنا الغضّة عن كسوة العيد، وضمّدت الشّمسُ الحانية بأشعتها الدافئة جراحنا، واستقبلتنا أمواج البحر بالأحضان لمّا قست قلوب بني الإنسان…

استطاع البحر أن يرسم البسمة على شفاهنا، مدّ إلينا يده، مسح على رؤوسنا الصغيرة، ربّت على أكتافنا، همس في آذاننا قائلا: “لقد أفرحتموني بمجيئكم، وشرفتموني بحضوركم”.

أشْعرنا بالفخر، رمينا الأحزان وخلّفناها وراء ظهورنا، ولعبنا وضحكنا ملء أفواهنا وأحسسنا بأننا مهمّون ونسينا بأننا مُهمَلون منسيون.

شكرا لك أيها البحر…

اللهم اجعلني بحرا مِعْطاءً أرسم البسمة على الشفاه، ولا تجعلني صخرة تتحطّم عليها آمال المحتاجين.