اعتبر الأستاذ بنسالم باهشام عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن العشر الأواخر جعلها الله تعالى ميزة خاصة برمضان الذي تتنوع عباداته وتتضاعف حسناته وتتنزل فيه الرحمات، وهذه العشر جعل فيها ليلة هي خير من العمر كله، وهي ليلة القدر، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها، وأورد في ذلك ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهدُ في غيره). كما جاء في الصحيحين عنها رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشرُ شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله). وكذلك في مسند أحمد عنها رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمَّر المئز)، وكل هذا الحرص وهذا الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، التماسا لإدراك هذه الليلة العظيمة، يضيف المتحدث.

للسادة العلماء أقوال في تحديد ليلة القدر بلغت 46 رأيا

وذهب الأستاذ باهشام في تصريح مطول خص به موقع الجماعة، إلى أن ليلة القدر اختلف جمهور العلماء في تحديد ليلتها بالضبط ضمن العشر الأواخر من شهر رمضان تبعا لاختلاف الروايات الصحيحة، لكن الأرجح أنها في الليالي الوتر، وأرجى ليلة لها هي ليلة السابع والعشرين.

وذكر أن العلماء لهم آراء في تعيين هذه الليلة، منهم من يرى أنها ليلة الحادي والعشرين، ومن يرى أنها ليلة الثالث والعشرين، ومن يرى أنها ليلة الخامس والعشرين، ومنهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين، وبعضهم قال: إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الأواخر، لكن أكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين. مصداقا لما رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما حين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين)، ورأي أُبيّ بن كعب وابن عباس، من الصحابة رضي الله عنهم، أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وكان أُبَىّ يحلف على ذلك لعلامات رآها، كما روى مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي – وصححه- عن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال: (والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان – يحلف ما يستثني- والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها)، واشتهر ذلك لدى جمهور المسلمين، حتى أصبح يُحتفل بهذه الليلة احتفالاً رسميًا، يقول المتحدث.

ولفت الباحث في العلوم الشرعية إلى أن الصحيح “أن لا يقين في ذلك، وقد تعددت الأقوال في تحديدها حتى بلغ بها الحافظ ابن حجر العسقلاني 46 قولاً. وبعضها يمكن رَدُّه إلى بعض”. موضحا أن أرجح هذه الآراء كلها: “أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين، وعند الجمهور ليلة سبع وعشرين”.

طالع أيضا  بمناسبة "يوم الأرض".. الجبهة تنظم وقفتين احتجاجيتين الأربعاء أمام البرلمان ومسرح محمد الخامس

تأثير الاختلاف بين الأقطار في تحديد ليلة القدر

وإذا كان دخول شهر رمضان يختلف – كما نشاهد اليوم – من بلد لآخر، فالليالي الوترية في بعض الأقطار، تكون زوجية في أقطار أُخرى، فالاحتياط التماس ليلة القدر في جميع ليالي العشر، وهذا هو ما يقوم به أصحاب الهمم العالية الذين يقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم حق الاقتداء .يقول باهشام.

وزاد موضحا: “وحتى يهون على المؤمن ما سيبذله من جهد في هذه العشر، لابد أن يعرف ما قصد، وذلك بمعرفة فضل ليلة القدر، فإن ألف شهر تساوي ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، أي أن هذه الليلة الواحدة، أفضل عند الله تعالى من عمر طويل يعيشه إنسان، عمره ما يقارب مائة سنة، إذا أضفنا إليه سنوات ما قبل البلوغ والتكليف”.

وليلة القدر -يوضح المتحدث- هي ليلة تتنزَّل فيها الملائكة برحمة الله وسلامه وبركاته، ويرفرف فيها السلام حتى مطلع الفجر. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضلها، والتماسها في العشر الأواخر منها ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه)، وعلق باهشام بقوله “ومن حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم”.

وأشار إلى أن ليلة القدر هي ليلة ذات قدر، وقد أنزل الله فيها القرآن، فقال في سورة القدر: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.

هل تطرد علامات ليلة القدر؟

أما علاماتها التي وردت في توصيفها -يقول باهشام- فإن أكثرها لا يظهر إلا بعد أن تمضي، ومن ذلك “أن تظهر الشمس صبيحتها لا شعاع لها، أو حمراء ضعيفة”، وأنها “أنها ليلة مطر وريح”، كما “أنها ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة”.

وبالرغم من هذه العلامات فإنها “لا تعطي يقينًا بها، ولا يمكن أن تَطَّرد، لأن ليلة القدر في بلاد مختلفة في مناخها، وفي فصول مختلفة أيضًا، وقد يوجد في بلاد المسلمين بلد لا ينقطع عنه المطر، وآخر يصلي أهله صلاة الاستسقاء، وتختلف البلاد في الحرارة والبرودة، وظهور الشمس وغيابها، وقوة شعاعها، وضعفه، فهيهات أن تتفق العلامات في كل أقطار الدنيا”. يضيف الأستاذ باهشام.

فضل ليلة القدر وأي الأعمال أفضل فيها؟

وأشار إلى أن فضلها عظيم لمن أحياها بكل أنواع البر وخصوصا الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر، والاستغفار، والدعاء من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، مردفا أن صلاة التراويح في رمضان تدخل ضمن إحيائها. وقد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: (أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ فقال: “قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني).

طالع أيضا  جمعية عائلة وأصدقاء الشهيد كمال عماري تعلن برنامج إحياء الذكرى 11 لاغتياله

واعتبر أن ليلة القدر ليلة عامة لجميع من يطلبها، ويبتغي خيرها وأجرها، وما عند الله فيها، وهي ليلة عبادة وطاعة، وصدقة وصلة للرحم وعمل للصالحات، وفعل للخيرات، مردفا أن “الله تعالى له حكمة بالغة في إخفائها عنا، فلو تيقنا أي ليلة هي لتراخت العزائم طوال رمضان، واكتفت بإحياء تلك الليلة، فكان إخفاؤها حافزًا للعمل في الشهر كله، ومضاعفته في العشر الأواخر منه، وفي هذا خير كثير للفرد وللجماعة”.

ومن الأعمال التي تتوافق مع هذا الاجتهاد في العشر الأواخر لاغتنام فضلها ولنيل ليلة القدر، الاعتكاف، “وهو لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله عز وجل والانجماع عليه، وهو من السُنن المهجورة في زماننا، لعدم تحدث الكثير من العلماء عنه في دروسهم والتحفيز عليه، ولتأميم المساجد ومنع كل من سولت له نفسه إحياء هذه السنة الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم”، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، كما روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده).

وذهب باهشام إلى أن الكثير من العلماء والدعاة قد غفلوا عن الاعتكاف فضلا عن عامة الناس، حتى قال الإمام الزهري رحمه الله: (عجباً للمسلمين! تركوا الاعتكاف مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل). مردفا أن الاعتكاف “فرصة عظيمة، وساعات قليلة؛ ليستفيد المسلم من هذا الانقطاع عن الدنيا، والبعد عن الناس، ليتفرغ لطاعة الله طلباً لفضله وثوابه، وإدراك ليلة القدر من قبل أن تطوى الصحف وتوضع الموازين”.

هل يجوز الاعتكاف في البيت بدل المسجد؟

إذا كانت نتيجة جائحة كورونا التي أصابت العالم، قد ظهرت بسببها فتاوى كثيرة بخصوص مشروعية الاعتكاف والمكان الذي يجاز للمسلم الاعتكاف فيه، وطرحت مسألة جواز الاعتكاف في المنزل لأن المساجد قد أغلقت، والتي تندرج تحت ما يسمى فقه الواقع أو فقه النوازل، فأجاز بعض المعاصرين الاعتكاف في مسجد البيت لكون الجائحة لم تترك للمعتكف الخيار، واستندوا بقولهم على ما ذهب إليه بعض المالكية بقولهم: جواز الاعتكاف في غير المسجد للرجال، وجواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها عند بعض الحنفية خوفًا عليها من الفتنة، ولكراهة خروجها عندهم إلى المسجد. فإن المسلمين اليوم لم يبق كذلك لهم الخيار للاعتكاف في بيوتهم أفرادا أو جماعات، ـ بسبب استبداد الأنظمة الحاكمة، ومنعهم للاعتكاف في المساجد بأي حال من الأحوال، مضيفا أن الحل الواحد والوحيد الذي يبقى “هو الاعتكاف في البيوت بدل إماتة هذه السنة المهجورة”.

طالع أيضا  منطلقات ودلالات واستحقاقات.. ذ. فتحي يقرأ أبعاد "سيف القدس" في محاضرة مع طلبة الجامعة

ويباح للمعتكف في بيته أن يخرج لحاجاته الضرورية كالإتيان بطعام وشراب إن لم يكن هناك من يحضره، ومثله التداوي إن أصابه المرض وهو معتكف، وكذلك إسعاف مريض من أهله، تجب عليه رعايته، ولا يجد من يتولى أمره غيره .يقول المتحدث.

ومن محظورات الاعتكاف يؤكد باهشام “الخروج لأمرٍ ينافي الاعتكاف، كالخروج للبيع والشراء، وجماع أهله، ومباشرتهم، ونحو ذلك” .

رمضان من محطات التزود لجنة عرضها السماوات والأرض

ووقف الأستاذ باهشام وقفة تأمل وتحفيز مع رمضان عامة بما تبقى منه، موضحا أنه من مواسم الطاعات، التي هي بمثابة محطات يتزود فيها المسافر إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فقال: “فكونوا من العقلاء الفطناء، الذين لا تفوتهم هذه الفرص وهذه المحطات إلا وقد نالوا من نفحات الرب وجزيل الأجر وعظيم المثوبة”.

فهو موسم عظيم لمن أراد النجاة، وسعى إلى فكاك رقبته من النار، وطمح لأن يكون وليا من أولياء الله الصالحين، وهذا أقصى ما يتمناه الإنسان في دار الدنيا، يقول باهشام ثم يضيف “ففي رمضان، أرادنا الله فيه أن نتقيه شهرا، ليكتبنا عنده بفضله وكرمه من المتقين دهرا، قصد سبحانه أن نكون من أولياء الله الصالحين، والذين ذكر صفاتهم في سورة يونس فقال: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[يونس: 62 – 64].

صلاة العشاء في جماعة والصبح في جماعة بمثابة قيام ليلة؟

وأدنى ما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه في العشر الأواخر عموما، وفي السابع والعشرين خصوصا، “أن يصلي العشاء في جماعة، والصبح في جماعة، فهما بمثابة قيام الليل”. ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: “من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله”، والمراد: من صلى الصبح بالإضافة إلى صلاة العشاء، كما صرحت بذلك رواية أبي داود والترمذي: “من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليل”. يقول الأستاذ بنسالم باهشام، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.