جاد الله تعالى على لسان فضيلة الأمين العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي بكلمات مباركات في لقاء جمعه بعدد من مسؤولي ومسؤولات الجماعة مؤخرا، حيث اعتبر أن اجتماع المؤمنين يكون عيدا من أكبر الأعياد، لأنه فرح بالله عز وجل، لكن بعد الانصراف من هذا اللقاء ما الذي يأخذونه معهم؟ وبأيّ نية وهمة وشوق ورغبة وحال يحضرون؟ فمن حضر مفتقرا، يأخذ معه خيري الدنيا والآخرة. يقول.

وأضاف موضحا أنه “لو لم يكن في هذا اللقاء إلا قيام الليل المبارك لكانت فيه الغنية والكفاية”. وأوعز إلى الحاضرين بتعميم هذه السُنّة في جميع المجالس: “نوم باكر، ثم قيام ووقوف بين يدي الله، لأننا ملزمون بجعل المبيت بين يدي اللقاءات الكبرى سنتنا ودأبنا، ولو انصرفنا مباشرة بعد قيامنا الليل لرجعنا بكل خير، فالحمد لله.” وأشار في ذلك إلى قول الشاعر:

وإذا قيل زرتم بما رجعتم .. يا أكرم الرسل ما نقول

قولوا رجعنا بكل خــــــير .. واجتمع الفرع والأصول

الدعوة بحاجة إلى أناس لهم سعة صدر وسعة فكر

وذكر الأستاذ عبادي أن الجماعة كلما توسعت وذاع صيتها إلا وكثر أعداؤها ومناوئوها، وهذه سنة الله في الخلق، في إشارة إلى ما يتداول في العالم الأزرق ويسيء إلى بعض الإخوة فتكون ردود أفعال بعضهم متشنجة. وإزاء هذا أكد أن “رد فعلنا يجب أن يكون الاحتضان والشفقة والرحمة، ليس لإخواننا في الصف فحسب، بل للجميع”، وتلا قوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وقوله وقولوا للناس حسناً.

وتابع: “خصوصا وأن جماعتنا تحمل شعار العدل والإحسان، فلا ينبغي أن نقابل الناس بالمثل لأن الإحسان ينبغي أن يتجلى في جميع سلوكنا. ينبغي أن نرتفع إلى مقام الإحسان”. فذكر قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به فقال: “هذا عدل”، كما ذكر قوله تعالى ولئن صبرتم لهو خير للصابرين فقال: “هذا إحسان”.

الدعوة بحاجة إلى أناس لهم سعة صدر وسعة فكر، كما في المثل المغربي “قشابتهم واسعة” تتسع لمن أراد أن ينتقد وأن يرد؛ أما نحن فلا نستفز، بل نعذر الناس ونفوض أمرنا إلى الله… ونستغفر لمن آذانا… يقول حفظه الله.

سعة الفكر تقتضي النظر للأمور من زاوية الخصم لنجد له الأعذار

وزاد فضيلة الأمين العام موضحا أن “سعة الصدر تعني عدم الانزعاج من انتقادات الناس، لأن المطلوب كسب القلوب قبل كسب الموقف. هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسعة الفكر تقتضي أن ننظر للأمور من زاوية الخصم حتى نجد له الأعذار”، فأورد قصة شَتم رجل للشَعبيَّ رحمه الله تعالى، فقال له: “إن كنتَ صادقًا فغَفر الله لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك”.

طالع أيضا  الهجرة تاريخ أمة

وأشار إلى أن “من يخوض غمار الدعوة لا يبالي بالضربات ولا بالانتقادات”. موضحا أن كسب الموقف، هو أن تغلبه في الحجة، لكن هذا الخصم لن يستجيب لدعوتك. بينما هدف الدعوة هو كسب القلوب، قبل كسب الموقف.

وذكر الأستاذ عبادي واقعة الصحابي سيدنا فضالة رضي الله عنه حين أَرَادَ قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَامَ الْفَتْحِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَفَضَالَةُ؟” قَالَ: نَعَمْ، فَضَالَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “مَاذَا كُنْت تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟” قَالَ: لَا شَيْءَ، كُنْتُ أَذْكُرُ اللَّهَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَال: “اسْتَغْفِرْ اللَّهَ“، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، فَسَكَنَ قَلْبُهُ، فَكَانَ فَضَالَةُ يَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتَّى مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْهُ.

الأدب مع الخلق يعلمك الأدب مع الله

ومن الأخلاق الجميلة التي ينبغي الاتصاف بها ونشرها وفق كلام الأستاذ عبادي، ما جاء في قوله تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. مردفا أن الناس يتفاوتون في مقاماتهم عند الله حسب التفاوت في الآداب، “وهذه الآداب مطلوب ممارستنا إياها أولا مع الله ثم مع خلقه، فمن لم يتأدب مع الخلق فأنى له أن يتأدب مع الله”.

وأولى، في كلمته، أهمية للأدب في التعامل، وذكر في ذلك مقولة للسادة الصوفية رحمهم الله مفادها: “من فاتك بأدب فاتك في الطريق”، مشددا على أن “السمت الظاهر نابع من الآداب القلبية التي يجب أن تعامل بها كل خلق الله”.

وأوضح أن السبب يكمن في كون الأدب مع الخلق يعلمك الأدب مع الله، ومن لم يتأدب مع الله تعالى رُد إلى الباب فيعامل معاملة الدواب. واستحضر في هذا السياق واقع الناس مع الملوك من باب تقريب المعنى، فقال: “من يعمل في قصر الملوك يراعي البروتوكولات، مخافة أن يخطئ فيطرد”.

من الأدب ألا نتهم الله عز وجل فيما قضى وقدر

طالع أيضا  ذ. روقي: الصلاة هي عمود الدين والخشوع روحها

ومن المواقف التي ذكرها في المجلس، ولها ارتباط بالأدب مع الله تعالى، أن أحد الإخوة سأله الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، ما فعل في أمر من أمور الطاعات، فأجاب: “رب لم يوفقني”. فقال له: “لا تتهم ربّك”!

وعلق الأستاذ عبادي على هذا الحوار فقال: “لا نتهم الله عز وجل فيما قضى وقدر. عدم الرضى بقضاء الله عز وجل، يتعارض وقولنا رضينا بالله ربا، والأدب مع الله يكون على قدر معرفتنا به” فقرأ قوله تعالى: ما قدروا الله حق قدره وآيات أخر، كما ذكر أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم: “للَّهُ أَرْحَمُ بِعِبادِهِ مِنْ هَذِهِ (الأم) ِبوَلَدِهَا” وقال حديث متفقٌ عليه. وزاد: “فكلّ ما فعل بنا فهو عين الرحمة الصّرفة”.

ولفت في حديثه إلى أن أدب الإنسان مع الله يكون نابعا من معرفته بالله، وكلما ازدادت هذه المعرفة ازداد الأدب، وأورد مقولة لأحد الصالحين مفادها: “لأن يلقى الإنسان ربه بكل معصية خير له من أن يلقاه وهو راض عن نفسه”، وزاد متسائلا: “فكيف ترضى عن العدو الأكبر؟”.

نعيش حربا حضارية.. فأي نموذج ستكون له السيادة؟

يجب أن نلتزم بأدب الحوار وأدب المذاكرة، في سمتنا وفي دعوتنا والأدب مع كتاب الله ومع المؤمنين، يقول الأستاذ عبادي، مؤكدا “أننا نعيش حربا حضارية، أي نموذج ستكون له السيادة؟ الآن يسود النموذج الغربي وهو لا يسمح بسيادة النموذج الإنساني الأمثل”. وعليه يضيف: “يجب أن تُطبَع كل أعمالنا مع المخلوقات كلها بالأدب وبالرفق”. وذكر أن الإمام رحمه الله وجد حشرة في بيته فأخذها برفق ووضعها حيث تكمل سيرها!!

واعتبر أن السمت الجاهلي له وسائله ولن يسمح بأن ينافسه سمت آخر محافظ على فطرته، بل يسوق البرية إلى الدوابية: إِنْ هُم إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُم أَضَلُّ سَبِيلًا. مشددا على أن “التبرج الفاحش لم تعرفه أوروبا إلا في القرون الأخيرة، كان فيها الاحتشام في الملبس والمظهر العام هو السائد. ثم جاء التبرج والفحش تدريجيا. ولما غزانا النموذج الجاهلي استغربناه واستنكرناه، ثم تعودنا عليه، ثم استحليناه وقلدناه…”.

الأستاذ عبادي، أشار في كلمته إلى أن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما سيكون في آخر الزمان، “هي تحذير من الوقوع في الفتن ودعوة لمقاومتها”. حيث أخبرنا عليه الصلاة والسلام بأن الفاحشة ستعم حتى يقع الزنا في قارعة الطريق. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: “لا يدركني زمان فيه كذا وكذا…”.

طالع أيضا  ذ. الكتاني: تشميع البيوت دون قرار قضائي ولا إداري شطط في استعمال السلطة

التطبيع يمضي بوتيرة متسارعة.. والمطلوب الإعداد للمعركة الفاصلة 

ومما وقف عنده موضوع “التطبيع”، وقال إنه “ينتشر بوتيرة كبيرة ومتسارعة لن يتوقف رغم كل المحاولات المبذولة، لأن قدر الله عز وجل ولتعلن علوا كبيرا لا زال ساريا”.

وزاد موضحا “المطلوب الإعداد للمعركة الفاصلة يوم يقول الشجر والحجر: يا عبد الله، يا مسلم، هذا يهودي خلفي. جزى الله الممانعين الواقفين في وجه التطبيع”، وذكر عددا كبيرا من الفاعلين في هذا الباب منهم الأستاذ عبد الصمد فتحي والمقرئ أبو زيد والأستاذ أحمد ويحمان وآخرين كثيرين…

وذهب إلى أن قدر استعلاء الصهاينة (ولتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) “ماض تستجيب له الدول العربية بقضها وقضيضها وتتسارع إلى الاستسلام والانبطاح”.

خياركم الّذين إذا رُؤُوا ذكر الله

“سمتنا الإحساني يورثنا نورانية بها نغزو القلوب، وخياركم الّذين إذا رُؤُوا ذكر الله، لأن النور يسري من قلبه إلى القلوب فتطهرها من أمراضها”، يقول الأستاذ عبادي، موردا حديث سيدنا أنس رضي الله عنه الذي قال: “لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء”.

فلب مشروعنا -يضيف الأمين العام- هو أخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”، و“إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ” في أعلى مستوى. وينبغي أن نجهر بانتمائنا وسمتنا مصداقا لقوله تعالى: وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وكذلك ما استمعنا إليه من القرآن في قيام الليل يحدثنا عن مسلم آل فرعون وهو يكتم إيمانه يقول: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ.

وذكر أن سيدنا علي كرم الله وجهه، سئل: “مؤمن آل فرعون خير أم مؤمن آل محمد (يعني أبا بكر)؟ فقال: والله ليوم من أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون. ذلك يكتم إيمانه وهذا يعلنه ويقول: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.