مقدمة

أعمال الخير في ديننا كثيرة، منها ما هو سنوي كشهر رمضان والحج، ومنها ما هو شهري كأيام البيض، ومنها ما هو أسبوعي كيوم الجمعة، ومنها ما هو يومي كالصلوات الخمس والنوافل. وهي أعمال كلها تسهم وتساعد الإنسان على أن يتحول في حياته نحو الأفضل في كل شيء. ويمكن لمن يحرص على هذه الأعمال أن يكون شخصية نموذجية، مؤمنة، محسنة، منهاجية… سمها ما شئت من الأسماء الفاضلة.

اليوم ما دمنا بصدد الحديث عن شهر رمضان، سنرى كيف يكون لمن يحرص على هذه المدرسة المباركة، فرصةً للتحول نحو حياة أفضل. ماذا يعني هذا الكلام أن شهر رمضان فرصة؟ يعني أن ما يمتلكه شهر رمضان من الحوافز الإيمانية، وما يحمله من الدوافع الخيرية، وما يوفره من البيئة الصالحة، من حيث المعاني الروحانية والربانية، يعتبر حقيقة فرصة للتحول نحو حياة أفضل.

وإليكم هذا الحديث الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا كان أوَّلُ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ، صُفِّدتِ الشَّياطينُ، مَرَدةُ الجنِّ. وغُلِّقت أبوابُ النَّارِ، فلم يُفتَحْ منها بابٌ. وفُتِّحت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلَقْ منها بابٌ. ومنادٍ يُنادي: يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ، ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ. وذلك كل ليلة”.

سيكون الحديث عن هذا الموضوع من خلال طرح أسئلة ثم الجواب عنها.

السؤال الأول: ما المقصود من التحول؟

أولا: التحول تغيير في حياة الانسان، قد نسميه ولادة ثانية، ولادة قلبية وروحية، نقلة نوعية، يقظة روحية. كل هذه المعاني لها معنى واحد هو تحول عميق يقع في حياة الإنسان نحو الأفضل والأسمى والأرقى. يقول الله تعالى كذلك: والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين (العنكبوت:69).

ثانيا: التحول سلوك إلى الله تعالى، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ تعالى: “يَا ابْنَ آدَمَ، إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعًا، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعًا دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعًا، وَإِنْ أَتَيْتَنِي تَمْشِي أَتَيْتُكَ أُهَرْوِلُ”. قَالَ قَتَادَةُ: “فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَسْرَعُ بِالْمَغْفِرَةِ” 1. فالحديث يقرر لنا مبدأ السلوك إلى الله تعالى، وهو عبارة عن تحول في المكان، وانتقال في الحال، وقطع للمسافات، وتقرب وحركة. قد يُسَخر فيه الجسد باستعمال الجوارح، لكنه يكون تبعا للفاعل الحقيقي في السلوك وهو القلب.

ثالثا: التحول اقتحام: وكلمة الاقتحام تحمل معنى الدخول في شدة، وهذا يحتاج إلى إرادة وشجاعة وإقدام. وكذلك التحول بنفس المعنى، أن تقتحم جميع العقبات والصعاب والشدائد التي تقف لك في طريق التحول بإرادة قوية وشجاعة وإقدام. عقبات مثل الدنيا والشيطان والنفس الأمارة بالسوء. وفي سورة البلد يخبرنا الله تعالى عن هذا الاقتحام، وكيف نقتحم، وماذا نقتحم، وما يمنع من الاقتحام. ويمكن أن نرجع إلى المصحف لنقرأ السورة ونتدبرها.

كما نجد لهذا التحول مراحل، فالناس في عبورهم من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة غالبا ما يعرفون في حياتهم تحولين فقط، بينما ينقصهم تحول مُهم هو المقصود من وجودهم في هذه الحياة، فهو يغيب عنهم إما لجهلهم به وإما لعجزهم عنه. وبناء على هذا يمكن تقسيم التحول الذي يقوم به الإنسان في حياته إلى ثلاث تحولات هي بمثابة مراحل:

الأول: التحول من أجل الوجود: يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان:1-3). وهو تحول إجباري من عالم العدم إلى عالم الوجود، أو قل: من عالم الروح إلى عالم المادة. أو قل: من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. أو قل: من عالم الملكوت إلى عالم الملك. أو قل: من عالم الذرّ إلى عالم الدنيا. يحدث للإنسان في هذا التحول تغيّر على مستوى جسده وعقله. فهو يتحول من جنين إلى طفل، ثم إلى شاب ثم إلى رجل فشيخٍ كهلٍ. تتغير من خلال هذا التحول معالمُ صورته مرات عديدة كلما مرّ عليها الوقت والزمان.

الثاني: التحول من أجل الطموح: يقول الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (آل عمران:14) وهو تحول اختياري إلى حدّ ما. من عالم الوجود إلى عالم الطموح، ومن عالم النقص والحاجة إلى عالم الامتلاك والغنى. يسعى من خلاله الإنسان إلى امتلاك أشياء لم تولد معه، كالمال والجاه والرئاسة والشهادات والمشاريع وغيرها. للأسف الشديد يُنهي معظمنا قصة حياته وهو لم يشهد سوى هذين التحولين: الوجودي والطموحي. بينما يبقى المشهد الأعظم إثارة والأكثر تشويقا غائبا عن مسرح الحياة. إنه التحول النوعي.

طالع أيضا  الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع تدعو الصحافة لحضور ندوتها الصحافية يوم السبت

الثالث: التحول من أجل حياة أفضل: يقول الله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد (البقرة:207). وهو تحول من عالم الطموح إلى عالم المعنى، ومن عالم الحيرة إلى عالم الهداية، ومن عالم الغفلة إلى عالم اليقظة، ومن عالم اللاوعي إلى عالم الوعي. فيتحول الإنسان من إنسان تقليدي يعيش بغير هدف ولا غاية إلى إنسان واعٍ يعرف ماله وما عليه، قد استوعب الإجابات الكاملة عن الأسئلة الكبرى: من أنا؟ ومن أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وإلى أين أنا ذاهب في النهاية؟

السؤال الثاني: لماذا هذا الإلحاح على هذا التحول؟ لأنه ضروري، وذلك لأسباب، منها:

أولا: قابلية الارتقاء: أن الله تعالى لما خلق الإنسان جعل فيه قابلية التحول من إنسان أدنى إلى إنسان أعلى قدرا أو أسمى إنسانية وكرامة وخلقا ودينا. وجعل فيه الاستعداد للترقي في الدرجات والمراتب.

ثانيا: التقدم في العمر: خاصة من بلغ الأربعين فما فوق. يقول الله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، قال رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي، وأن اعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين (الأحقاف:15). فهي توبة ثانية في حياة الإنسان. توبة لا تقف عند تقدير الذات بالعمل الصالح فقط، بل تتجاوزها إلى الآخر ابتداء من تقدير ذوات الوالدين بالإحسان، وتقدير الذرية بالصلاح والإصلاح، وتقدير المسلمين بالكينونة معهم قلبا وقالبا.

ثالثا: سنة كونية: أن التحول لا يقتصر على الإنسان فقط بل يشمل جميع المخلوقات. وأن كل ما يراه الإنسان أمامه ومن حوله يتحول بشكل أو بآخر. النبات، الجماد، الحيوان. فإذا أمعنّا النظر في الطبيعة لنكتشف بعض أنواع المخلوقات التي عرفت هذا التحول في وعيها ونموها، سواء الأنواع النباتية أو المعدنية أو الحيوانية، نجد أن هذا التحول يعتبر نقلةً نوعية وقفزةً مميزة من مستوى أدنى إلى مستوى آخر أعلى. تَحوّل يلخص تمدّد العنصر الروحي وتقلّص العنصر المادي في المخلوقات.

ففي النبات الذي يغطي وجه الأرض بخضرته، نجد منه ما تحول إلى الزهور التي تفتّحت إلى ما يشبه الرسل الآتين من عالم آخر، رسالتها تشكيل جسر بين العالم المادي والعام المعنوي الروحي. فهي زهور لا تملك رائحة زكية تبهج الروح فقط، بل تحمل معها أيضا ضوعا وفوحا من عالم الروح. حتى صارت الزهور مصدر إلهام لعدد لا يحصى من الرسامين والشعراء والمتصوفة. فقد أمكن رؤية الجمال الكامن فيها أن يوقظ جزءا كبيرا من وعيهم البشري.

وفي المعادن ليس هناك الأثقل والأكثر عصيا على الاختراق من الصخور. ومع ذلك فإن بعض الصخور يعرف تحولا في بنية جزيئاته فيتحول إلى أحجار كريمة مثل كريستال وألماس والتي تبدو تحت أشعة الضوء شفافة. ولقيمتها لا توضع إلا في المكان العالي من الجسم، كالتاج يوضع على الرؤوس، والعقد يحاط بالأعناق.

وفي الحيوانات نجد الأكثر التصاقا بالأرض الزواحف، لكنها مع الوقت منها من تحدّت الجاذبية فأنبتت ريشا وأجنحة لتتحول في الأخير إلى طيور مثل الطاووس والهدهد لا تجد لهم المكان إلى عند علية القوم وأسيادهم. السؤال الكبير هو: هل البشرية مستعدة اليوم والآن للتحول مثل أو أكثر من أولئك الذين خلدهم التاريخ كنماذج في هذا التحول الطبيعي.

السؤال الثالث: التحول من ماذا وإلى ماذا؟ التحول من السيّء إلى الحسن، ومن الحسن إلى الأحسن. التحول من التقصير إلى الكمال، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن المعصية إلى الطاعة. التحول من الحالة العادية التقليدية إلى حالة من اليقظة والوعي. التحول من العادة إلى العبادة، ومن العبث إلى المعنى، من الحيرة والتيه إلى الاستقامة والهداية.

السؤال الرابع: في ماذا يكون هذا التحول؟ أو بعبارة أخرى ما موضوعه؟

 أولا: أتحول في نفسي من نفس أمارة بالسوء، عاصية، متكبرة، شيطانة، إلى نفس لوامة ثم نفس مطمئنة.

ثانيا: أتحول في قلبي من قلب مريض، سقيم، قاس، قلبٍ تعشعش فيه الشر والوساوس والكدورات (الكراهية والحسد والبغضاء والحقد..) إلى قلب سليم طاهر نقي تقي مؤمن يسكنه حبُّ الله وحبُّ رسوله وحبُّ كلّ من ينفعنا حبُّه عند الله عز وجل.

طالع أيضا  طلبة العدل والإحسان: “عصابة اليسار القاعدي الكراس” يختطفون طالبا من ساحة الجامعة ويعذبونه (بيان)

ثالثا: أتحول في عقلي من عقل شارد مارد حائر تائه إلى عقل مستنير بنور القرآن، تلميذٍ بين يدي وحي الكتاب والسنة. وظيفته التفكر في خلق الله تعالى، والتدبر في آياته.

رابعا: أتحول في جسدي من جسد مُهمل وقع فيه تفريط أو جسد وقع فيه إفراط من حيث التفاخر والأبهة ولا يخضع لميزان الشرع، إلى جسد بسمت حسن نظيف وأنيق، شامة بين الناس.

خامسا: أتحول في حياتي من حياة فوضوية عشوائية إلى حياة منظمة في بيتي، في عملي، في وقتي، في مالي، في علاقتي. إلى حياة متوازنة وموازِنة بين الاهتمامات، وهي اهتمامات لا تخرج عن هذه الأربع: الأشياء والأفكار والأشخاص والمعاني.

سادسا: أتحول في عباداتي من عبادات فيها تقصير وفيها غفلة إلى عبادات فيها حضور واتقان وإحسان.

سابعا: أتحول في أخلاقي من أخلاق مشينة غير لائقة فيها تعصب، الغيبة، النميمة، الكذب، الكلام البذيء والتافه إلى أخلاق مستقيمة وفاضلة وإنسانية فيها الصدق، والرحمة، والرفق، والوفاء، والأمانة، والتؤدة..

ثامنا: أتحول في معاملاتي من معاملات فيها تقصير مع الوالدين، مع الأولاد، الزوج مع الزوجة، الزوجة مع الزوج، مع الجيران، مع الأصدقاء، مع الناس، مع المسلمين وغير المسلمين، مع خلق الله جميعا، إلى معاملة فيها إحسان وفيها الحوار وفيها الرحمة وفيها السِّلم.

السؤال الخامس: كيف أحقق هذا التحول من خلال شهر رمضان؟ باعتبار شهر رمضان كما قلنا مدرسة عظيمة وكبيرة، وذلك لأنها تتوفر على جميع المؤهلات التي يمكن أن تحقق لنا هذا التحول نحو حياة أفضل. نذكر منها:

المؤهِّل الأول: الحرص على الصلاة: أن تكون صلاتي هي راحتي، أرحنا بها يا بلال. أن تكون صلاتي قرة عيني. “وجُعل لي قرة عيني في الصلاة”. أن تكون صلاتي معراج روحي إلى السماوات العلا. أن تكون صلاتي بخشوع وخضوع في وقتها، وفي الجماعة، وفي المسجد، وبنوافلها، وخاصة قيام اللّيل والتراويح.

المؤهل الثاني: الحرص على الصيام: أن يكون صيامي لله تعالى ايمانا واحتسابا. أن يكون صيامي بالجوارح وبالقلب وبالعقل. أن يكون صيامي بنية إحسانية.

المؤهل الثالث: الحرص على القرآن: أن يكون إقبالي على القرآن تلاوة وحفظا وتدبرا، إن كنت أختمه مرة، فأكررها مرتين، ثلاث مرات في هذا الشهر الفضيل. ثم الحرص على ذكر الله تعالى بأنواعه.

المؤهل الرابع: الحرص على الصدقة والإكرام وفعل الخيارات ومساعدة المساكين والإفطارات الفردية والجماعية.

المؤهل الخامس: الحرص على الدعوة: بأن يغتنم الإنسان هذا الشهر لدعوة الناس إلى أن يتحولوا إلى حياة أفضل بالحرص على ما أحرص عليه من المؤهلات. بالدعوة إلى الصلاة، وإلى أخلاق القرآن، وإلى الإسلام عموما.

المؤهل السادس: الحرص على الاعتكاف: باغتنام أيامه المباركة والفاضلة والمفضلة العشر الأواخر من رمضان.

المؤهل السابع: الحرص على الدعاء في هذا الشهر المبارك: أن يكون دعائي دعاء رابطة أدعو فيه مع نفسي، ومع الوالدين، ومع أهلي وعائلتي، ومع أعمامي وأخوالي، ومع إخواني وأخواتي، ومع جيراني وأصدقائي، ومع جميع المسلمين والمسلمات، أدعو مع المرضى بالشفاء، ومع الموتى بالرحمة، وأصلي وأسلم على جميع الأنبياء والمرسلين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آل بيته، وأدعو بالرضى والرضوان مع الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبهذا الدعاء الرابط أنتسب إلى الموكب النوراني الذي ابتدأ بسيدنا آدم واختتم بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبمن اتبعه من الصحابة والإخوان إلى يوم الدين.

ولا ينتهي هذا التحول بانتهاء شهر رمضان بل هو عمل مستمر ومتواصل يحتاج إلى أن يحافظ عليه المؤمن بالأعمال الفاضلة التي سيستقبلها بعد ذلك حتى يرتقي من إسلام لإيمان لإحسان، والله يحب المحسنين. جعلني الله وإياكم من المحسنين.

السؤال السادس: هل توجد عقبات تحول دون هذا التحول رغم هذه المؤهلات؟

 نعم توجد هناك عقبات، قد تكون ذاتية وهي الأصعب، وقد تكون موضوعية.

فالموضوعية: تتمثل في وجود توجيه إعلامي وثقافي خطير ومُتعمّد ومخطط له حتى يبقى الإنسان على حالة العبث. وذلك بإغراقه في الماديات بشكل مفرط وفظيع. هذا موجود نراه يوميا عبر وسائل الإعلام، ولا ينكره أحد. وهو عائق خارجي موضوعي كبير له خطورته.

أما الذاتية: فتتمثل في وجود عائق داخلي خطير يكمن في التصور الذي يحطم إرادة التحول. وهذا العائق عبارة عن فرضيات في شكل أسباب. منها:

طالع أيضا  ذ. منير ركراكي: أحمل مسؤولية البيت وسلامته للنظام الذي شمعه (فيديو)

1- ربما يريد الإنسان أن يظل وهو يعيش في وهم الإحساس بالأمان، فطالما هو مقتنع بأنه يمتلك كيانا واحدا هو الكيان المادي فلا حاجة له للتفكير في التحول المطلوب.

2- ربما يقاوم الإنسان التحول لأنه يخشى تجربة أشبه ما تكون بالمغامرة، وبشيء غير مفهوم.

3- ربما اعتاد الإنسان على أن مثل هذه التجارب في التحول هي من اهتمامات الأولياء والصالحين فقط، أما غيرهم فاهتماماتهم في درجة أدنى، درجة عامة الناس.

4- ربما ما اطلع عليه وتعلمه في المدرسة يشعره أن تلك المحاولة في تحقيق التحول يتعارض مع تعاليم الدين البسيطة. فهو ما تعلم أن هناك تحولا أفضل، أو مسارعة في الخيرات، أو ارتقاء في الدرجات، أو تحقيقا للمقامات.

وفي النهاية ربما يقاوم الإنسان التحول ليس لوجود سبب من هذه الأسباب السابقة ولكن لشعوره أنه غير مستعد لتجاوز حياة رسم حدودها بنفسه، فقد حقق طموحه الذي كان يعمل من أجله، ويريد الوصول إليه. فهو إذاً لا يريد بعد هذا التحول الطموحي ما يثير له القلقَ والضغوط التي تضعه في صراع مع نفسه وجها لوجه للسموّ والرقيّ عن حياة معتادة إلى حياة المعنى عن طريق التحول النوعي.

فجميع ما ذكرناه من الفرضيات التي قد تكون أسبابا تجعل الإنسان يقاوم التحول، هي صادرة عن النفس. ولذلك فهي المتّهمة أولا وأخيرا في الوقوف كعائق أكبر من غيره في تحقيق التحول المطلوب. فحتى تُلجم هذه النفس وتُردع من أجل أن يقبل الإنسان بهذا التحول ويمارس عمليته لا بد من شرط ضروري يُسهّل ويُيسر ويحتضن العملية إلى جانب شرطي الرغبة والمؤهلات. وهو شرط الصحبة.

فلا بدّ للإنسان أن يكون واعيا بالصحبة والمعية، واعيا بالعمل والحركة، واعيا بالخطوات التي يقدم عليها. فطَرقُه لباب الله عز وجل أولا يدعوه ويستخيره ويرجوه سبحانه هو المسلك الوحيد الضامن للبداية الصحيحة. ومن أشرقت بدايته أشرقت نهايته. ثم استشارته ثانيا لأهل العلم والتربية الثقات، وملازمة غَرْزهم عمل مبارك لا يقلّ أهمية عن العمل الأول في الاستخارة.

خاتمة

وهي عبارة عن توصيات عملية أدرك بها أنني قد انخرطت في عملية التحول.

أولا: تصوريا: أن تتغير نظرتي للأشياء. نظرتي للعالم أنه ليس عدوي وإنما خُلق من أجلي ومسخر لخدمتي فعلي أن أعامله بالطيبة حتى يعاملني بالمثل. نظرتي لخالقي أنه خلقني لأعرفه. نظرتي للإنسان، للعمل، للعلم، للوقت، للدنيا، للأخلاق، للحياة. وبهذه النظرة المتكاملة تصير الحياة العادية التقليدية حياةً منظمة واعية.

ثانيا: عمليا: من حيث النوم أن يكون على أفضل العزائم وضوء وذكرا ودعاء، وعلى غلبة، والتبكير له استعدادا، والتبكير منه استيقاظا. ومن حيث الأكل والشرب، اختيار الأطعمة المناسبة التي لا تضر بالجسم، والتقليل منها، والصوم خير علاج. من حيث السماع، خير ما يسمعه الإنسان القرآن، وكل ماله علاقة بالقرآن. فإن كان ولا بد من شيء يُروّح به عن النفس فاستماع بعض الأناشيد أو المديح أو الموسيقى الهادفة. من حيث المشاهدة، فلا تقع البصر إلا على ما هو جميل تنشرح له النفس. ولا يتعدى ذلك. فلا يشاهد صورا فيها دماء أو عنفا أو مخلة بالحياء. وقد قيل: النظر إلى القرآن، أو الوالدين أو البحر فيه أجر وحسنات. من حيث المكان، يكون نظيفا ومنظما ومعطرا، إن وُجدت فيه صور فينبغي أن تحمل آيات أو حكما أو مناظر طبيعية. ولا ينبغي الدخول إلى الأماكن المشبوهة فإنها تؤذي بسوء ظن الناس وتأويلهم. من حيث الروائح تكون عطورا زكية وبخورا طيبة، أما التي تشمئز منها النفس وتكرهها فاستعمالها مما يضعف الروح ويخنقها. من حيث الصحبة، اختيار رفقة الصالحين الذين سمت أرواحهم، والتي تنفع صحبتهم في الدنيا بالتعاون على البرّ والتقوى، وفي الآخرة بالشفاعة والبركة. كل هذه الأعمال من معالي الأمور التي يحبها الله عز وجل وتنتفع بها الروح وتتغذى بطاقتها الإيجابية المرتفعة.


[1] أخرجه أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رقم: 12405. وهو حديث صحيح..