حسن القرشي

قال الله جل وعلا: “بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ” (العنكبوت آية49)، هذه الآية المباركة نصٌ قرآني صريح في بيان مزية حافظ القرآن بمفهوم الحفظ القرآني الشمولي، ثم زادت السنة النبوية القولية التأكيد على فضل القارئ الحافظ الماهر بالقرآن، من ذلك قوله عليه السلام “الماهر بالقرآن مع الكرام السفرة البررة” 1، الماهر هو “الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة لجودة حفظه، وإتقانه” 2.

أما السنة الفعلية التقريرية فصريحة في تقديم الحافظ بين الصحابة، وذلك في عقد الراية وتأمير الجيوش والإمامة في التولية والصلاة والتقديم في اللحد…

معيارُ نبوي للتمييز بين طَيِّبِينَ، وحفزٌ من أجل نيل المكرمات، تنوع بحسب المقام والأشخاص، ومنه إلحاحه عليه السلام بالسؤال: “ما معك من القرآن؟” فللمثال لا الحصر:

ما أخرجه البخاري في “باب القراءة عن ظهر القلب”، في المرأة التي وهبت نفسها للنبي عليه السلام، وفيه أنه عليه السلام قال للرجل: “فما معك من القرآن”؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا؛ لسور عدها، قال: “أتقرؤهن عن ظهر قلب”؟؛ قال: نعم، قال: “اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن” 3.

حديث أبي هريرة، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذو عدد فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال: «ما معك يا فلان»؟ قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة قال: «أمعك سورة البقرة»؟ فقال: نعم، قال: «فاذهب فأنت أميرهم»، فقال رجل من أشرافهم: والله يا رسول الله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا القرآن فاقرءوه وأقرئوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح بريحه كل مكان ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكئ على مسك” 4.

طالع أيضا  البث المباشر لمختلف المدن المغربية المشاركة في اليوم الوطني الاحتجاجي الثالث ضد التطبيع

حديث سليم من بني سلمة أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة، فنخرج إليه فيطول علينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا معاذ بن جبل، لا تكن فتانا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك”، ثم قال: “يا سليم، ماذا معك من القرآن؟” قال: إني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار..” 5.

حديث بريدةُ حيث عرض عليه رسول الله الإسلامَ فأسلم، وعلمه من وقته صدراً من سورة مريم، ثم قدم بريدةُ بعد ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله: ما معك من القرآن يا بريدة، فقال: يا رسول الله علمتني بالغميم ليلةَ لقيتك صدراً من السورة التي يذكر فيها مريم، فأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أُبى بن كعب، فقال: “يا أبى أكمِلها له”، ثم قال: “يا بريدة تعلم سورة الكهف معها، فإنها تكونُ لصاحبها نوراً يوم القيامة” 6.

زاد عمر رضي الله عنه إلى المعيارُ النبوي في حفظ القرآن، ثلاثة معايير في تقييم رجولة الرجال وقوة الأقوياء وأمانة الأمناء، فقال: “المرء وغناؤه في الإسلام، المرء وسابقته في الإسلام، والمرء وحظه من الله”، لكنه بقي وفياً للسؤال النبوي “ما معك من القرآن؟”.

فعن ابن عمر قال: سألني عمر: كم معك من القرآن؟، قلت: «عشر سور»، فقال لعبيد الله بن عمر: كم معك من القرآن؟، قال: «سورة»، قال عبد الله: “فلم ينهنا ولم يأمرنا غير أنه قال: وإن كنتم متعلمين منه بشيء فعليكم بهذا المفصل فإنه أحفظ” 7.

وروي أن رجلا قال لعمر: ولني مما ولاك الله، فقال له عمر: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قال: فأنا لا أولي من لا يقرأ القرآن. فتعلم الرجل رجاء الولاية، فلما حفظ كثيرا من القرآن تخلف عن عمر فلقيه يوما فقال له عمر ما أبطأ بك؟ قال له تعلمت القرآن، فأغناني الله تعالى عن عمر وعن بابه 8.

طالع أيضا  مجلس النصيحة: الدعاء ودوام الضراعة إلى الله (فيديو)

اما الخليفة الشهيد عثمان رضي الله عنه، فإنه لم يحد عن درب من سبقه، وأبقى سؤال “ما معك من القرآن؟” ومعيار الحفظ بكل معاني الحفظ مرشِّحاً معتبراً، ففي الموطأ “عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أنه قال جاء عثمان بن عفان إلى صلاة العشاء فرأى أهل المسجد قليلا، فاضطجع في مؤخر المسجد ينتظر الناس أن يكثروا، فأتاه ابن أبي عمرة، فجلس إليه فسأله من هو، فأخبره فقال، ما معك من القرآن، فأخبره فقال له عثمان، من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة” 9.

لا ريب أن معيار الحفظ سيبقى معياراً خالداً، إن صحب حفظ اللفظ عمل وجهاد ومروءة وخلق، وكان مع القرآن تقوى، فمثل الخوارج، الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم، لنموذج ساقط، وحملة أسفار لا يُعْتَدُّ بهم، ولو أجابوا عن سؤال “ما معك من القرآن؟”، نعود بالله من علم لا ينفع.


[1] المسند الصحيح المختصر، مسلم بن الحجاج، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بيروت، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الماهر في القرآن، والذي يتتعتع فيه.
[2] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط2، 1392ه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة حافظ القرآن.
[3] الجامع المسند الصحيح المختصر، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ، كتاب الجمعة، باب القراءة عن ظهر القلب.
[4] سنن الترمذي، أبو عيسى الترمذي، تحقيق وإبراهيم عطوة عوض، مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، ط2، 1395هـ 1975م، أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي.
[5] مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421 هـ 2001 م، مسند البصريين حديث سليم من بني سلمة.
[6] الانتصار للقرآن، أبو بكر الباقلاني، تحقيق محمد عصام القضاة، دار ابن حزم بيروت، ط1، 1422 هـ 2001 م.
[7] الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر بن أبي شيبة، تحقيق كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد الرياض، ط1، 1409ه، كتاب فضائل القرآن من كره أن يقول المفصل.
[8] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، عبد الحق بن عطية الأندلسي تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 1422 هـ، ج6 ص 370.
[9] الموطأ، مالك بن أنس الأصبحي، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان، ط1، 1425هـ 2004م، كتاب النداء للصلاة باب ما جاء في العتمة والصبح.