أ –  من “الأنمي” إلى “التأمل”:

اتخذ حسام الألعاب الإلكترونية ملاذا للهروب من ضغوطات دراسته المملة.. يغادر زمنه إلى عالم أبطاله “دراغون بول” و”ناروتو”، ألعاب وأفلام ينجذب إليها أقرانه من شباب الجيل الرقمي، أتباع رموز “دين التكنلوجيا” بهداهم يقتدي من يتنفس السخرية في يومه وليلته، حتى يصبح اللعب ثم اللعب روحا لنمط حياته ينفق عليه أكثر مما ينفق على الجد بما يفيد.

ملت نفس حسام هوس ملاحقة مسلسلات “الأنمي” وNetflix حتى اختلط عنده الليل بالنهار إلى أن أصيب باكتئاب لازمه أكثر من ثلاثة أشهر..

كانت محنة قاسية عليه وعلى والديه، عرف بعدها نوعا من الاستقرار النفسي النسبي عند خوضه تجربة تداريب وبرامج التنمية الذاتية.. بدأ يهتم بمهاراته وقدراته وبمظهره الخارجي أكثر مما كان عليه سابقا، لكنه سرعان ما اتخذ موقفا من المجال السلبي في برامج تنمية الذات.. لم يجد نفسه في تسويق الوهم.. والتلاعب بعقول ضعاف النفوس.. مجت فطرته الاستمرار في الكذب عن نفسه!

حسام شاب طيب خلوق لكنه مثالي لم يعد اجتماعيا كما كان!

حببت إليه العزلة والمشي على شاطئ البحر و”التأمل”.

يخصص لجلسات “التأمل” وقتا وطقوسا مصدرها إرشادات مجموعة من الشباب يتواصل معهم عبر الأنترنت.

لو سألته عن اهتمامه المتزايد ب”التأمل” لأجابك جواب رهبان معابد جبال الهملايا الهندية:

* “التأمل وسيلتي للتخلص من إدمان التفكير.. أريد العيش بوجودي الحقيقي الذي يحمل لحظات جميلة..

* وعيي بصوت العقل الداخلي يصدر أحكاما ولا يتوقف عن عملية التفكير..

* لا أدع عقلي يمر ولا أسترسل معه لأنه سينتقل بي من تفكير إلى تفكير إلى أن يورطني في آلام الماضي وهموم المستقبل.

* لن أفني عمري في البحث عن اللحظة التي لا تأتي..

* بالتأمل أكبح جموح العقل الذي يتجاوز حدوده ويرحل بي إلى الماضي والمستقبل ويجلب معه آلامي ويهرب من اللحظة الآنية من خلال التفكير..

* التأمل يساعدني على اكتشاف وجودي الحقيقي أما الماضي و المستقبل لا وجود لهما!.”

تسلطت هذه الخواطر على ذهن حسام وتحولت إلى إرادة الغوص في تجربة “التأمل” بحماس!

إلى أن وجد حسام نفسه مقحما في سوق تجار “التأمل” عبر نوافذ المواقع والصفحات الإلكترونية!

طالع أيضا  مهرجان ينبه إلى خطورة التطبيع على المغرب والقضية الفلسطينية (صور)

ب – من التأمل إلى الذكر:

.. ويأتي يوم من أيام الله، لبى فيه حسام دعوة صديق له لحضور مجلس إيماني (عن قرب) مع أصدقاء حيّه، يحيون سنن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم منها سنة تجديد الإيمان بالإكثار من قول لا إله إلا الله..

كانت استجابته للدعوة بعد حوار مع صديقه انتهت بخوض تجربة الذكر وفق شرط حسام:

“لو لم أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب مثل هذه المجالس لما استجبت لدعوتك..”.

رغم أن الذكر حسب قناعته لا يعدو أن يكون نوعا من “التأمل”!

فعلا، اجتمع مع بعض الأصدقاء المحبين لمجالس الإيمان مستقبلين القبلة يذكرون الكلمة الطيبة “لا إله إلا الله”

لكن حسام كانت وضعية جلسته “غريبة”! عموده الفقري مستقيم وجلسته “يوغية” (من اليوغا) صعبة على المفاصل غير المرنة! وكأنه يقول للجالسين صححوا وضعية جلوسكم.. وارفعوا رؤوسكم إلى الأمام..

تغافل صديقه ذلك.. وتجنب تذكيره بآداب حضور مجلس الذكر حتى لا يثقل عليه ولن يعود.. أو ربما يقتدي تلقائيا بباقي الحاضرين المتربعين أو المتوركين في جلستهم عند ذكر الله عز وجل بوقار وخشوع..

الأهم في البداية هو الإكثار من قول كلمة التفريد “لا إله إلا الله”.

* مرت أيام.. والحمد لله.. وازداد شغف حسام بمجالس ذكر الكلمة الطيبة المطيبة، تعلم كيف يتأدب في مجلس يذكر الله عز وجل فيه من يذكره! “فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ” (الآية 152البقرة) ويكرم أهله بمجالسته سبحانه لهم “أنا جليس من ذكرني”(حديث قدسي رواه البيهقي).

بل أصبح حسام يدعو الناس إلى الصلاة والذكر بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس حسناء! 1

* ذات ليلة، تبادل أصدقاء حسام تجاربهم الخاصة مع ذكر “الكلمة الطيبة” لا إله إلا الله  والمواظبة عليها  ودعوة الناس إليها، إلى أن أخذ حسام كلمته ليحكي ما لم يكن في حسبان صديقه و يضفي على المجلس سرورا وابتسامات:

{كنت في مجالسي الأولى معكم أخصص لـ”التأمل” نصف حصة الذكر وأقارن بين حالتين: الأولى حالة التأمل والثانية حالة الذكر.

* كان صراعا مريرا في كياني وتجاذبات بين خواطر لا أشك الآن أنها ظلمانية عوّضها ذكر الله بخواطر إيمانية نورانية!

طالع أيضا  معرفة القلب وحقيقة أوصافه هو أصل الدين موضوع الحلقة 8 من "عبودية القلب"  مع ذ. باهشام

بتوفيق الله روى ذكر الله عز وجل ظمأ روحي ووجدت في ذكر الله رحمة وما لم أجده في ذكر غيره، تجربتي مع الذكر لا أستطيع التعبير عنها.. والحمد لله رب العالمين.}.

* عزم حسام على أن لا يعود إلى ما كان عليه! بعد انتصار نور لا إله إلا الله في قلبه على غموض “التأمل” القائمة فلسفته على “الفراغ” والتجرد من كل الخواطر! والغفلة عن الله عز وجل.

ج- روحانيتنا في ديننا:

* حسام كباقي الشباب يستقي من “اليوتيوب” الأجوبة عن الأسئلة الوجودية والروحية بما فيها أنواع التأمل وكيفياته بالصورة والموسيقى والألوان… حضور رقمي قوي ونوعي يدغدغ العاطفة ويؤثر في الروح، ومحتوى فلسفي مبسط يستهدف الأجيال الصاعدة ليفرقوا بين مفهوم الدين ومفهوم الروحانية.

الدين المسكين في الوطن العربي يفتقد إلى سلطة تنفيذية تحميه، ومُرَبون أقوياء أمناء يعدون العدة لمستقبله الموعود، ودعاة فَعلة يحرروا المسلمين من التدين الجاف المكفراتي العنيف، ويبثون الوعي بخطورة التدين الرسمي الفاتر المطبِّع مع الظلم والظالمين..

لا نستغرب من هرولة الشباب إلى تطبيع اعتقادهم ب”تدين روحاني” أكثر حضورا وتداولا بين “الروحانيين” “الويكي رقميين”، ولو كانت مرجعيتهم هندوسية وفلسفات شرقية ذات انتشار معولم عبر رموز روحية ونجوم فنية وأدبية ومؤسسات عالمية حاضنة، ومنتجعات صديقة للبيئة تسوق خدمات “روحانية” سريعة! روادها متدينون وملحدون ولا أدريون وكل من يعيش مخاض رحلة البحث عن ذاته أو البحث عن “غورو” يحتضن روحانيته الضائعة.

وكم يحلو لبعض المغامرين والمغامرات زبناء “الغوروات” (جمع “غورو”) 2 أن يسيحوا في الأرض ليكتشفوا في كل مناسبة “المعلم الروحي” الأكثر تأثيرا على روحانيتهم (كما يفهمونها)، إنها موضة بعض المترفين ومغامرة بعض الصادقين!

تتنوع مناهج “الروحانييين الجدد” في تربية وإعادة تربية مريديهم، ويولون “مادة “التأمل” حصة الأسد في برامجهم، التأمل في عرف بعضهم بديل أنسب للصلاة ما دام لا يثمر إلا السلام والمحبة! أما صلاة المتدينين تزيد من وتيرة التعصب، قد يصبح المواظب عليها إرهابيا ومتطرفا ومناهضا لبني صهيون عند المسلمين!

هذه البضاعة تجد رواجا واسعا كلما سخرت لها أقلام ورواد يعرِّبونها ويؤَسلمونها، يضفون عليها آيات قرآنية وأحاديث.. وكل ما يؤصل أهدافها حتى نتوهم “التأمل”، بالشكل الذي يسوقونه من صلب الدين وتدرج حصصه ضمن برامج التعليم الأولي لينشأ جيل ذو تدين فلكلوري وانتماء رخو لهويته الإيمانية وأهل القرآن، أو يقطع الصلة مع دينه الفارغ من الروحانية والعاجز عن الانعتاق من تخلف وطغيان دول العض والجبر، ويرتمي بين أحضان روحانية الهندوس والبوذيين والديانة الإبراهمية المستحدثة.

طالع أيضا  القرار مركزي والتنديد بما يجري في الأقصى ممنوع.. بعد الرباط المنع والتعنيف يطال وقفة الدار البيضاء

محظوظ الفتى حسام أدرك وذاق بتجربته الخاصة مقدمات الفرق بين “التأمل” وذكر الله عز وجل، وأن دينه كله روحانية يعيشها مقتحم العقبة إلى الله عبر مدارجه إسلاما وإيمانا وإحسانا، روحانية يستدفئ بين أحضانها من صبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه عز وجل.

نرجو الله أن ييسر للشباب الحائر محتضنين متلطفين يصطحبونهم من ضيق “تأمل” أفقه الدنيا إلى سعة ذكر الله تعالى أفقها الاستعداد للقاء الله والفوز به سبحانه، حتى يكون ذكرهم لله مثمرا لفعل الخير واستنبات أشجاره المباركة في كل بلاد بالرحمة والحكمة بين العباد.

فصلِّ إلاهي على المصطفى.. بأذيالِهِ  لُذْ، أخي، واشْدُدِ 3


[1] من الأحاديث حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء) وهذا الحديث يقول عنه النووي: صحيح، وقد رواه الإمام أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة.
[2] في اللغة السنسكريتية يعني المقطع “غو” «الظلام» والمقطع “رو” «النور».” يقوم مقام الشيخ الذي ينبغي أن يكون التلميذ بين يديه كالميت بين يدي غاسله!
[3] ختم قطف من قطوف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.