بقلم: سميرة سوسي

مقدمة

لقد فرض الله تعالى الصلاة وهي من أعظم القربات، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، فرضها الله من فوق سبع سماوات في رحلتي “الإسراء والمعراج” ليبين للأمة أهميتها وعظيم منزلتها، وأنه لا يتم دين عبد مسلم إلا بها.

هي صلة واتصال وانكشاف للحجب بين المؤمن وربه، وتعد من خير العبادات والأعمال التعبدية لما اجتمع فيها من تلاوة قرآن، وذكر، وخشوع، وركوع، وسجود، وتكبير، وتحميد، ودعاء… هي نور، تنير قلب المؤمن، وبفضلها تمحى الذنوب والخطايا وتكفر الآثام.

والصلاة على وقتها من أحب الأعمال إلى الله، ولقد ورد ذكر كلمة “الصلاة” في أكثر من مائة آية في كتاب الله، بل وابتُدئ بها واختُتم بها كتاب ربنا، فأول آية في قوله تعالى في افتتاح سورة البقرة: والذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون [سورة البقرة، الآية 3]، ووردت في آخر القرآن في قوله تعالى: فصل لربك وانحر [سورة الكوثر، الآية 3].

روح الصلاة ولبها الخشوع

قال تعالى في مستهل سورة المؤمنون: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، فقد شهد الله بفلاح ونجاح الخاشعين في صلاتهم، الخائفين المتذللين الذين لا يلتفت بصرهم ولا يتجاوز محل سجودهم.

والخشوع هو حالة تعتري القلب وتجعله في حالة من الرقة والطمأنينة، واللين والسكون، وهو خضوع وانكسار وبكاء، هو من صفات الخاشعين، ومن أعمال القلب، فإذا خشع القلب وخضع لله وذل خشعت جميع الجوارح، والجوارح هي مثل الجنود لهذا القلب إن هو خشع خشعت هي الأخرى، فلم تعبث اليد ولم يسرح الفكر أو يشرد، ولم تلتفت العين ولم تلق الأذن سمعها لغير من هي واقفة بين يديه.

وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي” رواه مسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من عدم الخشوع، وقد ورد في دعائه: “اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع وعين لا تدمع” رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه.

طالع أيضا  ضوابط المصلحة

وقد لازمت كثيرا واقترنت لفظة الخشوع بالصلاة، لكن الخشوع أعم و أشمل من هذا، إذ يكون في الصلاة وغير الصلاة، فقد يخشع المرء عند ذكر الله، فتدمع عيناه، أو في دعائه و مناجاته، فيرق قلبه وتسكن جوارحه.

أول ما يرفع من العلم الخشوع

قال أهل العلم إن أول ما يرفع من هذه الأمة شيء متعلق بالصلاة، إنه الخشوع، وهو من علامات الساعة، روى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: “أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعا”، قال الألباني حسن صحيح، و في جامع الترمذي وصححه الألباني: عن جبير بن نفير، عن عبادة ابن الصامت أنه قال له: “إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس؟ الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا”.

ما يعين على الخشوع؟

هناك بعض الأمور التي تجعلنا نكتسب الخشوع إن داومنا عليها منها:

– المراقبة: وهو استشعار العبد أنه تحت سمع وبصر خالقه، يسمع كلامه ويرقب حركاته وسكناته.

– الاستعادة من الشيطان الرجيم، خاصة شيطان الصلاة ”خنزب” ذاك الذي يفسد علينا صلاتنا ويشككنا فيها، و يخلط علينا عدد الركعات و السجدات، ويجعلنا نسرح في أمور الدنيا ونحن بين يدي الله، فلا ندري ماذا قرأنا و لا كم صلينا، وقد علمنا نبينا الكريم كيف نطرده و نتغلب عليه بالنفث على اليسار ثلاثا والاستعادة منه ليخنس.

– استحضار أن هناك خطابا وحوارا يحصل بين الله وعبده المصلي أثناء الصلاة، فعند قراءة سورة الفاتحة وهي من أعظم سور القرآن يجب استحضار واستشعار ما يحدث عند التلاوة وتدبر آياتها السبعة بتأني وتدبر، وهو ما ورد في حديث أبي هريرة: “قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل”.

طالع أيضا  الأربعاء أول الأيام البيض.. وذ. أيت لقتيب محفزا: قول ربنا ﴿سابقوا﴾ يحتّم علينا أن نكون من السباقين

– التدبر والتأمل: وذلك بأن يتدبر العبد ما يتلو من كلام الله، وكذلك يتدبر في الحكمة من حركات الصلاة من قيام وركوع وسجود، والتدبر في الأذكار والأدعية وغيرها من أركان هذه الفريضة العظيمة.

– علينا أن نصلي صلاة مودع: وهي وصية النبي صلى الله عليه و سلم للرجل الذي سأله أن يعضه ويوجز، فقال له : “إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع” وصية جامعة قليلة الألفاظ عظيمة المعاني، وهي ليست وصية له وحده، بل هي لعموم الأمة، فعلى المصلي أن يقبل على مولاه ويخشع قلبه ويتذكر الموت والآخرة، ويعتبرها آخر صلاة له، ولعله لن يدرك الصلاة التي بعدها.

– الطمأنينة والتأني: إذ لا خشوع مع العجلة، وكثرة الحركة، وعدم حضور القلب والعقل.

– التأمل في حال السلف مع الصلاة: ولنقارن حالهم بحالنا، لقد ضاع الخشوع من صلاتنا اليوم وافتقدناه، فنحن نر العجب العجاب من خشوع سلفنا الصالح، فأين نحن منهم يا ترى؟ فهذا نبينا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، وهو سيد الخاشعين، كان أكثر الناس خشوعا، وكان إذا بكى في الصلاة سمع له صوت كأزيز المرجل أي مثل صوت القدر فيه ماء يغلي.

وهذا عروة بن الزبير التابعي الجليل أصابه داء الأكلة في قدمه، فكان لا بد من قطعها، قال لهم دعوني فإذا كنت في الصلاة فافعلوا، فقطعوها ووضعوها في الزيت المغلي ولم يشعر بشيء.

كذلك عبد الله بن الزبير وكان صواما قواما رضي الله عنه، كان يقوم عند الكعبة يصلي لله رب العالمين، فإذا انتصب قائما بين يدي الله فكأنما هو جدع من خشب لا حياة فيه، فيحط الطير على رأسه وظهره في ركوعه وسجوده، كأنه ميت من شدة سكونه. ومنهم علي بن الحسين زين العابدين رضوان الله عليه، كان إذا توضأ أخذته رعدة وتصبب عرقا، واصفر لونه، فإذا سألوه قال: (أتدرون بين يدي من سأقوم؟).

طالع أيضا  مفهوم الإنسان وقيمة الرحم الآدمية في المنهاج النبوي

وغير هذا من الأمثلة كثير، وخلاصة القول أنه إذا تحقق الخشوع كانت الصلاة كفارة لما سبقها من الذنوب و المعاصي ما اجتنبت الكبائر.