ركبت القطار إلى مهمة أخرى من مهام التغيير وصناعة الفلك في أرض الله بتوفيق الله، وهي مهمة التبشير بالخير ونصر من الله وتعريف بالمسجد وروحه وبالصلاة كنور ومشروع تغيير من سماء ومعراج، إلى مهمة التعبئة والإعداد المستمد من قول الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل، إلى مهمة تحفيز وتكوين وتدريب لصناعة الجندية التي هي غاية التربية، أي تعلم ومعرفة فانخراط في مشروع التحرير والتغيير، لتجند في مشروع النبي صلى الله عليه وسلم ومدرسة النبي صلى الله عليه وسلم التي ربت نموذجا من الرجال سموا الصحابة رضوان الله عليهم، شكلوا جيلا صنع إرثا مباركا جامعا سمي بالمنهاج النبوي أو الفقه الجامع الكامل في مسجد العمارة والرجولة والفتوة..

وصل القطار بعد رحلة “باسم الله مجراها ومرساها”، إلى ديار مغربية وربع مغربي، لكنه اليوم هو ربع مختلف عن الشمال أو مدن سواحل المغرب أو مراكش أو الدار البيضاء أو بني ملال أو الجديدة أو برشيد أو سطات أو طنجة أو تطوان، هذه المرة يصل البراق الآلي إلى الديار السليمانية، مدينة سيدي سليمان، من أجل التفصيل في علم الرؤية وفقه معاني الصلاة والإسراء والمعراج التي أسست لمشروع عظيم، هو مشروع المسجد لصناعة الرجولة بين حضن الصحبة والجماعة والحب في الله والبغض في الله. 

لأول مرة أضع قدمي على هذه الأرض، مدينة سيدي سليمان، وسألت من هو سيدي سليمان، ثم بعده مدينة سيدي قاسم ومن هو سيدي قاسم، ومن هو سيدي يحيى في مدينة سيدي يحيى وسيدي عيسى وسيدي مولاي يعقوب، أجابني باحث في التاريخ والحضارة وصاحب قلم ودعوة محمد دحان، أنهم أولياء لله جمعهم همهم واحد وهو المسجد والدين، وتفرقوا بعدها في ربوع غرب المغرب لنشر دعوة الله.. فكانت المدن بأسمائهم دلالة خير ورمزية على أسياد وأوتاد مروا من هنا…

طالع أيضا  "فتح تحقيق" مقبرة لملفات الانتهاكات وسوء التدبير

معرفة المنطقة من العلم النافع

جلست كعادتي بعد وصول المضيف في فضاء أشرب الشاي المفضل لي بالعشب، لأنظر في أحوال الناس وعاداتهم وتقاليدهم وحركتهم، فخلصت: أن سيدي سليمان أرض أولياء لله صالحين وناسها بسطاء كرماء، أرباب فلاحة وتواصل دائم بالتربة والرعي والنحل والليمون والشجر رغم خوفهم مما يشاع عن أرباب تسلط، يتغولون بقوة وتطبيع صهيوني، لخطف ثروات البلاد ونقص أشجارها وأراضيها، بل واستهداف تربتها وفلاحتها بتطبيع زراعي صهيوني يمكنه أن يقتل الفلاحة والنحل والتربة هناك. هذا تخوف في مختلف مناطق المغرب، وتضرر مصر بالتطبيع الزراعي الصهيوني ليس ببعيد، والغاية تصفية البلاد والعباد، لأن الأمة المغربية فيها خير وترث خيرا..

بعد ما استطلعت الأرض المباركة سيدي سليمان بصالحيها وتاريخها، وبعدما حدثني “سيدي جمال” الإنسان  البشوش عن الاستعمار الفرنسي وسابقته في هذه الأرض احتلالا متسلطا واستغلالا فلاحيا، وبعدما حدثني “محمد” عن قوة الساكنة في نصرة فلسطين ومقاومة التطبيع خصوصا بعد انهزام الصهيونية في مهرجان سيدي قاسم، جاء الدور الآن لننتقل من الحديث عن الديار  السليمانية، إلى فتح بوابة تاريخية ويقينية للتعرف على الديار المقدسية، أرض الطهارة والمسجد الأقصى، لنتعرف على بركات بيت المقدس والصلاة والمسجد، لنتعرف على الرؤى العابرة للتاريخ المعبرة عن رحلة المجددين، ورواد التحرير في سبر أغوار الرؤية المنهاجية في التغيير والتحرير قبل سبر أغوار أرض وفتحها..

فتح الرؤية قبل فتح الأرض، فتح الإنسان قبل فتح الجدران

أبث إليكم المشهد المقدسي في تجلياته حين كان هدف الدورة: عسانا نرى من حيث رأى النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، فكانت الرؤية محور التغيير ووتد الخيمة، ومنشور القصة والحكاية، وكان المسجد ديدن الحديث والغاية في الفهم.

طالع أيضا  آداب عيد الأضحى المبارك

الدورة العلمية المقدسية في الديار السليمانية “بيت المقدس بفقه منهاجي” كانت مختلفة عن سابقيها من الدورات لأننا رصدنا مرحلتين:

مرحلة الفهم

يقول الله سبحانه ففهمناها سليمان: إذا كان أهل ديار “مدينة سيدي سليمان المغربية” قد جاؤوا إلى “دورة علمية معرفية مقدسية” للتعرف على مشروع المسجد ومشروع التحرير والتغيير، فمجيئ أهل “سيدي سليمان” هو بفهم لا حماسة ووجدان بل وفهم جامع ينهل من “ففهمناها سليمان”، وينهل من كيفية العلم قبل العمل، والمنهاج قبل التغيير، والخطة والرؤية قبل التحرير، وآل سيدي سليمان نهلوا كذلك من الولي الصالح “سيدي سليمان” الفهم لسنن الكون وكيفية التغيير بفهم عن الله..

وقد لمست هذا الفهم في مداخلات الحاضرين، فكلما انتقلت من مرحلة تاريخية تحريرية أو انكسارية انحطاطية للأمة، إلا ووظف الحاضرون آليات التحليل والفهم المنهاجي، لنصل معا إلى مراد الرؤية النبوية، التي تجذرت في قلوب الرجال وما تجددت وخرجت ثانية إلا بقوة وبأس وجوس عباد الله غيروا وحرروا الأرض والمساجد من كل علو ودنس..

مرحلة التنزيل

خلاصة الرحلة أن الحاضرين وصلوا إلى ما وصلت إليه من استنتاجات تاريخية جمعت في كلمة “ممجد”:

م: مصحوب هو النبي صلى الله عليه وسلم.

م: مشروع وهو مشروع برؤية من وحي وسماء ومعراج.

ج: جماعة نالت المشروع ونهلت منه في معين المسجد بصلاة ورباط وجماعة تجمع.

د: دولة سادت وقادت وتخرجت من جماعة وجيل مبارك ذاكر وعالم ومجاهد.

ولو استطلعنا تاريخ التحرير لرصدنا أن هذه الرباعية، كانت حاضرة كأسس في البناء والتغيير، بل الأمر يحتاج إلى تحصيل وتفصيل لفهم هذه الرباعية التي احتضنتها النبوة والإسراء والمعراج واحتضنها المسجد الأقصى في كنفه، إلى أن برز في الكون عباد الله فهموا الرباعية وجددوها.

طالع أيضا  مقتل كمال عماري: إخفاء مجرم أم تستر عن جريمة؟

المرحلة الثانية من الدورة السليمانية تميزت برغبة المرابطين في هذه الدورة للانتقال من الفهم والتعلم إلى صناعة أعمال، تدفع المحب للمسجد إلى نفع الأمة بما ارتشفه من خصال ومعان في حياته مع المسجد وعماره ورجاله، إلى أعمال تدفع إلى نصرة فلسطين وبيت المقدس وخدمة المسجد الأقصى، إلى أعمال تدفعني وتدفعك من عابد لله، إلى جندي يعيش الهجرة والنصرة والجندية يوميا دون انقطاع… ثم كان السؤال دوما ما العمل؟

كان جوابي بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه: عملي عملك، ولم تنقطع همم التنزيل والعمل بعد علم، واسأل عن الأستاذ ميلود حين كان همه الوقوف على ثغر (التعلم وتعليم المعالم المقدسية ومعالم المسجد الأقصى)، واسأل عن الأستاذ إدريس وتهممه “بتعليم تاريخ المغاربة وفلسطين” ليعلمه للأجيال، واسأل عن نساء حاضرات في الدورة سألن عن قصة العطر ونساء ديار بكر وصلاح الدين الأيوبي، وفي القصص عبر رغبت الحاضرات في نسجها في حكايات للتربية والأطفال والأسرة..

كان اللقاء في سيدي سليمان وكان اللقاء عن الصلاة والإسراء والمعراج، وكان المشروع عن الصلاة، وكانت الغاية عبادة الله، والعلم عبادة والذكر عبادة، والجهاد عبادة، هكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم دوما في رباط وذكر وجهاد.