1-     كشف جذور الثقافة التغريبية وأبعادها:

لقد كان الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى حريصا رحمه الله على تبيان ما تتخفّى وراءه الكلمات والمواقف، وما تنطوي عليه الأفكار والتوجهات، من فلسفات ورؤى ومصادر، فهو يقرّ مبدئيا أنه “لا يمكن للإسلام أن يكون نفيا مطلقا لكل ما يفكر فيه الآخر ويلقنه” لكنّه يستدرك حاثّا على مواجهة هجوم الثقافة الدوابية “لكشف الزيف وإحباط مناورات المثاقفة”، ولذلك لا بد من التشهير بالمسلمات “العلمية” الزائفة التي تستند إليها الثقافة الغربية في تمريرها مقولاتها ورؤاها وروحها، ولا بد من كشف تهافتها وادعاءاتها، لأنها تشكل حوامل تخترق بها الثقافة الغربية عقول أبناء المسلمين وأنفسهم، بدعوى العقلانية والعلمية، ومنها المسلمة الداروينية، فلا بد إذا من “فضح المسلمة الدوابية التي تجعل من الإنسان مجرد قرد راق لا غاية له في الحياة سوى الرفاهية والمتاع، مسلمة تمثل أساس كل الأفكار القابلة للتلاشي والإلقاء”. ولذلك يجب العمل على إسقاطها وفضح زيفها، و“لا بد من محاربة هذه المسلمة ومناهضة الثقافة التي تستلهمها. لابد من غربلتهما لتنقية البيئة الثقافية” 1.

كما أن لا بدّ من كشف خصوصية الثقافة الجاهلية المعاصرة وتطوراتها، وانحدارها إلى دركات جديدة، فبعد أن “كان لعالم الجاهلية المتكاثر فن وثقافة يعبر بها الجاهليُّ عن تَوَقَانِهِ للسُّمُوِّ عن مستواه الأرضي، أصبحت أسباب الحضارة الصناعية وما تتيحُه من وقت فراغ تصبغ الفنَّ والثقافةَ بصبغة الاستعجال الاستهلاكي، حتى لم يبق هناك إلا الثقافة المعلَّبة تهدف لإرضاء غرائز الجنس، وتهدف لصرف الحيوات في مسارب الدوابية البشرية التي لا قرار لها” 2.

ولذلك يعرّج على مجموعة من التعاريف التي أعطيت للثقافة، سواء المفهوم الفرنسي الذي يحصر الثقافة في الإبداع الفني والأدبي والتراث، مرسوما ومنحوتا ومكتوبا، أو المفهوم الأنجلساكسوني الذي يرتبط بأسلوب عيش معيّن، وبطابع أنسي محدد، وبمهارات عملية، ثم المفهوم الألماني الذي يتيح المزاوجة بين اعتماد الأسطورة التاريخية والفعالية العملية، وبين الرمز والقوة والحضارة، في إطار الانتماء إلى الأمة الجرمانية المتفوّقة على الآخرين. ويسجل رحمه الله في كل التعاريف، غيابا للأسئلة المركزية، عن مصير الإنسان ومآله، والغاية من وجوده، وما بعد موته، ذلك أن الثقافة تذم تلك التساؤلات “الجدوائية” و”المابعدية” وتتجنّبها، أو تعمّي عليها في أحسن الأحوال وتزورُّ عنها صوب الانشغال بالموجود وعدم ترك الوقت يضيع خارج المزيد من اللهو واللذة والغرق في الأشياء، ف“لا حَديث عن الله وعن مغزى الحياة ولا تفكُّرٌ في المصير!  باختصار، فأنت تصبح مثقفا حين تجمع ركاما من المعارف المتناثرة، وتتبرمج لاستهلاك المزيد من المنتوج الثقافي، أما مغزى حياتك، أما مصيرك، فلا خبر لدى الثقافة عنه!” 3.

طالع أيضا  د. سلمي: قضية الشهيد عماري شكّلت امتحاناً لكثيرٍ من "الشعارات" التي رفعتها الدولة المغربية

إنه وضوح ضروري، وحذر ينبغي أن يظلّ قائما كي لا تتخفّى علينا مرامي الثقافة المستعلية، وتنطبق علينا حيلتُها الاستدراجية، فتنطمس منا اليقظة اللازمة، ونصدّق الشعارات، ونجاري، ونماري، ونتنازل ثم نستسلم.

2-     ضرورة مواجهة الثقافة المستعلية واقتحام معاقلها:

إنه لا سبيل إلى مقاومة الهجوم الكاسح للثقافة المستعلية، إلا بخوض غمار المعرفة بالمجال، واقتحامه بجرأة وشجاعة لا تتعفّف ولا تستنكف، والإلمام بالمجال الثقافي شرط ضروري لذلك الاقتحام، ومقدمة لازمة له، إذ “لا يمكن إقناع الآخر بقبولك في منتديات الحوار إلا إذا كنت ملما بجميع ما يجري في جميع مناحي الحياة وخاصة في مجال الثقافة” 4.

ولعل المتفحّص لكتب الإمام يجده صارما في مواجهة طوائف المثقفين، حاملا عليهم بالبيان القرآني، مذكرا إياهم متحبِّبا متلطفا حينا، وواعظا زاجرا أحيانا، هذا دون أن يتخلّى عن النقاش بالحجة والدليل، وكشف تناقض خطاب الثقافة الضّالة المضلة، اللاهية الملهية، همه الأول والأخير، إضافة إلى تنبيه حملة المشروع الإسلامي إلى ضرورة تبيّن أرضية التدافع والوعي بأنواع الخصوم، هو الدعوة والإيقاظ من نوم الثقافة والهبة من غفلتها والتحرر من غرورها 5.

ولذلك يقف الإمام داعيا محفزا العلماء المسلمين، إلى أن يتحملوا مسؤوليتهم في دعوة المثقفين، وربط جسور التواصل الإيماني معهم، كسبا لهم إلى صف الدعوة وحركتها، وصونا لهم عن السقوط في معاداتها والتربّص بها، مهما بدا جهلهم بالدين أو تغرُّبهم عنه وشرودهم عن قيمه، وإلا فإن العالم إن أعرض عنهم وتجنب دعوتهم والتواصل معهم “يكون عين الدليل على ما يرمي به المغرَّبُونَ الدِّينَ إن فعل. يكون حجة على أن الإسلام انغلاق في دائرة، ودوران في حوزة حائرة. كلا، فما نطلب التوسع في علوم الناس إلا لنتزود بالمادة الفكرية نحمل عليها إلى الناس -وفي ضمنهم المثقفون المغربون- رُوح الإسلام ورَوْحه” 6.

طالع أيضا  ذكرى المولد النبوي الشريف.. ربيع الأنوار يحيينا‎

إنه لا مناص من دخول المجال، مع إحكام الأسس والمنطلقات كي لا تزيغ البوصلة، فإنما هو دخول بنية الفتح، وعرض دعوة الإسلام، وصبر ومخالطة وتدرّج، عسى يؤوبَ نَبِيهٌ ذو مروءة التقط الإشارة وشرحت صدرَه بشارة، أو يَرِقَّ قلبُ مبدعٍ لم يطمس فطرتَه ركامُ الثقافة وانحاز إلى جذر لا زال راسخ، ونداء حنين لم تقتلعه عوامل التعرية الكاسحة في سوق التّثاقف المفتوح بلا أبواب ولا عسس، ولذلك “لا نيأس من نجاة مُغرَّق ولا نضرب صفحا عن مفرق، ولا نطوي كشحا عن مكوي ومحرق. نبسط ما صح عندنا بالمسلمة الفطرية، والعقل العاقل عن الله، والقلب السليم، والمدخل التربوي، والكيف الإسلامي، والمحضن الإيماني. ويهدي الله سبحانه من يشاء” 7.


[1] الإسلام والحداثة، ص: 197.
[2] الإسلام غدا، ص: 106.
[3] الإسلام والحداثة، ص: 195.
[4] الإسلام والحداثة، ص: 197.
[5] العدل: الإسلاميون والحكم، ص: 516، 517.
[6] الرسالة العلمية، ص: 64.
[7] الرسالة العلمية، ص: 67.