يعرض الإنسان من حين لآخر شريط ما مضى من حياته، ويستحضر على السواء أفضل الأمور وأسوأها، وأحيانا تتسارع بعض الأحداث وتفرض نفسها على الذاكرة فرضا، فيتأملها العقل والقلب معا، ومن ذلك ما حدث للشاب خليل في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، فانتماؤه لأسرة محافظة متدينة أهلته ليرتاد مسجد الحي للصلاة وقراءة الحزب الراتب وسماع الدروس والمواعظ، وكان حينئذ يدرس بالمستوى الإعدادي، وكان يوم الأربعاء بالنسبة إليه يوما مميزا ومحبوبا لأن حصصه الدراسية تتوقف على الساعة العاشرة صباحا، فهذا اليوم يوفر له فضاء زمنيا يستغرق معظمه في ممارسة هوايته رفقة زملائه.

وذات أربعاء، وما أن رن جرس المؤسسة معلنا تمام العاشرة صباحا حتى انطلق خليل وزملاؤه مسرعين مهللين رافعين أصواتهم إيذانا بالتحرر من قيد الدراسة، ولما بلغ منتصف الطريق أسرع الخطى بل ركض وجرى ممنيا نفسه بأكلة شهية تسد رمقه. ولما بلغ المنزل هم بطرق الباب، وقبيل ذلك انفتح الباب وخرجت والدته تحمل لوحة العجين تقصد فرن الحي، وهذا دأب جل سكان الحي إذاك، ولم يكن لخليل بد من الرضوخ ولو أنه لم يقل شيئا فقد آثر أن يكون الحال غير الحال، فاستلمت والدته المحفظة واستلم لوحة عجين الخبز وكانوا يسمونها “الوصلة” بها يوصل الخبز إلى الفرن، فانطلق خليل إلى مراده، وما هي إلا دقائق معدودة حتى وجد نفسه أمام المسجد الجامع ومعه لوحة العجين، فمكث منبهرا مندهشا مذهولا للحظات ثم أخذ يوزع نظراته بين باب المسجد ولوحة العجين وكأنه ينكر العلاقة بينهما، وتسارعت الأسئلة في ذهنه وتناسلت، وانسل منها سؤال كبير صرخ قائلا: كيف قادتني قدماي إلى المسجد وأنا أقصد فرن الحي؟ كيف أخطأت طريق الفرن وأنا أعرفه جيدا شبرا شبرا، كيف وجدت نفسي أمام المسجد ولم أنو الصلاة، ثم إن وقت الصلاة لم يحن بعد؟… حاول أن يتذكر مسار مجيئه إلى المسجد غير أنه لم يفلح.

طالع أيضا  السطو على منازل حي الشيخ جراح.. فصل جديد من محنة الفلسطينيين أمام أنظار العالم

 ثم أخذ طريقه إلى فرن الحي محملا بسيل من الأسئلة التي لا تكاد تنتهي، غير أن حيرته لم تسلك إلا طريق قلبه وعقله بل جثمت عليهما واستوطنتهما لأيام عديدة.

وكلما مرت فترة من الزمن يجدد فكر خليل وقلبه النظر في أسئلة الفرن والمسجد، حيث أضحت الأسئلة مركبة بعد أن كانت بسيطة، وما لبثت أن تحولت إلى قضايا كبرى اتخذت أحيانا شكلا فلسفيا وأحيانا لبوسا علميا عقديا فقهيا، فأصبح خليل يربط بين الجوهر والعرض، ويميز بين خصائص كل من الجسم والروح، وفي العبادات يفصل بين صورة العمل وروحه، كما قاده تفكيره إلى تحديد الفروق بين العادة والعبادة ثم كيف يصير زمنه من زمن العادة إلى زمن العبادة فيكون زمن خليل كله لله رب العالمين. {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايْ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}