“إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُم عِنْدِي الصَّلاَة، فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ”. وصية جامعة وتذكرة بليغة بعثها أمير المؤمنين عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه إلى عُمَّالِهِ على الأقاليم، اعتبر الحفاظ على الصلاة عنوانا للاستقامة العامة، ومِعْوانا على أداء المهام، وما يُستأمن عليه المسؤول من واجبات في الشأن العام. لله درك يا عمرُ، كيف ربطت بين الحفاظ والمحافظة على الصلاة وبين النجاح في أداء الواجبات المهنية؟ أجل، من فرّط في صلاته -والتفريط درجات أفدحها تركها، وأهونها التكاسل في أدائها وهي عمود الدين، وأول ما يُسأل عنه يوم الحساب، وبقَبولها تقبل الأعمال التعبدية، وبردّها على صاحبها، والعياذ بالله، تغدو سائر القربات والطاعات هباء منثورا- كان تفريطه فيما عداها من مسؤوليات وواجبات أسهل. ميزان عمريٌّ ما أنجعه في تقييم أداء المسؤوليات، كل المسؤوليات، يحتاج لمنظومة تربوية مجتمعية تكون إقامة الصلاة فيه نقطة ارتكازها ومحورها!

إن إقامة الصلاة لا تتحقق إلا بشروط جُعلت مقياسا لدرجة صحتها؛ شروط ظاهرة لخصها التوجيه النبوي: “صلوا كما رأيتموني أصلي”، ضبطا لأركانها بدءا من الإقامة، وانتهاء بالتسليم، وشروط باطنة ممثلة في الخشوع والحضور القلبي أثناء أدائها. إقامة صلاة يرجى بعد الوفاء بشروطها ظاهرا وباطنا أن تفضي لـمُخرجاتٍ إيمانيةٍ تقوي صلة العبد بربه من جهة، وتضبط سلوكه مع عباد الله وسائر خلقه، من جهة ثانية.  يقول الحق سبحانه في خاتمة سورة “العنكبوت”: اُتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. ومما ورد في تفسير الإمام القرطبي لهذه الآية الكريمة قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعدا”.  

طالع أيضا  ما هي التزكية؟ الأستاذ العلمي يجيب ضمن سلسلة "سؤال في التزكية"

إنه لا انفصال بين الصلاة، بل وسائر التكاليف الشرعية، وبين الحالة السلوكية للمؤمن والـمؤمنة، ففي شأن الـصيام جاء التحذير النبوي في أبلغ عبارة. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ”. وفي شأن الحج يقول سبحانه في سورة “البقرة”: فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. وحيث إنه لكل أمر ذي بال منتهى وغاية، وجب أن تـرفع الصلاةُ -بما هي وقوف بين يدي الله تعالى، وبوابة لـمناجاته، ومؤشرا من خلال الركوع والسجود على الاستسلام والـخـضـوع والتذلل له- منسوبَ الاستقامة سلوكا، والمروءةَ موقفا؛ استقامةٌ تتـرجم فضائل ومحامد خلقية مع عموم خلق الله، والأقربين أولى؛ ومروءةٌ وشهامةٌ في المواقف أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، ونصرة للحق وأهله، واصطفافا مع المستضعفين تهمما بالأحوال ومنافحة على الحقوق وأسباب الحياة الكريمة للناس.

إن الصلاة بهذه الـمخرجات القلبية والسلوكية مدرسةٌ تربوية للتزكية والترقي فـي مدارج القرب من الله تعالى. يقول جل وعلا: فاسجد واقترب. غير أن تحقيق الصلاة لغاياتـِها لا يتوقف على ضبط الأركان فقط، بل يحتاج إلى عوامل موضوعية تتمثل في حالة مجتمعية سليمة، تؤطرها بيئة تربوية تكون الصلاة عمود برنامجها وركيزتَـها؛ بيئةٌ تنتظم بالصلاة، لا أن تكون الصلاة على هامش الانشغالات اليومية للناس.

إن الـمتأمل في واقع الناس اليوم، وقد بلغ انفراط عرى الإسلام مداه، حيث أضحى الإسلام غريبا في أرضه وبين معتنقيه، يقف على واقع مؤلـم، حيث الناس فـي ديار الإسلام وصوت الأذان يصدع من على الصوامع بين تارك للصلاة جحودا أو تكاسلا، ومتهاون ساهٍ في أدائها، وبين حريص على قضائها، مستريح منها، لا مستريح بها؛ واقع يحيل إلى تحذير نبوي من انحدار الأمة وتقهقرها في دركات الانحطاط. وفـي الحديث: “لَتُنتَقَـضَـنَّ عُرى الإسلامِ عُروةً عُروةً، فكُلَّما انتَقَضَت عُروةٌ تَشَبَّث النَّاسُ بالتي تليها، فأَوَّلُهنَّ نَقضًا الحُكمُ، وآخِرُهنَّ الصَّلاةُ”. انتقضت عرى الإسلام تباعا بعد اغتيال الحكم الشوري، وسار في شرايين الأمة محلول الفساد والإفساد، فحوربت الشهامة، وحوصر دعاة الحق، واستؤصلت كل فضيلة، وعبر قرون الاستبداد استحالت العبادات أشكالا دون جوهر، فالصلاة رياضة، والصوم حمية، والحج سياحة، فضاعت من الأمة عوامل البناء والتربية، فلا دين حُفظ، ولا مقدسات صينت، ولا دنيا حصلت. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن هذا الواقع الـمؤلـم حيث بلغ التقهقر على جميع الصعُد مداه، يقتضي تضافر جهود الجميع علماء وخطباء مساجد ووعاظ وأساتذة وإعلاميين وفاعلين جمعويين وأمهات وآباء، كل في مجال تخصصه ودائرة وظيفته من أجل التعاون على التصدي لهذا الطوفان الجارف للقيم والسعي لتوفير بيئة تربوية سليمة يُتعاون فيها من أجل اقتلاع بنية الاستبداد باعتباره حاميا لكل مفسدة ورذيلة، والإسهام في توفير شروط الاستقامة إقامة للدين الذي به تستقيم الحياة وترغد. يقول عز سلطانه على لسان سيدنا لنوح عليه السلام داعيا قومه للاستقامة والتوبة العامة: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيـُمـْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا.    

طالع أيضا  ذ. الوافي: استهداف العدل والإحسان جزء من استهداف عام للقوى المصطفّة ضد المخزن

إن الحديث عن الاستقامة العامة وعنوانها إقامة الصلاة لا يعدو دغدغة للمشاعر وضجيجا دون طحين، ما لم تبذل جهود جماعية لتطهير المجتمع من جرثومة الاستبداد ومتحوِّراته بناء لـمنظومة تربوية مجتمعية تتوسط فيها إقامة الصلاة بين اجتناب الإثم والفواحش وبين التصدي للبغي والفساد. يقول الحق سبحانه في سورة “الشورى”: وَمَا عِندَ الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. تحزب ضد الفساد والإفساد لإقامة ميزان العدل وتوفير شروط الترقي في درجات الإيمان. يقول تعالى في سورة “النحل”: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. صدق الله العظيم.