قال الأستاذ عز الدين صامبا إن الصلاة هي قرّة عيون المحبين ومحك أحوال الصالحين، وهي رحمة مهداة من الله عز وجل إلى عباده المؤمنين كي ينالوا شرف كرامته، ويستزيدوا من القرب منه سبحانه وتعالى، وذلك خلال مشاركته في الندوة التي نظمتها عن بعد الهيئة العامة للتربية والدعوة التابعة لجماعة العدل والإحسان تحت عنوان: “الصلاة وأثرها في صلاح المؤمن وتغيير المجتمع”، مساء الأربعاء 30 مارس 2022 وبثتها قناة الشاهد الإلكترونية.

وأضاف أستاذ التجويد والقراءات أن الله عز وجل جدد للمؤمنين الدعوة في كل يوم خمس مرات، ليجددوا الإنابة والتوبة والإقبال. والقلب متى أقبل على الله عز وجل أنبتت أرضه واستوى، وأعطى من كل زوج بهيج. القلب ييبس، وكلما ابتعد وبعد عن ذكر الله عز وجل احتاج إلى الرجوع، احتاج إلى نداء، احتاج إلى من يصلح شأنه، كما يحتاج الفرد وتحتاج الجماعة إلى هذا الأمر، فلذلك جاء النداء من الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم. والاستجابة تعطي أثرها لمّا يجلس الفرد، وتجلس الجماعة، جلوس الأَسِيفِ الكَسِيفٍ، يستمطر الواحد وتستمطر الجماعة رحمات الله عز وجل، فيكون بذلك هذا الأثر وهذا التجلي.

وأول مسألة أشار إليها صامبا هي مسألة الطهارة والوضوء، فمع حسن الطهارة تصير الصلاة نافلة، ويصير الذهاب إلى المسجد نافلة. ففي حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: “رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ قالَ: مَن تَوَضَّأَ هَكَذا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، وكانَتْ صَلاتُهُ ومَشْيُهُ إلى المَسْجِدِ نافِلَةً”، فلا نتساهل مع الوضوء ومع الطهارة، ونقف مع الأمور التي نبه عليها رسوله صلى الله عليه وسلم، نقف على ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتتبع المؤمن المَوَاطِن التي لا يصل إليها الماء، فيحسن الوضوء يحسن طهارته، ولا بأس أن يجلس إلى إخوانه ليتعلم وليعرف السنن وليعرف الفضائل، فإذا كنت ترجو أن تُقبل على الله عز وجل بهذا الإقبال دون أن تحسن الطهارة فإن هذه الصلاة لن تكون مقبولة.

طالع أيضا  في محراب العـشر

وعن عثمانَ بن عفانَ رضي الله عنه أنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “منْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوضوءَ، خَرَجَت خَطَايَاهُ مِنْ جسَدِهِ حتَّى تَخْرُجَ مِنْ تحتِ أَظفارِهِ”، فإذا كان المؤمن يقصد الصلاة للمغفرة وللتوبة وللإنابة ولغسل الخطايا، فأولى أن يبدأ بهذا العمل الذي ضمن به الرسول صلى الله عليه وسلم أن تخرج الخطايا وأن يتجاوز الله عز وجل عن الخطايا، وأن يكتب لك هذا الابتداء وهذا الإقبال، الذي إن شاء الله منه تأتي هذه البركات.

إذا يبدأ الانسان بعد الطهارة بالتكبير اعترافا بالله عز وجل بالتعظيم والإجلال، ويتكرر هذا الدعاء وهذا الثناء طيلة الصلوات، الله أكبر الله أكبر، فيتواطأ ما في القلب مع ما في اللسان. الإنسان يأتي في الصلاة بأذكار ومناجاة، فلذلك حينما يتواطأ اللسان ويتقن اللسان هذه الأمور، يجد في القلب صداها، ويكون في بداية الطريق.

فمن الأمور التي يجب أن ينتبه لها هي سورة الفاتحة، المؤمن يعرف أنه من لا يقرأ بالفاتحة فصلاته خداج، ويستوي في ذلك من يقرأ وهو يلحن، لذلك وجب على المؤمن أن يسأل عن متقن وأن يقرأ عليه ليطمئن أن قراءته صحيحة. ومن هنا أنبه كذلك على أن القراءة الجهرية لا تمثل في مجموع الصلوات إلا الخمس تقريبا، فكذلك في الصلاة السرية وغالبا لا ينتبه إلى السرعة في القراءة، فيسكّن ما يكون متحركا ويحرك من الحروف ما ينبغي أن يكون ساكنا، فلذلك كما تقوم أثناء الصلاة الجهرية للمحافظة على الكلمات، تعطي للحروف حقها ومستحقها، وتعطيه للمدود حقها، وتطمئن وأنت تناجي الله عز وجل في صلاتك؛ فإذا قلت الحمد لله رب العالمين تنتظر الجواب من الله عز وجل حمدني عبدي، وإذا قلت الرحمن الرحيم أثنى علي عبدي.

طالع أيضا  النظام المغربي والبَصْق في وجه الديموقراطية

فإذا كان هذا التأمل في الصلاة الجهرية حفاظا على ما ينبغي أن يقبل به المؤمن على كتاب الله عز وجل، فيقرأ بالأدب والوقار، فكذلك نفس الشيء في الصلاة السرية. نعم تُسمع نفسك ولا تسمع من حولك، ولكن كذلك حاول أن تجوّد وأنت في الصلاة السرية حتى لا يضيع منك هذا الأثر الكبير لما ينبغي أن يحصل عليه الانسان وهو يجلس إلى الصلاة.

ثم أن تكون المناجاة بقراءة القرآن، مناجاة الحاضر اليقظ الذي يحذر المقت، ويتدبر قول الله عز وجل: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ”، فإن العبد يكون في الصلاة لا يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا عشرها.

ثم نحن في صلاتنا نقوم بدعاء دائم ومستمر، هو “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ”، لكن هل نرى تجليات ذلك، هل نلمس أنه كانت هناك إجابة، فهذا التجلي لهذا الأثر هو أن تعرف الحق، “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ” أن تسعى لمعرفة الحق وأن تقصده وأن تعمل به، ثم تثبت عليه، وأن تدعو إليه، ليس فقط نحن في الصلاة نقوم بهذا الدعاء دون أن نبحث في هذا الصراط.

والناس في باب الهداية أقسام، في حين عندما أصل إلى قوله عز وجل: “صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ”، ودائما ما ينصرف الذهن إلى النصارى واليهود، وأنسى أنه يمكن أن أنال من هذا الأمر إذا لم انتبه. فإذا الناس أقسام في باب الهداية، هناك منعّم عليه بحصولها، وهو يجتهد في تحصيل الهدايات وهي أنواع. وهنالك ضال لم يعطى هذه الهداية ولم يوفق لها. وهناك مغضوب عليه عرفها ولم يوفق للعمل بموجبها. أما الأول فهو المنعم عليه قام بالهدى ودين الحق علما وعملا، والضال منسلخ عنه علما وعملا، والمغضوب عليه عارف به علما منصرف منه عملا. فلذلك يتأمل الواحد في هذه التجليات وفي هذه الدلالات ، ويقول هل يمكن أن يكون عندي نصيب أو حظ من هذا الأمر، فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويجتهد في أن يصحب الذين وصفوا في قول الله عز وجل: “الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا”.

طالع أيضا  سرقة البيوت المشمعة وسؤال الحماية؟

وقد شارك في تأطير هذه الندوة إلى جانب الأستاذ عز الدين صامبا كل من الأساتذة: الدكتور محمد ركراكي الباحث في الفقه الإسلامي، والأستاذة زينب التدلاوي الباحثة في قضايا التاريخ الإسلامي المعاصر، والأستاذ محمد العسلي الباحث في التربية والتعليم، وأدار أشغالها الدكتور عبد الصمد المساتي.