وقف الأستاذ محمد العسلي عند الكلمتين المكونتين لشعار الحملة التي دشنها قبل أيام نشطاء مغاربة على مواقع التواصل وهما: صلاتي، راحتي؛ فالعلاقة بينهما سببية، يقول العسلي، أي أن من صلى الصلاة وأداها بحالها وأحوالها التي تستشعر الحضرة الربانية، فهي تؤدي بصاحبها فعلا إلى الراحة والسكينة والطمأنينة. لكن، يستدرك، ما كل صلاة تؤدي إلى راحة؛ لأننا قد نصلي ونجد راحة، وقد نصلي ولا نجد تلك الراحة.

الأستاذ العسلي الذي كان يتحدث في الندوة التي نظمتها عن بعد الهيئة العامة للتربية والدعوة التابعة لجماعة العدل والإحسان تحت عنوان: “الصلاة وأثرها في صلاح المؤمن وتغيير المجتمع”، مساء الأربعاء 30 مارس 2022 وبثتها قناة الشاهد الإلكترونية، ضرب مثالا بالإنسان المريض الملتزم بوصفة الطبيب مقدارا وأوقاتا فيجد في دوائه راحة وشفاء، عكس المريض الذي لا يلتزم بالوصفة الطبية.

والوصفة الصحيحة للصلاة قدمها الطبيب الأول الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي قال: “صلوا كما رأيتموني أصلي”، ومقتضى هذا الحديث، حسب الباحث في قضايا التربية والتعليم، يفترض إتقان شكل الصلاة من ركوع وما فيه من أذكار، وسجود وما فيه من تبتل واقتراب، والتشهد الذي فيه عهد مع الله سبحانه وتعالى وغيرها من أركان الصلاة. إضافة إلى الحال الذي هو استحضار العظمة الربانية، لأن الإنسان المصلي، يزيد العسلي شارحا، هو ضيف عند الرحمان ملك الملوك ينبغي أن يأتيه بهيئة تليق بالمقام الرباني، كما علمنا الملك نفسه في قوله جل شأنه: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وهذا التجانس بين الشكل والحال هو الذي يعد فعلا، حسب المتدخل، إقامة للصلاة التي تثمر الراحة للمصلي، فليس كل مصل هو مقيم للصلاة…

ولا تكون الصلاة مقامة، يبسط العسلي فكرته أكثر، إلا إذا أقيمت في نفس المؤمن سلوكا وحالا وأقوالا، ثم يقيمها أيضا في أحواله الخارجية؛ في محيطه وجماعته ومجتمعه، لأن جل الآيات التي وردت في القرآن الكريم، يزيد، لا تتكلم عن أداء الصلاة، بل عن إقامة الصلاة بصيغ كثيرة ومتعددة، مثل قوله تعالى في فاتحة سورة البقرة: أَلَٓمِّٓۖ ذَٰلِكَ اَ۬لْكِتَٰبُ لَا رَيْبَۖ فِيهِ هُديٗ لِّلْمُتَّقِينَ اَ۬لذِينَ يُومِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ اَ۬لصَّلَوٰةَ (صيغة المضارع)، وقوله تعالى: ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ (صيغة الماضي)، وقوله عز وجل: وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (صيغة الأمر)، وقوله أيضا: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ  (صيغة اسم الفاعل) وغيرها من الصيغ.

طالع أيضا  الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ينعي الدكتور محمد اللياوي عضو الاتحاد

ويستنبط الأستاذ الباحث فائدة دقيقة من هذه الآيات وغيرها وهي أنها أغلب هذه الآيات جاءت في صيغة الجمع وقليل منها ما أتى على صيغة المفرد، مما يعني أن إقامة الصلاة تقتضي الجماعة..

وعن إقامة الصلاة في محيط الإنسان، أوضح العسلي أن ذلك يتطلب أن تأمر الصلاة صاحبها بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وأول مظاهر هذه الإقامة، يقول، هو بر الوالدين؛ لأن الصلاة صلة، لا تصح وقطع صلة الرحم. والصلاة أيضا، يضيف، درس لمواساة المظلوم، والإحسان إلى الجار، والسعي على الأرملة والمسكين والمحتاج لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر”، متفق عليه.

ومن مقتضيات إقامة الصلاة أيضا، حسب المتدخل، إقامة البيوت حتى تكون مستقرة بالإحسان للأزواج والأهل جميعا، بل للناس عامة، وضرب في ذلك أروع الأمثال بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان خادما لأهله وبيته حتى يسمع آذان الصلاة فيهرع إليها كأنه لا يعرفهم. كما عزز كلامه أيضا بقصة العجوز التي أسلمت بعد أن خدمها رسول الله وحمل عنها حطبها… ليستخلص محدثنا في هذه الندوة خلاصة مهمة وهي أن الصلاة لا ينبغي أن تكون لازمة لأنفسنا بل متعدية نقيمها في غيرنا أيضا.

وفي كلمته الختامية ربط العسلي بين إقامة الصلاة في النفس والمجتمع وضرورة البحث عن من يدل المؤمن على كيفيات تلك الصلاة المرجوة على منهاج النبوة، ثم لا بد له من جماعة لما سبق ذكره من ارتباط إقامة الصلاة بالجماعة، ثم إن الصلاة، بحسبه ما وضعت إلا لذكر الله تعالى، قال سبحانه: فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ، والصدق أيضا شرط ومناطه المداومة عليها في قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ.

طالع أيضا  السلطات المغربية تقرر الإغلاق الليلي في رمضان من الثامنة ليلا إلى السادسة صباحا

هذا وقد شارك في تأطير هذه الندوة  إلى جانب الأستاذ محمد العسلي الباحث في التربية والتعليم كل من الأساتذة: الدكتور محمد ركراكي الباحث في الفقه الإسلامي، والأستاذة زينب التدلاوي الباحثة في قضايا التاريخ الإسلامي المعاصر، وأستاذ التجويد والقراءات عز الدين صامبا، وأدار أشغالها الدكتور عبد الصمد المساتي.