أداء الصلاة يوميا، وفي المسجد ما أمكن، ممارسة ضرورية للنمو الإيماني لدى الطفل المسلم. ينمو جسمه وتنمو معه عقيدته، وترسخ الصلاة في ذهنه، ويتعلق قلبه بالمسجد. فإذا كانت المحافظة على الفطرة من الحاجيات الضرورية للطفل فإن أداء الصلاة والمحافظة عليها يمثل الاستجابة الطبيعية لنداء الفطرة. والتدريب المبكر عليها يسهل الاستجابة المطلوبة. فلا نترك الأطفال حتى يكبروا، وتنصرم السبع والعشر سنوات، ثم نبحث عن الحلول لامتناعهم عن أداء الصلاة.

وقد أمر الله عز وجل الأبوين بتعليم أبنائهم الصلاة وحملهم مسؤولية ذلك في قوله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ 1 فأرزاقهم مضمونة عند الرزاق، والأمر والنهي مسؤولية تربوية يحاسب عليها الأبوان. ولذلك فإن مهمتهما كبيرة، تتطلب الصبر والمصابرة، وتنويع الأساليب التربوية على طول خط الزمن، حتى ترسخ أقدامهم بالمساجد. ومن شأن تعويدهم عليها في الصغر أن يرسخ أساس الإيمان في قلوبهم فتتعلق بالله عز وجل.

لا يقتصر تعويد الصلاة للأطفال على تعليمهم الصلوات الخمس المفروضة فقط، بل يستحسن معرفتهم أنواع الصلوات الأخرى، كالصلوات الرواتب، وصلاة الضحى، وصلاة الجنازة، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الحاجة، وصلاة الاستخارة، وصلاة الخوف، وصلاة الكسوف، وصلاة الخسوف. يتعرفون عليها وعلى شكل أدائها، ويؤدون بعضها فرادى أو مع الجماعة. منها يتعلمون الهرع إلى الله عز وجل في الأفراح والمخاوف والأحزان. ويتعلمون ربط حاجة الإنسان بخالق الأكوان.

تُحقق التربية على الصلاة وفي المسجد، زيادة على ذاك، حاجتهم للانتماء إلى جماعة تضمن لهم الأمن والأمان. فهم ليسوا فقط بحاجة للانتماء إلى أسرة عِرْقية يأتمنون في سِرْبِها، ولكنهم أيضا في حاجة إلى الانتماء إلى جماعة مسجدية، تأتَمِنُ بها فطرتهم. ولا شك أن وجودهم المتكرر في صف الصلاة يحقق لهم ذلك. ومن ثمة فإن الحرص على تعودهم عليها من أولويات الأسرة المسلمة والدولة المسلمة.

ولا يمكن الحديث عن تربية الأطفال على الصلاة دون الحديث عن المسجد وعن التربية المسجدية. فالمسجد هو الحضن الرحب. يترددون عليه، ويكبر ارتباطهم به. تضمهم صفوفه بدفئها، وتدمجهم في أجوائها الإيمانية. منها يستقون من ينابيع الوحي ويستنيرون بأنواره، وبها يحتمي إيمانهم بالله عز وجل من التيارات الهدامة. يقول الإمام عبد السلام ياسين: “أول خطى الطفل إلى المسجد. يأخذ بيده أبوه وعمه وأخوه. مناسبة يحتفل بها في الأسرة، ويُلبس الطفل لباس الأعياد، ويصور ليحفظ في ذاكرته بحدث مهم في حياته” 2

طالع أيضا  صناعة الحرية.. كتاب ماتع يقرأ فيه الدكتور الفراك التجربة السجنية للأستاذ عبد السلام ياسين

 الصلاة والمسجد شيئان متلازمان في تربية الأطفال. يخاطب بهما الأبوان فطرتهم التي سمعت الأذان يوم ولادتهم، فيعودونهم عليها، حتى يصبح ارتياد المسجد جزءًا لا يتجزأ من سلوكهم اليومي. من البيت تبدأ التربية المسجدية في سن مبكر، وتستمر باعتيادهم لعمارة المساجد. ويكون أداؤهم لها في المسجد بعد تقدم سنهم مقياسا من مقاييس حسن سلوكهم. ومن التربية المسجدية يتعلم الأطفال صحبة المؤمنين، وحدة صف المسلمين، والحرص على استقامة الصف، والتموقع داخل الصف، وتبليغ رسالة المسجد. يقول الإمام عبد السلام ياسين: “موعدنا مع الإنسان لنسلمه الرسالة فيقبَلَها، معتزا بنا أن جئناه بها وقرعنا بابه، يوم من أيام الله يكون نشأ فيه جيلا قرآنيا مسجديا. القرآن الرسالة والمسجد عاصمتها” 3. ومن نافلة القول، إن صلاح الأجيال الصاعدة يتوقف على مدى ارتباطهم بالمسجد والقرآن الكريم. ولذلك وجب صبر المصلين في المسجد على خفة بعض الأطفال. فرشدهم برفق المؤمن والتجاوز عن بعض حركاتهم من شأنه أن يزيد حبهم للمسجد ولصحبة المؤمنين عامة.

ولا تستقيم تربية الأطفال على الصلاة بمعزل عن تربيتهم عن بقية السلوك الذي يشكل المنظومة القيمية الإسلامية. فهي كلها تفتل في نسق من القيم التربوية الفردية والمجتمعية لتجعل منهم مؤمنين صالحين، ولتسبغ الأمة بروحانية إسلامية تقربها من الله عز وجل. ترتبط الصلاة بتلك المنظومة القيمية، المشكلة من شعب الإيمان، ارتباطا لا يمكن فصل بعضها عن بعض. فالصلاة والصدق والأمانة والعدل والشجاعة وغيرها من شعب الإيمان تشكل في مجملها الأسس النفسية والعقدية التي ستحكم علاقتهم بالله عز وجل. وارتباطها ببقية شعب الإيمان هو ما يجعل منهم أطفالا مؤمنين أقوياء أمناء. لا مؤمنين منعزلين ينفعون أنفسهم ولا ينفعون غيرهم.

ولعل من أهم المعيقات التي تجعل الأطفال غافلين عن أداء الصلاة هو ضعف أو غياب دور الوالدين: فبعض الآباء يفتقرون لوعي ديني يربطهم برؤية إسلامية جامعة. تراهم يحرصون على النجاح الدراسي لأبنائهم، ويحرصون على تلقيهم لدروس الدعم، واستفادتهم من القاعات الرياضية وغيرها. ولكن الصلاة في وقتها لا تشكل همّا كبيرا لديهم. بل ولا تندرج في مخططاتهم العائلية. غفل عنها الآباء فغفل عنها الأبناء. وإذا تمَّ، لا قدر الله، أن مرت السبع سنوات والعشر سنوات التعليمية الأولى ولم ترسخ الصلاة في ذهن طفل مَّا فإن إقناعه بها يكون غاليا، إلا من رحم ربك. إن ضعف الوازع الديني ومحدودية الوعي بالتربية المسجدية لدى هؤلاء الأسر يجعل الصلاة لدى أبنائهم، مجرد واجبٍ ديني ينتهي بأدائها. وهذا الوضع ورثته أغلب الأسر عبر تاريخ حكم العض والحكم الجبري. ولاشك أن ضعف التربية الوالدية وبال على الأطفال وعلى الأمة ككل، لأنه يجعل الأجيال الموالية يؤدون الصلاة تقليدا وعادة من العادات التي وجدوا عليها آبائهم. فلا ترقى بهم صلاتهم في درجات الإيمان، ولا يرقى إيمانهم بالأمة في خضم الصراع الحضاري القائم.

طالع أيضا  تعنيف واعتقال "أساتذة التعاقد".. والحكومة الجديدة تخفق في أول امتحاناتها

ومن جهة أخرى فإن ضعف تركيز البرامج التعليمية على تربية الأطفال على الصلاة وارتياد المساجد، وبُعد جل المدرسين عن أداء الواجب الرسالي الذي جاء به الوحي، جعل اهتمام الأبناء بالصلاة باهتا، وكرس الضعف الذي غرسه الاستعمار وعمقه الحكم الجبري و رضخ له الوضع الأسري. واليوم نشهد مساعي علمانية ويسارية زاحفة تستهدف تجفيف البرامج التعليمية من كل موروث إسلامي، وقطع ما بين الأطفال والقرآن الكريم من صلة، لتخريب الجسور التي تربط النشء بربه. لذا نجد أن وقوف البرامج التعليمية على الصلاة شيء عابر، لا يكاد يرسخ في أذهان الأطفال شيئا منها.

ومن الخارج تهُبُّ مؤثرات مدروسة تستهدف أبناء المسلمين لتعمق ما أنتجه ضعف الوازع الديني الأسري وضآلة وعيها الحضاري. فغير بعيد عن التربية الوالدية تتنازع أبناؤنا تيارات إلكترونية هدامة وألعاب كُرَوِيَّة تلهيهم عن الصلاة في وقتها، وتجعلهم يستغرقون في خلوة إلكترونية مضرة. ينتقلون من لعبة إلى لعبة، إلى ما لا يراقبه أحد. يتشربون، بل ينهلون، من توجهات فكرية غريبة وخطيرة على مستقبلهم الدنيوي ومستقبلهم الأخروي، في غفلة الأبوين وعجزهم عن القيام بأي خطوة توقف زحف الخطر. والأمَرُّ من ذلك أن الرقابة الأبوية مطمئنة عليهم ما داموا لا يسببون الإزعاج لأحد في البيت. ولا يكادون يستيقظون حتى يجدوا الأبناء محشوين بوعي مزيف، صنعته أياد لا تنام عن صناعة غثاء مقطوع الصلة بدينه. وبعد ذلك يكون العلاج باهظ الثمن.

وإذا كانت وقاية الأبناء من عوامل الهدم مهمة في العمل التربوي فإن وقايتهم من النار أولى. قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ 4. والأمر بإقامة الصلاة هو أحد أسباب وقاية أهلنا صغارا وكبارا من النار. فأبناؤنا أمانة في أعناقنا. والأولى أن نشفق عليهم من النار، ونأمرهم بالصلاة لنصل فطرتهم برب العباد، فنَأمَن على حياتهم الدنيوية والأخروية.

طالع أيضا  فضل شهر الله المحرم ويوم عاشوراء

إن أداء الأبناء للصلاة في المسجد يحميهم من التيارات الهدامة التي تتربص بهم، ويساعدهم على التخلي عن السفاسف والتحلي التدريجي بشعب الإيمان ويربطهم بصحبة المؤمنين فيتشربون الإيمان. يبدأ صرح البناء من البيت، ويساهم فيه المدرس وكل الفاعلين الاجتماعيين. وهذا هو السبيل للحفاظ على الفطرة، كي ينشؤون أمناء أقوياء ذخرا للأمة.


[1] سورة طه. الآية 132.
[2] تنوير المومنات، عبد السلام ياسين. مطبوعات الأفق، ط 1، الجزء2. ص: 259.
[3] نفس المرجع. ص: 258.
[4] سورة التحريم. الآية 6.