حسب نظري للأمور، الذي ينبثق من فهمي واستيعابي لها بعقلي، أرى، والله أعلم، أن وراء كل ظاهرٍ باطنٌ.
يوجد وراء كل عقلٍ ناظر قلبٌ يعقِل به ونفسٌ وروح.
يقول الحق عز وجل: أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
القلب أمير وآمر للجوارح، بما فيها العقل الذي به نتعلم وبه نفهم وبه ننظر وبه نُقيِّم ونحكم وننتقد.
وترافق القلب في ذلك..
نفس خبيثة وأمارة بالسوء،
أو نفس لوامة،
أو نفس مطمئنة راضية مرضية.
وعلى قدر تزكية تلك النفس وتطهيرها من خبثها وسوئها وشوائبها ترتفع مع القلب من المقام الأدنى إلى المقامات العليا، فيتنور الباطن كله بتلك التزكية ويُشع نوره على العقل،
فتنفتح البصيرة ويرتفع ويتحسن التعلُّم والفهم والنظر والتقييم والحكم والنقد، فيصبح العقل لُبّاً ويؤت الحكمة.
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [البقرة: 269]
فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 17، 18]
طبعا للعقل وظيفتُه الخاصة به كما للِّسان وللعين وللأذن ولسائر الجوارح وظائفها الخاصة.
وصلاح وظائف جوارح الجسد كلها وصلاح أعمالها رهين بصلاح القلب.
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه.
وشروط تزكية هذه النفس وتطهيرها، وتنوير هذا القلب وإصلاحه لكي يُنير وظيفة العقل ويصلحها هي:
أولا، نية صالحة وعزم صادق وإرادة حقيقية في طلب الترقي بالنفس من المقام الأدنى إلى المقامات العلى؛
مبدؤه ومبعثه يقظة وشعور بالذنب واتهام مستمر للنفس الدنيئة ورغبة في التحرر من دناءتها وأكبالها.
ثانيا، لضعف هذه النفس ولجهلها ولقلة حيلتها ولحيرتها، يجب أن تبحث لها عن بيئة تربوية فيها صحبة تأخذ بيدها وتعينها على تحقيق عزمها وإرادتها في الترقي. وبرهان نيتها وصدقها الصبرُ مع هذه الصحبة في هذه البيئة.
ثالثا، للقدرة على السير واقتحام عقبة الترقي يجب عليها بذلُ الجهد، بصدق، لاكتساب قوة السلوك واقتحام العقبة، لبلوغ تلك المقامات المتتالية تِباعا، وذلك بإقامة الصلاة أولًا ثم بالذكر الكثير والنفل والدعاء.
على قدر صدقك في الطلب،
وعلى قدر صدقك في الصحبة في الجماعة،
وعلى قدر صدقك في الذكر،
تنفتح بصيرتُك ويتحسنُ تعلمك وفهمُك ونظرك وتقييمك وحكمك ونقدك.
وعمى الأبصار أو حوَلُها، وسائر النقص الذي في الجوارح كلها، رهين بعمى القلوب أو حوَلِها.
وعمى القلب أو حولها سببه خبث النفس أو سوءها أو انحراف أهوائها.
ولعلاج ذلك العمى أو ذلك الحول، بعد الشعور به:
وجب الاشتغال على النفس وصقل القلب وتنقيته بالصحبة في الجماعة والذكر أولا،
ثم اكتساب العلم النافع بالتعلم وبالبحث المستمر، المثمر للحكمة ثانيا،
ثم القيام بالعمل الصالح والتخلق بالخلق الحسن ثالثا.
وهذه الثلاث، كلها أفعال وأعمال وسلوك يغذي بعضها بعضا.
في الأخير أقول لنفسي:
لكي أكون ذا نظر ينم عن لب ذي حكمة وجب علي تطهير قلبي من أرجاسه وتزكية نفسي من رعوناتها ليفيض نور باطني على ظاهر عملي وخلقي.

طالع أيضا  مواقف الصالحين في الحج