باسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى الآل والصحب ومن والاه.

كان شهر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة النبوية على وشك الانقضاء، حينما خيّمت أجواء المرض على المدينة بأسرها وكأنما هو بلاء أصاب كافّة ساكنيها، كان مولانا رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- يشكو وجعا في رأسه وكان الصحابة من شدّة حبّهم له يئنّون ويتألمون.

كان الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلّم يعلم أن الأجل قد حان، وأن الرحيل آن، وأنّ الرجعى إلى الرحمان، وكان الصحب الكرام يتضرّعون إلى المولى -عز وجلّ- أن يعافيه ويعيده كما كان.

وها هو ذا بلال يصدح بالأذان…

الله أكبر… الله أكبر

أشهد أن لا إله إلا الله… أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أنّ محمدا رسول الله… أشهد أنّ محمدا رسول الله

ها هو ذا صوته الرخيم الشجي يمخر عباب الصمت الرهيب، ونداؤه العذب الندي يحلّ كلمسة حانية تطبطب على قلوب اكتوت بمرض الحبيب، وكلمات الأذان تغازل الأرواح… تناديها… تداويها… تدعوها للصلاة… وتدعوها للفلاح.

كانت الصلاة قرّة عين المصطفى صلى الله عليه وسلّم… كانت رَوْحه وراحته… وكانت هذه المعاني السامية تنساب من قلبه الشريف إلى قلوب من معه من الأشداء الرحماء الركّع السجّد. ولذلك رغم شدّة المرض، كان يخرج لإمامة الناس في الصلاة، وكان الصحب الكرام -رضوان الله عليهم- يستبشرون بخروجه ويغتبطون برؤيته.

وها قد هلّت ليلة الجمعة لثمان خلون من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة النبوية… وها هو ذا سيدنا بلال –رضي الله عنه- يُوذِنُ مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بصلاة العشاء…

حاول  –بأبي وأمي هو- النهوض ولكنّ الجسد الشريف أنهكته الحمى وسرى فيه سمّ شاة خيبر. فَقَالَ: أصَلَّى النَّاسُ؟ قالوا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: ضَعُوا لي مَاءً في المِخْضَبِ. فَفَعَلوا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عليه، ثُمَّ أفَاقَ، فَقَالَ: أصَلَّى النَّاسُ؟ قالوا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رَسولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعُوا لي مَاءً في المِخْضَبِ. فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عليه، ثُمَّ أفَاقَ، فَقَالَ: أصَلَّى النَّاسُ؟ قالوا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رَسولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ضَعُوا لي مَاءً في المِخْضَبِ، فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عليه، ثُمَّ أفَاقَ فَقَالَ: أصَلَّى النَّاسُ؟ فقالوا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رَسولَ اللَّهِ. 1

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (3)

كانت إقامة الصلاة وإمامة الأمة همّا يشغله صلى الله عليه وسلّم رغم ثقل المرض وشدّته.

ولمّا رأى صلى الله عليه وسلّم أن لا قدرة له على الخروج للصلاة بالنّاس، قال: «مُرُوا أبَا بَكْرٍ أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ» 2 لكن أم المؤمنين عائِشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- خافت على أبيها أنْ يَتشاءَمَ النَّاسُ مِنه ؛ لأنَّه حَلَّ محَلَّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأرادَتْ أنْ تَدفَعَ عنه ذلك، فقالتْ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ وإنَّه مَتَى ما يَقُمْ مَقَامَكَ لا يُسْمِعُ النَّاسَ، فلوْ أمَرْتَ عُمَرَ» لكنّ مولانا رسول الله صلى الله عليه و سلّم لم يأبه بكلامها وكرَّرَ قولَه: «مُرُوا أبا بكرٍ يُصلِّي بِالنَّاسِ»، فاستعانت السيدة عائشة بالسيدة حفصة رَضيَ اللهُ عنهما و طلبت منها أن تقول لرسول الله بأنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ، وإنَّه مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لا يُسْمِعُ النَّاسَ، فلوْ أمَرْتَ عُمَرَ. فلمَّا سمِع النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلك قال: «إنَّكنَّ لَأنْتُنَّ صَواحِبُ يُوسفَ». 3

 فأرْسَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى أبِي بَكْرٍ َأنْ يُصَلِّيَ بالناس، فأتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأْمُرُكَ أنْ تُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ – وكانَ رَجُلًا رَقِيقًا -: يا عُمَرُ صَلِّ بالنَّاسِ، فَقَالَ له عُمَرُ: أنْتَ أحَقُّ بذلكَ، فَصَلَّى بهم أبو بَكْرٍ –رضي الله عنه-.

كانت ثلاثة أيام صلّاها أبو بكر بالنّاس، ومن شدّة ذلك عليهم، عدّ الصحابة رضوان الله عليهم عدد تلك الصلوات التي صلاّها، فقالوا هي سبع عشرة صلاةً.

ولمّا كانت صلاة الظهر من يوم السبت أو الأحد، وجَدَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بيْنَ عمّه العبّاس بن عبد المطّلب وابن عمّه وصهره علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ورِجْلَاهُ يَخُطَّانِ في الأرْضِ، حتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ.

طالع أيضا  إلى عرفات الله

كان أبو بكر قد شرع في الصلاة… فَلَمَّا سَمِعَ حِسَّ الحبيب صلى الله عليه و سلّم، ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فأوْمَأَ إلَيْهِ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يبقى مكانه، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى جَلَسَ عن يَسَارِ أبِي بَكْرٍ، فَكانَ أبو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أبو بَكْرٍ بصَلَاةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسُ مُقْتَدُونَ بصَلَاةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه.

كانت هذه آخر صلاة صلاها مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع أصحابه.

وها قد أبلج صبح يوم الاثنين، وبينما المسلمون في صلاة الفجر ـ وأبو بكر يصلي بهم ـ إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف ستر حجرة السيدة عائشة –رضي الله عنها- ومحيّاه الشريف كالشمس الطالعة، نظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فأشرقت وجوههم، وتهلّلت أساريرهم، نكص أبو بكر على عقبيه، ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة. وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. 4

ظنّ الصحابة -رضي الله عنهم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شفي من مرضه، ففرحوا واستبشروا ولعلّهم قضوا صلاتهم تلك يحمدون الله تعالى ويشكرونه أن ردّ عليهم حبيبهم.

لم يكونوا يعلمون أن تلك النظرة كانت نظرة الوداع، وأنه أطلّ عليهم ليرى كيف يحافظون على الصلاة، كيف يحفظون عمود الدين وعماده. كيف يصونون فسطاط الدين وأوتاده…

ثم لم يأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت صلاة أخرى.

طالع أيضا  د.عكرمة صبري: ارتباطنا بأرضنا عقيدة ومواطنتنا مستمدة من الله وليس من مجلس الأمن أو أمريكا وغيرها

ولما حضره الموت، كانت الصلاة همّه الأعظم فظل –صلى الله عليه وسلّم- يوصي بها: «الصَّلاةَ وما ملَكَت أيمانُكم، الصَّلاةَ وما مَلَكت أيمانُكم.» 5 يعيدها ويكرّرها، حتَّى جعلَ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ يُغرغرُ بها صدرُه، وما يكادُ يفيضُ لها لسانُهُ. 6

رَبِّ اِ۪جْعَلْنِے مُقِيمَ اَ۬لصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِےۖ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِۖۦ (42)(أسورة إبراهيم الآية 42)

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد و آله وصحبه و حزبه. 


[1] رواه البخاري و مسلم عن أمنا عائشة رضي الله عنها.
[2] رواه البخاري و مسلم عن أمنا عائشة رضي الله عنها
[3] رواه البخاري و مسلم عن أمنا عائشة رضي الله عنها.
[4] (680)، و عند مسلم (419) عن سيدنا أنس بن مالك  القصة عند البخاري
[5] (رواه السيوطي في الجامع الصغير عن ابن عمر رضي الله عنهما، و مثله عند أبي داود و أحمد و ابن ماجة عن سيدنا علي رضي الله عنه)
[6] أخرجه النسائي في (السنن الكبرى) (7095)، وابن ماجه (2697)، وأحمد (12169) باختلاف يسير عن سيدنا أنس رضي الله عنه..