بقلم: الطيب أكراد

يعتبر التجديد موضوعا بالغ الأهمية في الفكر الإسلامي وعند الحركة الإسلامية وروادها بالنظر إلى أصالة المفهوم ومركزيته في كل ما يكتب حول الإصلاح والتغيير والنهضة.

نظرا لِلّبس الذي يعتري موضوع التجديد، والخلط الشنيع الذي يقع فيه كثير من خاصة أهل الفكر بله عامتهم، أحاول إن شاء الله في هذه المقالة الحديث عن مفهوم التجديد وإماطة اللثام عن بعض أبعاده، باختصار يفرضه المقام، وتركيز فقط على المعنى الشمولي للتجديد، متجاوزا بذلك التفصيلات الكثيرة التي أوردها كل من كتب وألف في الباب.

 تعددت تعريفات التجديد لأسباب ذاتية وموضوعية، وتدور في مجملها حول إحياء ما اندرس من رسوم الدين، وحمل الناس على التمسك بتعاليمه. ذكر السيوطي في جامعه الصغير أن: «المراد بتجديد الدين، تجديد هدايته، وبيان حقيقته وأحقيته، ونفي ما يعرض لأهله من البدع والغلو فيه، أو الفتور في إقامته، ومراعاة مصالح الخلق، وسنن الاجتماع والعمران في شريعته» 1، وعرفه الشيخ المودودي وهو من المتأخرين بقوله: «التجديد في حقيقته هو تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصا محضا على قدر الإمكان» 2.

التجديد عبر تاريخ الفتنة:

انتقُضت عُرى الإسلام بعد الفتنة الكبرى كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، قال صلى الله عليه وسلم: «لتُنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة» 3. افترق السلطان والقرآن ودخل القرآن وأهل القرآن تحت سطوة أنظمة العض والجبر. وفي تلك الآونة دُونت العلوم وازدهر التأليف، ولكن نالها ما نال الدينَ من الانكسار والتشظي حتى غابت النظرة الجامعة لأجزاء تلك العلوم بما هي آلات لفهم الدين وليست الدين نفسه. إذْ الاجتهاد في الجزئيات العبادية والأحوال الشخصية وفقه المعاملات والأحكام السلطانية لا يرقى أن يسمى فقها تجديديا ما لم يجمع هذه الأحكام كلها في نظرة شمولية، لتأخذ كل قضية مكانها في البنية الإسلامية السليمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعالميا، وهذا ما نقصده “بالفقه المنهاجي”.

طالع أيضا  تونس.. الرئيس يقود "انقلابا" على الدستور والبلاد تنفتح على المجهول

التبس على الناس مفهوم التجديد كلما ابتعدوا عن القرون الفاضلة. فبعد أن أجمعوا على اعتبار عمر بن عبد العزيز مجدد القرن الأول، بالنظر إلى الانجازات العظيمة التي حققها في ميادين السياسة والحكم ونظام المجتمع، وذلك برد الأمر إلى نصابه بإخضاع السلطان لوازع القرآن. لكن تجربة “الخليفة الخامس”-وهو اللقب الذي حازه عمر بن عبد العزيز بسبب قومته على الظلم والاستبداد- لم تدم أكثر من سنتين، ثم انقلبت عليه العصابة الملوكية من بني أمية. فصار -بعد ذلك- التجديد والمجددون في غالب قرون العض والجبر لقبا علميا يميز البارزين والمتميزين في حقول المعرفة المختلفة كعلوم الحديث والفقه والتفسير والأصول وغيرها أمثال الامام الشافعي والغزالي والباقلاني وابن دقيق العيد وغيرهم… ومن مشايخ التربية والسلوك ذكروا الإمام السرهندي وولي الله الدهلوي وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. وقد يظهر  في التاريخ الإسلامي أمير أو ملك صالح يحاول ما حاوله عمر بن عبد العزيز رحمه الله، يكونون منارات ونماذج للتجديد العام والشامل، أمثال السلطان صلاح الدين الأيوبي والملك أورلنك سيب، ويوسف بن تاشفين، رحم الله الجميع وجزاهم عن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الجزاء.

التجديد المحمود:

رأينا كيف كان هذا التشظي سببا في تعويم واختزال مفاهيم أساسية في الإسلام كالخلافة والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى صارت أسماء بدون مسميات. وصار الاجتهاد والنبوغ في … تتمة المقال على موقع ياسين نت.


[1] السيوطي، الجامع الصغير، عباس أحمد صقر – أحمد عبد الجواد، المكتبة التجارية، مكة المكرمة.
[2] أبو الأعلى المودودي، موجز تجديد الدين وإحياؤه، دار الفكر الحديث، لبنان، ط2، 1967، ص 25.
[3] السيوطي، الجامع الصغير، الحديث رقم: 7214.