كان لدي صديق طيب لكنه لا يصلي. كان يؤلمني أن أشاهده يتصرف بنبل وشهامة لكنه لا يصلي. كنت أستغرب من قدرته على عدم الصلاة. يستيقظ صباحا، يغسل وجهه وينظف أسنانه ويتناول فطوره ويتوجه الى دراسته دون أن يصلي.

لم أفهم كيف كان يواجه يومه دون صلاة، فأنا أميل إلى الاعتقاد بأن الصلاة ليست عمادا للدين فقط بل للشخصية أيضا وللمجتمع وللحضارة. أعتقد أنها الضوء الساطع وسط عتمة اليومي المظلم والواحة التي نلجأ إليها وسط صحراء الواقع الملتهب.

تفرقت بنا السبل أنا وصديقي، حتى عاد هذه السنة الى المدينة ومعه ولد وبنت وسيارة فاخرة. تعانقنا وطال بنا الوقوف ونحن نتحدث عن سنوات الطفولة ودهشة الصبا. فجأة ارتفع الأذان فصمت، تابع كلماته وردد الدعاء ثم دخلنا المسجد معا وهو ينعت لولديه مكان الوضوء في مسجد حينا الصغير.

عندما خرجنا من المسجد أخبرني أنه سافر كثيرا، وشاهد مدنا وبحارا، وقابل فلاسفة وعشاقا، ودخل قصورا باذخة وأكواخا فقيرة، وجرب النجاح والفشل والحب والكراهية والغنى والفقر، وعاش حياة مليئة بالتجربة والسفر والقراءة والتأمل، لكنه اعترف بأنه لم يكتشف معنى السعادة، إلا خلال تلك اللحظات التي كان يسجدها في بيت الله الحرام فى مكة.

أخبرني أنه عندما غادر المدينة قبل خمسة عشر عاما، مهاجرا في قارب سري شاهد الموت أكثر من مرة.  ارتعشت عظامه من الخوف. قال أنه رفع يده ليدعو الله لكنه لم يعرف ما يقول.

من ألطاف الله أنهم وصلوا سالمين. تركت هذه التجربة أثرا عميقا في نفسه دون أن يحدث عنها أحد. أدهشه كل هذا الخوف من الموت لكنه مع مرور الوقت نسي كما ينسى الناس. تقلب في مدن أوروبا وجد عملا نبيلا وزوجة جميلة وجاءته الدنيا بزخارفها، حتى عاوده ذات ليلة إحساس الغرق. كان يشعر أنه يهوي في الماء نحو القاع. فجأة سمع صوت أقدام جاره السينغالي ذاهبا إلى مسجد قريب من سكناهما لصلاة الصبح. في الحقيقة هو مرأب للسيارات تم اكتراؤه من طرف الجالية المسلمة في جزر الكناري من أجل الصلاة وتعليم الأطفال اللغة العربية. قال أنه منذ ذلك الفجر بدأ الصلاة.

طالع أيضا  ذ. فتحي: الجبهة تروم حماية وحدة النسيج المجتمعي المغربي من سرطان التطبيع

تنهد ضاحكا وهو يخبرني أنه عند الإقامة لَم يَكُن هناك إمامٌ يتقدَّمُهم بعد، فتَوَسَّم الناس فيه خيرًا لأنه مغربي فقَدَّموه. 

صديقي يحفظ قصار السُّوَر من المدرسة الابتدائية. أتذكر أنه الوحيد الذي جاء بعد العطلة حافظا لسورة الرحمن. الوحيد الذي لم يضربه المعلم ذلك اليوم. أخبرني أنه أمام المنبر شعر بالدهشة. بدأ يرتجف ولم يتذكر من القرآن إلا سورة الفلق. أعادَ سورة الفَلَق في الركعة الأولى والثانية، لَم يستطع الخروج منها.. لكنّه في الثانية ثَبَتَ واستقَرّ، حين انتهت الصّلاة خَرَج مُسرعًا. قال أنه بكى كما لم يبك من قبل. أبلغني أنّه شَعَر لأوّل مرةٍ في حياته أنّ الله اختاره. لفنا الصمت لحظة قبل أن يبتسم وهو يذكر فضل الله الذي ساقَه لجزيرة نائية لا يسمع فيها الأذان، قطَعَ آلاف الكيلومترات وهو على مركب صغير مزدحم يجري به في موج وظلمات، انتقل من مكانٍ لآخر، كهجرةٍ وولادة ثم جاء الفتح الأكبر حين اكتشف الصلاة. قال أنه منذ ذلك اليوم لم يترك الصلاة وهو يُحاول بين سقوطٍ ونهوض، بينَ شَدٍّ ورَخاء، يعيش مثلنا؛ في ظِلّ السّتر وألطافه.

رحل صديقي بعد أن أمضى يومين في المدينة. رجع الى إحدى مدن الشمال حيث أسّس أسرة وبيتا وحياة مضيئة. في آخر يوم له جلسنا في المسجد نتأمل الناس؛ كنا مختلفين، في العمل، في الهَمّ، في الطمأنينة والسكون، في الفكرة والمسار، في الآلام والآمال، في الاهتمامات والغايات، في المشاكل والحلول، في تفاصيل الحياة، كل شيءٍ مختلف. تجمعنا الصلاة ويجمعنا أنّنا جميعًا نحتاج إلى الله.