جماعة المسلمين وأسئلة اليوم

نكتشف عند تتبع مسار تاريخ المسلمين أنه كلما بعدنا عن مرحلة نشأة “جماعة المسلمين” إلا وازدادت الرؤية غبشا، والفهم غموضا حتى أصبح النكير على من ينتصر للمصطلح النبوي. فالمصطلح في عهدي النبوة والخلافة على منهاج النبوة واقع شاخص لا يحتاج إلى تعريف، ثم بعد أن وقعت الفتنة وتطاول الأمد على العلماء والفقهاء أصبح الاختلاف في تعريفه، ثم أصبح المفهوم غريبا حتى في فقه الحركة الإسلامية غربة هذا الدين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

غاب المفهوم في أغلب البناءات الفكرية للعلماء والمفكرين الإسلاميين، غياب زاد من خطورته حضوره في سياق آخر بدلالاتين في سياقين وخيمين:

دلالة أولى تكفيرية بتبني بعض الجماعات مفهوم “جماعة المسلمين”، وارتكازها على حديث “تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال” 1، فجعلوا أنفسهم المعنيون بالحديث، وزكوا أنفسهم، وكفروا من عداهم حتى ولد فقههم التكفيري عنفا مدمرا تجرعت منه أمة النبي صلى الله عليه وسلم العلقم، ويسر على أعداء الدين وخصومه إلصاق تهمة الإرهاب به.

دلالة ثانية انقيادية بتبني أنظمة الجبر والاستبداد لمفهوم الجماعة باعتبار السلطة التي استحوذوا على نواتها الصلبة، وكل معارضة لها تعرض صاحبها للعقاب الدنيوي والأخروي، يزكي ذلك فقهاء السلطة الذين لا يسأمون من تكرار وجوب الطاعة للحاكم لأن طاعته من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليّاً لمعاني الأحاديث النبوية في هذا الباب، وهو ما أدانه الشيخ رشيد رضا رحمه الله مبكرا، حيث أكد أن “لفظ (الجماعة) إنما كان يراد بـها جماعة المسلمين التي تقيم أمر الإسلام بإقامة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن صارت كل دولة أو إمارة من دول المسلمين تحمل كلمة الجماعة على نفسها، وإن هدمت السنة، وأقامت البدعة، وعطلت الحدود، وأباحت الخمور. ومثال اختلاف الأحوال تعدد الدول، فأيها تجب طاعته والوفاء ببيعته؟ وإذا قاتل أحدها الآخر فأيها يعد الباغي الذي يجب على سائر المسلمين قتاله حتى يفيء إلى أمر الله؟ كل قوم يطبقون النصوص على أهوائهم مهما كانت ظاهرة” 2.

طالع أيضا  ابتدائية سلا تحجز ملف "ياسر عبادي" للمداولة والنطق بالحكم يوم 24 يناير

لعل من دواعي إحياء هذا المفهوم بدلالاته القرآنية والنبوية أن يُدفع عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. كما أنه لا يمكن ادعاء تجديد الدين، وإحياء سنة سيد العالمين دون التوسل بالمطلح القرآني والنبوي في التعبير عن واقع المسلمين ومستقبلهم. يصطنع الإسلاميون لغة حوار معقمة بغية التواصل مع غيرهم، لكنه تواصل لا ينبغي أن يعمي على ضرورة التذكير وبناء الوعي باللفظ القرآني النبوي، وهو لفظ لا ينسخه التاريخ لأنه من الدين. والتفكير في غد دولة القرآن لا يتم إلا بمصطلحات الوحي إلا أن تكون المنطقة منطقة فراغ، والمجال مجال عفو، ففي “طريقنا إلى دولة القرآن، وفي خَطَوات دولة القرآن نحو مجد الإسلام، لا دليل لنا في المهمات، وفي تحديد الأهداف والغاية، إلا كتاب الله عز وجل كما طبقته سنة رسوله عليه من الصلاة والسلام” 3.

لكن من أهم دواعي التهمم بمفهوم جماعة المسلمين تداعياتها على مصير المؤمن في آخرته. ذلك أنه لو تعلق الأمر بالتدبير السياسي، أو التنظيم الإداري، أو التشكيل المجتمعي … لهان الوضع، لكن الأمر أكبر، ودلالته أخطر. وها هي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تترى وهي حاملة للوعيد الشديد في موضوع الجماعة مثلا، ومن أمثلتها:

§       “من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، إلا مات ميتة جاهلية” 4.

§       “من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه” 5.

§       “من فارق الجماعة شبرا دخل النار” 6.

طالع أيضا  وضرب لنا مثلا.. قديم وناقص

§       “من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية” 7.

فلا يمكن لمؤمن ومؤمنة أن يهملا التأمل في معاني هذا المفهوم ودلالاته وهما يقرآن كيف أنه يفرق بين الميتة الإسلامية والميتة الجاهلية، وكيف أن هذه الأحاديث ترفع من شأن وحدة الجماعة حتى تجعلها أمرا فارقا بين الجنة والنار. ولا يمكن للفقهاء والعلماء والمفكرين أن يعيدوا فتل وحدة الأمة الإسلامية على هدى من ربها دون التبصر في نشأة المفهوم، ومعانيه القرآنية، ووظائفه في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وحمولاته الدلالية اليوم في واقع يغاير واقع التنزيل، وهذا من صميم الاجتهاد المجدد الذي يجعل من أولى أولويات أهل الإيمان بناء جماعة المسلمين الجامعة لأبناء الأمة برفقها وحكمتها ومشروع عمرانها الأخوي المنتصر لقيم منهاج السنة الكلي: الشورى، والعدل، والإحسان.


[1] أبو الحاكم النيسابوري. المستدرك على الصحيحين.
[2] الشيخ محمد رشيد رضا “تفسير المنار” الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1990 م. 6/ 303.
[3] عبد السلام ياسين “إمامة الأمة” دار لبنان للطباعة والنشر. ط1/ 2009. ص 85.
[4] الإمام البخاري “الجامع الصحيح” تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. دار طوق النجاة. الطبعة : الأولى 1422هـ. 1/ 130.
[5] صحيح مسلم. 6/ 20.
[6] أبو الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين.
[7] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن.