4. التعليم عن بعد ورهان العدالة الاجتماعية

رغم أن التعليم عن بعد كان هدفا حاضرا في التوجهات الكبرى للمنظومات التعليمية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن تنزيله في الواقع بقي محتشما إلى أبعد الحدود في أغلب دول العالم العربي خاصة في المستويات الدراسية الابتدائية والثانوية. حيث شكلت الدروس المتلفزة أقصى ما أنتجت وزارات التعليم بشكل مؤسسي ومنتظم، قبل أن تتوقف بدورها بسبب ضعف نجاعتها وتأثيرها من جهة، وبسبب الانتشار الواسع للأجهزة الرقمية التي دفعت الأجيال الحالية إلى العزوف عن التلفزة بشكل لافت، مما أدى إلى انخفاض نسب متابعتها. وانصبت أهم جهود وزارات التعليم على رقمنة الإجراءات الإدارية مع بعض المشاريع التربوية التي شملت تكوينات وتجهيزات لفائدة الفاعلين والمؤسسات التعليمية. إلا أن تلقين الدروس وممارسة العملية التعليمية التعلمية عن بعد بشكل ممنهج يكاد يكون منعدما بالكامل.

ومع الظهور المفاجئ لجائحة كرونا مطلع سنة 2020 وجدت الحكومات نفسها مضطرة لإنقاذ الموسم الدراسي عبر اللجوء إلى آليات تعليمية عن بعد، تعتمد إرسال الدروس عبر تطبيقات رقمية أو بثها عبر منصات إلكترونية أو توظيف وسائط التواصل الاجتماعي وغيرها. إلا أن العملية التعليمية لم تكتمل ناجعة، ذلك أن التعليم عن بعد ليس فقط مجرد كاميرات وأنترنيت وتطبيقات وحاملات إلكترونية، بل هو أساسا تواصل وتحفيز ومواكبة للاستعدادات وعقد بيداغوجي بين المعلم والمتعلم. وهي الأسس التي غيبتها سرعة اللجوء إلى التعليم عن بعد قبل إرساء كل شروطه التربوية والبيداغوجية والنفسية والتقنية والبشرية والتكنولوجية. فمنطق الصورة المنقولة هو غير منطق الصورة المباشرة، وتأثير الصوت المرقمن ودفء الحضور الجسدي لا يمكن أن تعوضه أي دعامة سمعية بصرية، خاصة عندما يكون المتحدث من خلالها مدرسا لم يسبق له ان استفاد من أي تكوين أو تأهيل للوقوف أما الكاميرا وإلقاء درس تعليمي، وإيفاء الوضعية ما تستحقه من الشروط التي تحول تواصله البعيد مع المتعلمين إلى تواصل مؤثر وإيجابي. فلا المعلم يمتلك المهارات الكافية لذلك، ولا التجهيزات المتاحة تساعد على تجاوز الثغرات المتوقعة، ولا المتعلم يمتلك تجربة وتأهيلا مسبقا لتقبل هذا النمط التعليمي. لكن هذا الأخير أزاح الستار عن واقع العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين المتعلمين، وأظهر جليا حدود رهانات السياسات التربوية في إرساء مدرسة الإنصاف والمساواة. ويمكن أن نلامس ذلك من خلال مستويين اثنين؛ أولهما من خلال ما تعرضه المؤسسة التعليمية في إطار التعليم عن بعد، وثانيهما من خلال ما يفرضه الوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي من واقع يحد من نجاعة وتأثير الإجراءات التربوية الرامية إلى تحقيق الغايات المنشودة.

أـ محدودية العرض التربوي:

إذا كان خيار التعليم عن بعد تدبير اضطراري استثنائي لحالة طارئة لا تسمح لنا بغيره من أجل ضمان استمرار زمن التعلم افتراضيا، فإن ذلك يعني أننا في وضعية استثنائية لمنظومات تعليمية تعيش أزمة مزمنة واقعيا، وهي غير مهيأة لتقديم تعليم عن بعد ناجع وذي جودة، ولا يمكن أن تتهيأ بين ليلة وضحاها، لأن هناك ضرورة للاشتغال على أكثر من مستوى لضمان تعليم عن بعد ذي مردودية مرضية ومنصفة:

أولا/ إن المناهج والطرائق الديداكتيكية في التعليم عن بعد، هي غير الطرائق في التعليم المباشر. واجتهادات دول العالم العربي على هذا المستوى ما تزال محتشمة. فحتى وإن كانت هناك محاولات ومبادرات لمدرسين مبدعين إلا أن القائمين على الأمر لا يذهبون بها إلى أبعد ما يمكن، ولا توفر لها الوسائل والإمكانيات الضرورية للتطوير. وبالتالي فالأمر يتطلب جهدا مزدوجا؛ في مستواه الأول ينبغي تطوير المناهج البيداغوجية بما يتلاءم مع طبيعة نمط التعليم عن بعد. ثم، في مستوى ثاني، ينبغي استحضار مطلب تكافؤ الفرص في هذه المناهج بما هو تدبير للفروق الفردية والذكاءات المتعددة. “فقد يعاني الطفل أو المراهق من نوبات من الإحباط الشديد إذا لم يتم تلبية احتياجاته الفورية. ويمكن أن ينعكس القلق المتولد عن هذا الموقف بما يحتاج معه التلميذ للمساعدة على التعامل التدريجي مع هذا الإحباط المرتبط بعدم إشباع الرغبات، وخيبة الأمل في مواجهة الفشل، عن طريق التأجيل التدريجي لإشباع الحاجة المعلنة”  1 فهل أعدت المدرسة في الدول العربية طرائق التعليم عن بعد بما يكفي من الإعداد والتحيين لتحقيق ذلك الإشباع وتلبية تلك الحاجات الفورية؟

طالع أيضا  ذة. الكمري: مسار التحول الديمقراطي انطلق ولن يتوقف حتى يستكمل أهدافه

ثانيا/ إن التعليم عن بعد يفترض تعاقدات بيداغوجية وتربوية جديدة بين المدرس والمتمدرس، وهي تعاقدات لها خصوصيتها الافتراضية. فالأستاذ خلال حصة للتعليم عن بعد لا يمكنه أن يلامس، ولا يستطيع أن يتدخل في، البعد النفسي للمتعلم وما يحيط به أثناء الزمن الدراسي الافتراضي للحصة، ولا يتحكم في السيرورة التعليمية الحاسمة في التعليم الجماعي، ولا يتمكن من بناء تلك الروابط العاطفية بينه وبين المتعلمين، وغيرها من الشروط التي يوفرها وجود المتعلمين في الفصل الواحد. وهي قضايا كبرى تناولها علماء التربية والتعليم بالتحليل والتطوير، ولا يمكن أن نلقي كل ذلك جانبا ونتحدث عن “تعليم عن بعد” مجرد من الأحاسيس تماما، خاصة في المستويات الابتدائية والثانوية. ومعلوم أن هذه التعاقدات بين المدرس والمتعلم، وإن أخذت طابعا بيداغوجيا أو ديداكتيكيا واضحا، فهي في عمقها تدبير سيكولوجي وسوسيولوجي للحصة الدراسية يتم من خلالها معالجة التفاوتات وبث دفء الاجتماع في الفصل الواحد بقواعد عمل موحدة، وضوابط مشتركة تعطي بعض الإحساس بالتكافؤ في الفرص والوضعيات.

ثالثا/ إن الأستاذ الذي يلقي درسا تعليميا عن بعد يحتاج إلى كفايات خاصة تهم الإلقاء في هذا الأسلوب من التعليم، ومهارة التصميم التعليمي الرقمي. فضلا عن الحاجة إلى تغيير شامل في الخلفية التربوية التي يرى من خلالها المدرسون مهمتهم التعليمية والتربوية. “حيث هناك حاجة لتطوير علم أصول التدريس ليتلاءم مع المفاهيم التعلمية الجديدة، فعملية التعليم عبر الشبكة تتطلب من المدرس إعادة التفكير والنظر في تصور بنية المساقات الدراسية وإعادة التفكير بالعملية التقويمية أيضا” 2 ويطرح السؤال العريض في هذا السياق على الأعمال المختبرية والتجارب العلمية للتخصصات العلمية والهندسية.

كما أن المؤسسات التعليمية تحتاج إلى تجهيزات كافية لضمان سيرورة بوتيرة منتظمة للدروس. وهذا تختلف فيه مؤسسة عن أخرى خاصة عندما نقارن المؤسسات مجاليا؛ بين مؤسسات البوادي ومؤسسات الحواضر، وطبقيا؛ بين مؤسسات التعليم العمومي ومؤسسات التعليم الخصوصي. وبالتبع تكون النتيجة هي تعذر التكافؤ بين تلاميذ مؤسسة تعليمية وأخرى. ويبرز التحدي أكبر مع سرعة التغيير التكنولوجي في التقنيات والبرامج والأجهزة بما يتطلب جاهزية وتعبئة دائمة وتحيينا مستمرا للترسانة التقنية.

ب ـ تحدي التفاوتات الأصلية:

إن الأهم في هذه التجربة الاضطرارية هو أنها أسهمت في رفع الستار عن تحديات تتجاوز حدود المدرسة وإمكانياتها لتحقيق تعليم عن بعد منصف ودون الاخلال بمطلب العدالة الاجتماعية في المدرسة. وهذا يعيد النقاش إلى التفاوتات الأصلية التي تشكل أكبر عائق لتحقيق تكافؤ الفرص في إطار المنظومة التعليمية، بل تساهم في إعادة إنتاج التفاوت واللامساواة السوسيوتربوية والسوسيومهنية والسوسيوتموقعية وسط النسيج المجتمعي وطبقاته المتصارعة. ويمكن رصد هذا التأثير من خلال ثلاثة مستويات:

أولا/ أول ما يطرح في مسألة التعليم عن بعد هو الوسائل الضرورية التي ينبغي أن يتوفر عليها المتعلم لتلقي المادة التعليمية وتحقيق التواصل المفترض مع المعلم. ومن أهم هذه الوسائل أجهزة التكنولوجيات الذكية وصبيب الأنترنيت. وهنا يطرح مستوى العيش لدى الأس 3 ومدى قدرتها على توفير هذه الوسائل، خاصة عندما تضم هذه الأسر عددا كبيرا من الأطفال المتمدرسين، حيث تتضاعف تلك الحاجيات بتضاعف عددهم. صحيح أن هناك انتشارا واسعا للأجهزة الإلكترونية في مختلف الدول، لكن أثمنتها تظل خارج القدرة الشرائية للفئات الهشة والضعيفة، وهي الفئات التي تشكل النسبة الأكبر في المجتمعات العربية. الأمر نفسه يتعلق بتوفر صبيب الأنترنيت الكافي لتأمين اتصال ثابت ومستمر وبجودة عالية.

فيبرز تأثير الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسرة في تحقيق إنصاف تعليمي في إطار التعليم عن بعد، ذلك أن غياب هذه الإمكانات يضع عددا هائلا من المتعلمين في عطلة دراسية سابقة لأوانها، ويدفع آخرين إلى مغادرة المؤسسة التعليمية نهائيا بلا رجعة، فترتفع أرقام الهدر المدرسي ونعود إلى نقطة الصفر في مسار تحقيق مطلب توفير تعليم معمم ومنصف. ويتفاقم هذا الوضع الهش للأسر عندما نستحضر المتغير المجالي؛ فالقرى والمداشر والبوادي الجبلية تعيش فقرا ماديا وتكنولوجيا واتصاليا طافحا يضع أطفالها خارج التغطية التعليمية المفترضة فيما سمي بالتعليم عن بعد.

طالع أيضا  ذ. ركراكي: في العشر الأواخر شمّر وشُدّ المِئْزر

لا يمكن إذن أن نغمض أعيننا عن كل الإعاقات التي تسببها الأوضاع الاجتماعية والتي تحد بشكل كبير من نجاعة التعليم عن بعد. ولا يمكن أن نساوي بين الفئات الهشة والضعيفة والمتوسطة والغنية وكأنها فئات تمتلك الفرص ذاتها للاستفادة الناجعة من هذا النوع من التعليم. إننا بذلك نرسخ التفاوتات ونعمق الشرخ بين الفئات الاجتماعية ونحصل على نتائج جد ضعيفة في معركة العدالة التعليمية. فإذا كانت الدروس الحضورية تقدم عرضا متساويا “نسبيا”، من حيث الأمكنة والأفضية التربوية، والتجهيزات والأطر التعليمية لنفس الفئة الواردة على نفس المدرسة، فإن التعليم عن بعد أعاد الأمر إلى واقعه الطبيعي حيث أن تحقق تعليم الأطفال رهين بما يتوفر لديهم من تجهيزات، وهذه الأخيرة رهينة بما يتيحه الوضع الأسري الذي يختلف باختلاف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية. ففيما يشكل ذلك عائقا أمام أسر تعيش أنواعا من الهشاشة فإنه لا يطرح أصلا أمام الأسر الميسورة. ومع غياب تدخل الدولة لإنصاف الفئات الضعيفة يبقى رهان العدالة الاجتماعية معلقا إلى إشعار آخر. حيث ستبقى المنظومات التعليمية العربية مشغولة مزيدا من الوقت بالعدالة الكمية، حيث “تتوافق رؤى المساواة والجدارة هذه مع سياسات الدمقرطة “الكمية” للتعليم، أي الانفتاح التدريجي لنظام التعليم على الشرائح الاجتماعية التي كانت مستبعدة سابقًا منه” 4، في حين أن الإنصاف الحقيقي هو أبعد من مجرد توفير مقاعد إضافية لتلاميذ مفترضين.

ثانيا/ تعتبر الأسرة فاعلا أساسيا في العملية التعليمية عن بعد، ذلك أن هذه العملية تتطلب تتبعا ومواكبة ومصاحبة وتحفيزا مباشرا، وهو الدور الملقى على عاتق أفراد الأسرة الراشدين إزاء أطفالها. مما يزيح الستار عن سؤالين أساسين؛ يرتبط الأول بالاستقرار الأسري والثاني بالمستوى التعليمي والثقافي للأسر.

فالاستقرار الأسري هو مصدر الدفء العاطفي والاحتضان النفسي للطفل، وأي اهتزاز في هذا الاستقرار يعني أن الأجواء داخل الأسرة لن تكون إلا مشحونة بالشكل الذي يتعذر معه توفير أجواء التلقي والاستيعاب. وإذا كانت الفصول الدراسية توفر بشكل نسبي مستوى من المساواة بين التلاميذ، على الأقل بين أولئك الذين يرتادون نفس المدرسة، فإن التعلم في فضاء أسري غير مستقر ومشحون باضطرابات من العنف المادي والرمزي بأشكاله المتعددة، يعرض زمن الدراسة إلى الاهتزاز والتشويش مع ما يصاحبه من انفعالات نفسية مضرة بالتحصيل والتركيز. وعندما نضع مقابل ذلك تلاميذ آخرين يستفيدون من أجواء جيدة من الاستقرار الأسري والعاطفي فسنكون أمام وضعية اللاتكافؤ واللامساواة التعليمية فأحرى الإنصاف. ذلك أن الإنصاف لن يتحقق فقط بتوفير الفرصة بل أساسا بتوفير شروط متساوية للوصول إليها والاستفادة منها، وأيضا بتعويض الفئات المتضررة لتصل إلى مستوى مقبول من تلك الشروط. وهذا تحققه الدروس الحضورية حيث يتساوى، إلى حد ما، مختلف التلاميذ في الأجواء المكانية للتلقي والتعلم.

من جهة ثانية يبرز دور الأسرة ووعيها ومدى تتبعها لأبنائها في عمليتهم التعليمية بما يضمن مواكبتهم للدروس وجديتهم وتفاعلهم وحضورهم الفعلي والذهني والنفسي. وهو ما يتطلب تأهيلا لهذه الأسر ونسبة من الفهم والتعلم وقدرة على أداء وظيفة التعليم. إنه سؤال المستوى التعليمي والثقافي للأسر حيث تظهر الحاجة أكثر لتدخل الأسر في المراحل الأولى من التعليم حيث يفتقر الأطفال الصغار إلى مهارات التعلم الذاتي، ويطرح الأمر نفسه في مستويات أعلى في مواد دراسية ذات طابع تقني أو علمي خصوصا. فكيف نتصور تعليما عن بعد في غياب مستوى تعليمي معين لدى الراشدين في الأسرة؟ الأكيد أن هناك اختلافا بين الأسر على هذا المستوى، وهو بالضرورة سيبرز في شكل تفاوت في الفرص المتاحة بين المتعلمين المنتمين لهذه الأسر أو تلك. وهذا شيء وارد جدا ومتفاقم في دول العالم العربي مع ما تعرفه من ارتفاع في نسب الأمية الأبجدية والأمية العلمية.

وفي مستوى ثالث يطرح سؤال مدى وعي الأسر بهذه الأدوار واستعدادها لأدائها. فقد تكون الأسر مستقرة وتتمتع بمستوى تعليمي وثقافي محترم، لكنها قد تكون مستقيلة من مهامها في مواكبة أبنائها تعليميا اختيارا أو اضطرارا. فالتطور الذي تعرفه المجتمعات الحديثة يفرض خروج الأبوين معا للعمل طيلة اليوم، خاصة في الأوقات التي يباشر فيها المدرسون بث دروسهم عن بعد، وهي الأوقات التي تتطلب حضور أحد الراشدين في الأسرة إلى جانب القاصرين. كما يمكن أن يكون الإشكال فيعدم وعي مؤسسة الأسرة بهذه الأدوار الطارئة عليها والتي لم تألفها بعد أن سلمت منذ سنوات عديدة مشعل التعليم إلى مؤسسة المدرسة. ولتتم اليوم مطالبتها باسترجاع تلك الأدوار، لا بد من مجهودات من التوعية والتعبئة والتحسيس والإلزام، الشيء الذي يحتاج وقتا أطول وتأهيلا أكبر فيما يستمر التفاوت قائما، تفاوت الفرص مادام هناك تفاوت في استقرار وتأهيل واستعداد الأسر.

طالع أيضا  "الزنزانة 30" أو عندما تُلَخّص رزايا التعليم في المُدرّس

ثالثا/ يطرح وضع آخر يكرس التفاوت بين المتعلمين في التعليم عن بعد. يتعلق الأمر بطبيعة المسكن الذي يقطنه كل تلميذ. فظروف التعلم في المساكن الفسيحة والغرف الخاصة يختلف عن الوضع في الشقق الضيقة ومنازل الصفيح والأكواخ والعشوائيات. فكيف يمكن أن يجتمع ثلاثة أو أربعة إخوة في بيت ضيق ليتعلموا عن بعد بمستويات دراسية مختلفة؟ كيف نتصور التلقي والوضع النفسي لهم؟ كيف يتحقق اندماجهم التربوي وتجاوبهم مع العقد البيداغوجي خلال إلقاء المعلم للدروس؟ هذا إن توفر كل واحد منهم على جهاز إلكتروني خاص به، وإلا فإن الواقع يؤكد أن هناك تناوبا على تلك الأجهزة مما يجعل بعضهم يفوت دروسا لصالح دورس الآخر، أو يكتفي بتسجيلها ليعيد متابعتها مساء أو يتجاوزها تماما. وتتضاعف هذه الإشكالات لدى البيوت التي تفتقر للربط الكهربائي والربط الدائم بالأنترنيت فتضطر الأسر إلى التعبئة عبر بطاقات الدفع المسبق.

ويتعمق إشكال المسكن شيئا فشيئا مع الأزمة التي تعيشها المناطق النائية من جهة وأيضا أزمات الإسكان في المدن وضواحيها، والتي ولدت ما سماه هويت H.HOYT نظرية القطاع حيث يتم تقسيم المدن إلى ثلاثة قطاعات رئيسية 5؛ الأول مكون من مساكن موجهة للفئات الحضرية الفقيرة ذات الدخل المحدود، والثاني يضم مساكن الفئات المتوسطة، والثالث مخصص لمساكن الطبقات الميسورة. وهذا التقسيم لا يشمل فقط التوزيع الجغرافي وإنما أيضا شكل الأحياء والمباني، ومساحة المساكن ومرافقها الداخلية، وعدد غرفها وإضاءتها وتهويتها ومدى ربطها بالكهرباء وشبكة الأنترنيت وغيرها من المحددات التي يمكن أن تشكل عوامل مؤثرة على الوضعيات التي تتحول فيها المساكن إلى أفضية للتعليم.

ومعلوم أن هذه المستويات السكنية هي تعبير عن مستويات الدخل والوضع الاقتصادي للأسر، مما يعني أن أبناء الأسر الضعيفة هم المعرضون أكثر من غيرهم لعدم مواءمة مكان تعلمهم عن بعد مع شروط وظروف التلقي والتحصيل، الذي يمكن أن يستفيد منه آخرون وبوضعيات تفضيلية حاسمة ومؤثرة في خلق التمييز والإجهاز على التكافؤ والإنصاف.


[1] Jean-Marc Louis, Fabienne Ramond, L’élève contre l’école : scolariser les a-scolaire, (Paris : DUNOD, 2010), p120.
[2] طارق عبد الرؤوف عامر، التعليم عن بعد والتعليم المفتوح، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع،2015،www.yazori.com.
[3] رحسب التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد الصادر عن الأمم المتحدة / بيروت لسنة 2017 فإن “نسبة عدد الفقراء فقرا مدقعا تبلغ 13.4%، أما نسبة عدد الفقراء بما فيها الفقر المدقع فتبلغ 40.6% في البلدان العربية العشرة التي شملتها الدراسة وهي تونس، الأردن، مصر، الجزائر، المغرب، العراق، موريتانيا، السودان، اليمن وجزر القمر.
[4] Marie Duru-Bellat, Agnés Van Zanten, Sociologie de l’école, 4e édition, (Paris, Armand Colin, 2012), http://www.armand-colin.com.
[5] السيد الحسيني، دراسة في علم الاجتماع الحضري، (الإسكندرية: دار المعرفة،1997)، ص 140.