كلمة ألقاها الأستاذ عبد الكريم العلمي، رئيس مجلس شورى جماعة العدل والإحسان وعضو مجلس إرشادها، في حضور جمع من مسؤولي ومسؤولات الجماعة.

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

نجدد حمدنا وشكرنا لله -ولا نمل- أن يسّر لنا وييسر لنا سبحانه السبيل للتجالس في الله، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي تمر منها الأمة بل البشرية جمعاء. إنها فتنة شديدة الله وحده يعلم ما سيتمخض عنها، لكننا مأمورون بحسن الظن بالله، مدعوون بالوحيين إلى عدم اليأس من رَوْح الله. وما أظن أن هناك معنى لتمطيط الكلام والخوض هنا في التحاليل والتعاليق على هذه الفتنة العالمية الكالحة إلى حد الساعة، فما قيل ويقال في الموضوع من كل الجوانب العلمية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وغيرها قد يكون قد فاق ما قيل في أي موضوع آخر منذ عقود طويلة جدا. وإنما المطلوب هو بذل الجهد في التفكير، وبذل جهد أكبر في العمل، لاقتحام هذه العقبة الجديدة، أو قل المتجددة، التي يتحالف فيها بشكل سافر الاستبداد المحلي الذيلي التابع الملوكي والجمهوري والعشائري مع الاستكبار العالمي ورأس الحربة الصهيونية والصليبية المتصهينة.

كان من توفيق الله لأحبابنا الساهرين على تنظيم الذكرى التاسعة لوفاة الإمام المجدد رحمه الله أن اختاروا لموضوع النصيحة -نصيحة الوفاء- لهذه السنة، موضوع الاقتحام. وأعتقد، إخوتي الكرام وأخواتي الكريمات، أننا في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تجديد معاني اقتحام العقبة بكل تجلياتها وأبعادها في فكرنا وقلوبنا وأرواحنا وسلوكنا، فكما قال الأستاذ المرشد رحمه الله في “مقدمات في المنهاج”: “المنهاج النبوي أجملناه في هذه العبارة “اقتحام العقبة إلى الله عز وجل”1. ثم أوضح رحمه الله ما ينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يأخذوه ويعملوا به من هذا المفهوم، قال رحمه الله: “فأول ما نفهمه من العبارة تحرك سالك إلى مسلوك إليه، صعداً وارتقاءً. تقرب العبد إلى ربه. فكل ما يصرف العبد عن هذه الوجهة، أو يعرقل هذه الحركة، أو ينسيها أثناء السير، أو يذيبها في الانتشار الفكري والشغل الجماعي خطر يهدد عملنا بالسطحية، ثم بالغفلة، ثم بالانحراف. نسأل الله السلامة والعافية، عافية المجاهدين في سبيله” 2. آمين يا رب العالمين. أورد رحمه الله كلامه هذا في مبحث “السلوك” وهو المبحث الأول من مباحث الفصل الثالث “اقتحام العقبة إلى الله عز وجل”، فكما تلاحظون إخوتي وأخواتي أن كل كلمة مما سبق تتطلب وقوفا طويلا وتدبرا عميقا. فهو سلوك وسير واقتحام يقوم به الفرد والجماعة معا، لايغني أحدهما عن الآخر، ولا يكتمل سلوك المؤمن واقتحامه للعقبات إلا مع الجماعة، ولا تستطيع الجماعة تحقيق هذا الاقتحام والفلاح فيه إلا بوجود رجال ونساء وطنوا أنفسهم على الاستجابة الكاملة للنداء الإلهي بالاقتحام.

طالع أيضا  "سفينة الروح" مع الدكتور ياسين لحلو - الحلقة الثانية (فيديو)

ولنستمع مرة أخرى للحبيب المرشد رحمه الله وهو يصف العقبة المراد اقتحامها، والشروط التي ينبغي توفرها في العضو، والمواصفات التي يجب أن تتصف بها الجماعة إذا أردنا أن يكون هناك اقتحام حقيقي، اقتحام يبلغ مداه إلى ذروة العقبة: الجهاد، وإلا فستكون الأخرى لا قدر الله، يقول رحمه الله: “العقبة المراد اقتحامها في حق الفرد والجماعة تتكون من واقع مرِج، متحرك، معاد لإرادة السالك، مليء بالأشواك والأعداء، فإن لم يكن الفرد تربى على الجندية العنيدة، إن لم يكن مقاتلا يستهين بالموت فما دونها، وإن لم تكن الجماعة من التنظيم وصواب الرؤية وصلاح القيادة فلن يكون جهاد، بل تصالحٌ مع الواقع في مرحلة من المراحل، في منعطف تاريخي ما، عند كبوة أخلاقية، أو عثرة  تكتيكية، أو سوء تقدير أعقبه سوء تدبير” 3. والعاصم الله.

إنه رحمه الله يعتبر أن هذا التذكير بالعقبة والنداء، وضرورة محاربة الاستسلام، ووجوب الجهاد داخل الجماعة ومع الجماعة، على خطى المنهاج وضوحا وفعالية “قضية حياة أو موت” 4. والعبارة عبارته.

فالرجاء في الله عظيم أن تبقى هذه المعاني حية في قلوبنا وسلوكنا، وأن تزداد في سيرنا وسير إخوتنا وأخواتنا على مرِّ الأيام والأعوام، والرجاء في الله عظيم كذلك أن يصحبنا هذا الهم ما تبقى من أعمارنا، وأن يكون ما ننام عليه دائما أبدا إخوانا وأخواتٍ نية الاقتحام، وما نستيقظ عليه عزْمة الاقتحام، بتوفيق من الله وتسديد وإلهام.

إن ما يُطلب إلى المؤمن والمؤمنة ليس بالأمر السهل الهيّن، فلن يتأتى لأي واحد هذا الجمع العالي بين معاني العدل والإحسان الكاملين الشاملين، لن يتأتى ذلك إلا لمن ألهمه الله تقوى نفسه وإصلاح أمته وسعى لكل ذلك سعيه، إنه هم جليل بل إنه الهمُّ الأجل. يقول الإمام المجدد رحمه الله عن هذا الهم وعن هذه المهمة التي ينبغي أن تجري في مفاصل وأوصال الجماعة مجرى الدم في العروق، والنص من كتاب “سنة الله”: “إن مهمتنا الأولى أيها الأحباب اليوم وغدا وبعد غد، أن نكون روحا سارية في المجتمع موصولة بأجيال بعدنا إلى يوم القيامة تتحسن نوعيةُ إيمانِها، وترتفع همتها الإحسانية جيلا بعد جيل، وتنتشر، وتعم” 5.

طالع أيضا  فتيحة وخلود وأسماء.. أم وزوجتان يحكين مظلومية تغييب صحفيين في سجون المغرب

كلام نفيس بمثابة خطوط عريضة لبرنامج استراتيجي مُمْتدّ في الزمان وأجيال الإنسان يقوم أساسا على النوعية الإيمانية والهمة الإحسانية، وهما أشرف وأنبل ما تُحارَب فيه الأمة اليوم، بل بدأت الحرب منذ أمد غير قريب، ويُعدُّون الآن العدة لغد يريدونه طويلا، ولكن الله وعد ووعده حقٌّ حاشا أن يتخلف أن كل حرب يوقدونها -والفتنة أشد من القتل- سيطفئها سبحانه. فهذا التحالف بين قوى الشر المحلية وبين أمكر وأعتى قوة عالمية محتلة لروح الاستكبار، وهي الصهيونية، مؤشر بإذن الله على أن المواجهة الحقيقية والحاسمة تقترب شيئا فشيئا، لكن في أفق الله أعلم بمداه وبشكله وكيفيته، يقول الأستاذ المرشد رحمه الله في كتاب “سنة الله” كذلك بعد حديثه الطويل عن المكر السيئ لليهود الصهاينة: “وفي عصرنا جاء بهم الله جلت عظمته لفيفا ليوم “وعد الآخرة” وهو يوم من أيام القومة الإسلامية، بعد الوحدة أو قبلها الله أعلم” 6.

جاء بهم سبحانه لفيفا سرطانيا هناك في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الآن خلايا هذا اللفيف السرطانية تمتد وتنتشر في كل جسم الأمة، أو في كثير من أعضاء هذا الجسم، لحكمة يعلَمُها الله ورحمة يُرَبِّي بها الرب الرحيم هذه الأمة، لعل من هذه الحكمة وهذه الرحمة، وإن كانت في صورة نقمة (صورة التطبيع)، هو أن يتداعى الجسد كله بشكل كلي وأصيل ومباشر، وليس تعاطفا فقط مع عضو من أعضائه، لأن هذا التعاطف والتراحم الذي وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم  المؤمنين وجَسَدَهم شرطه أن يكون جسدا واحدا، وهو الشرط الذي انفرط ولايزال ينفرط. فالمهمة الأساس الآن وغدا، وكما سمعنا من الإمام المجدد رحمه الله من قبل، هي أن نبذل كل الجهد لنكون روحا سارية في المجتمع، ثم إن شاء الله في الأمة، تغالب وتصاول معتمدة على الله الروح الأخرى الشيطانية الصهيونية السارية في جزء غير قليل من العالم، وهو الجزء المتحكم لحد الساعة في هذا العالم. عقبة كبرى نقول عنها ما كان يقوله الحبيب المرشد رحمه الله بعد ذكر مثل هذه العقبات: والله أكبر.

الإخوة الكرام والأخوات الكريمات: أنهي هذه الكلمات بالتذكير بكلمات لسيدي عبد السلام رحمه الله ينبغي أن يرشح كل واحد وكل واحدة نفسه ونفسها للتحقق والتخلق بها.

طالع أيضا  سلسلة عبودية القلب | الحلقة 9 | سلامة القلب مقدمة النصر والتمكين

1.    “الخلفاء”: وردت هذه الكلمة في كتاب “الإحسان”، وكان الشيخ الندوي رحمه الله يذكرها كثيرا خاصة في كتاب “ربانية لا رهبانية” وكتاب “رجال الفكر والدعوة في الإسلام”. والمقصود بكلمة “الخلفاء” من يأتون بعد العارف بالله المربي من تلاميذ وأصحاب يخلفونه بخير في ما خلّف.

2.    ” أولاد” العارفين المعنويون: فالمشايخ العارفون بالله منهم من ينقطع نسله، ومنهم من يَقل أولاده، ومنهم من يكثر أولاده ويبلّغون بعده ما بلّغه لهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحوال وأعمال وأخلاق. وهنا ينبغي أن نستحضر في قلوبنا وعقولنا وعملنا قول الإمام المجدد رحمه الله: “أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية” 7. فنسعى بعون من الله وتوفيق لنكون من هؤلاء الأبناء المعنويين المحسنين المبلغين عنه جيلاً بعد جيل.

3.    “ولدي من سلك طريقي واهتدى بهديي”: هذه العبارة للشيخ أبي النجيب السهروردي رحمه الله أوردها الأستاذ المرشد رحمه الله في مبحث “ولادة القلب” في فصل “الصحبة والجماعة” من كتاب “الإحسان”، وهي معيار واضح وشرط حاسم لتحقيق تلك البنوة المعنوية آنفة الذكر، والتي لا يطرأ عليها الفناء كما لا يطرأ الفناء على أصلها الأبوة المعنوية، وطريق الإمام المجدد وهديه رحمه الله هو الاتباع الكامل لطريقِ المصطفى صلى الله عليه وسلم وهديِه في الأنفس وآفاق الأمة والعالمين.

أسأل الله أن يستعملنا ويستخدمنا في دعوته وطاعته كخير ما استعمل عباداً من عباده. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


[1] مقدمات في المنهاج، ص50.
[2] نفسه، ص50 و51.
[3] مقدمات في المنهاج، ص 74 و75.
[4] نفسه، ص71.
[5] سنة الله، ص265.
[6] سنة الله، ص305.
[7] الإحسان، 1/23.