يروم هذا المقال أن يسلط الضوء على مضامين كلمة فضيلة الأمين العام الأستاذ محمد عبادي في لقاء مع ثلة من قيادات الجماعة، نشرها ـــ تعميما للفائدة مشكورا مأجورا ـــ موقع “الجماعة. نت” بتاريخ: فاتح فبراير 2022؛ كلمة عددت أصول دعوة جماعة العدل والإحسان.

وقبل ذلك، وجب التنبيه إلى أن الحديث عن “دعوة” العدل والإحسان يُقصد بها الشق الدعوي باعتباره الأساس في المشروع التغييري لجماعة العدل والإحسان، وبعبارة أدق، يُقصد بها الشق الإحساني، والذي يقابله الشق العدلي، بما هو توفير لأسباب الحياة الكريمة للناس، وما تتطلبه من عدالة اجتماعية وحرية وكرامة.

وإذا كان المشروع المجتمعي الذي تقترحه جماعة العدل والإحسان تميزه خصائص منها الأصالة والشمولية والواقعية والمرونة والمستقبلية، فإن الشق الدعوي فيه تميزه أصول تنظم “سيرنا الفردي والجماعي إلى الله. لأننا إذا غفلنا عنها يوشك أن تضيع الدعوة، ونضيع معها”، لا قدر الله.

أصول خمسة نستعرضها تباعا:

1. الدعوة إلى الله:

ميزت الكلمة/الرسالة بين مستويين من الدعوة، دعوة إلى الإسلام ودعوة إلى الله تعالى، فالأولى مبدأ ومنطلق، والثانية منتهى وغاية. وإذا كانت الأولى تتطلب حدا معينا من العلم والفهم وقدرة على التبليغ، فإن الدعوة إلى الله تتطلب معرفة الله تعالى وقطع أشواط بعيدة في السلوك والترقي في مدارج الإيمان. الدعوة إلى الإسلام دلالة على مقتضيات الإسلام، بما هي أعمال وأركان وسلوك وتعاملات، والدعوة إلى الله تحقق من جوهر هذه الأعمال والعبادات. إذ “لابد من الحرص على جوهر العبادة وحقيقتها، لا على مظاهرها وأشكالها، كي نرتقي بها في مراتب القرب من الله”. وإذا كانت عبادة الجوارح ضرورية، فإن المعول عليه معها وبعدها هو العبادة القلبية، لأنها “ليست مظروفة بزمان، فهي متاحة في كل وقت”.

طالع أيضا  تجليات إحسانية (1)

واستحضارا لسؤال الكيف، ذكّرت الكلمة/الرسالة ببعض الوسائل التربوية للراغب في الانخراط في مشروع الدعوة، ومنها لزوم التوبة معالجة لمظاهر هوى النفس وفطمها عن مألوفاتها المثبطة عن طلب وجه الله، في إطار صحبة في جماعة ذاكرة لله، متهمّمة بأحوال العباد، رفيقة رحيمة بهم.

2. الربانية:

نسبة إلى الربّ وانتسابا إليه، وتقتضي مع إخلاص النية والوجهة لله الافتقار والتجرد من كل حول وقوة والتخلص من حظ النفس. “فالرباني قائم بالله، يعطي لله، ويمنع لله، يحب في الله، ويبغض في الله، فهو لله ومع الله وإلى الله”. لله وجهة وسيرا، وإلى الله أوبة ومعادا، ومع الله مراقبة وحضورا دائما.

دعوة بهذه المحددات تستحق صفة “الربانية”، وتحوز التأييد الإلهي، “يصنعها الله على عينه، فهو الذي يحفظها ويكلؤها ويُمَكّن لها، وما الحاملون لها إلا أدوات مسخرة بيد القدرة الإلهية”.

3. النورانية:

    يقال: “حال رجل أبلغ في ألف رجل، من قول ألف رجل في رجل”. فشتان بين تأثير الحال وتأثير المقال، فالحال يخاطب القلب والوجدان، والقول يخاطب العقل. والدعوة إنما تستمد تأثيرها ويتضاعف منسوب مفعولها بما مع الداعي من نور قلبي انصلح به سره، ونور الله تعالى به بصيرته. “وبهذا النور يمشي في الناس، يُحيي به القلوب الميتة لا بالمواعظ الباردة والكلام الجاف… هذا النور يغشى القلب فيورّثه الرحمة، ويغشى العقل فيورّثه الحكمة، ويسري في الجوارح فيدفعها للعمل والبذل بلا كلل ولا ملل، وبدون هذا النور تبقى دعوتنا شكلية لا تجد آذانا صاغية”.

4. الجهادية:

تحفيزا للهمم، وشحذا للإرادات، ومحاربة للدعة والتذرع بذرائع وهمية، جاء التذكير بضرورة استحضار البعد الجهادي في ممارسة أعباء الدعوة والقيام بواجباتها؛ بعدٌ جهادي ينبغي أن يصاحب المؤمن كما المؤمنة بما هو نفَس اقتحامي لعقبات النفس، وبما هو ذروة الإسلام وسنامه رتب عليه الشرع الحنيف أعظم ثواب يُعلي أسنى مقامات القرب من الله، في كل ما يُؤتى من الأعمال لا صغيرَ ولا ثانويَّ فيها، تُؤتى كلها بأدق تخطيط، وتنفذ بنفس الحماس والطاقة والتعظيم. وعلى قدر ما يتوفر من روحانية تتنزل الأنوار، وتعم البركات، وتسدد الخطى، ويتحقق المقصود. 

طالع أيضا  صلةُ الرّحم.. عملية بمدخلات ومخرجات

5. التجديدية:

تقترح جماعة العدل والإحسان على الناس مشروعا مجتمعيا تعتبره رافعة لمشروع عمران أخوي لبّه تربية نبوية على هدي من الله وسنة نبيه، ندب الإمام المرشد رحمه الله حياته لتأصيله وفق رؤية تجديدية تعيد للدين صفاءه في القلوب، وحيويته في شحذ الهمم، وفاعليته في واقع الأمة. “إن أهم مجال -يؤكد الأمين العام للجماعة- جدد فيه الإمام رحمه الله هو المجال التربوي. فالتربية قبله كانت قائمة على الصحبة الفردية، فأرجعها إلى الأصل الذي كانت عليه زمن النبوة والخلافة الراشدة، فربط الصحبة بالجهاد وقرن الصحبة بالجماعة وفي الجماعة”.

هذه أصول دعوة العدل والإحسان، كما تناولتها بالبسط والتأصيل رسالة سماحة الأمين العام الأستاذ محمد عبادي، والتي أشار في بدايتها إلى تداعيات وباء كورونا ومراعاة مجالس الجماعة وأنشطتها لهذا العارض، وما تضطلع به هذه المجالس من وظائف تربوية تفتل في تعميق الصحبة والتحاب في الله والتنافس في الخيرات، سائلا الله الكريم الوهاب أن يرفع عن الأمة الوباء وكل بلاء وعناء.  

والحمد لله رب العالمين.