قدمت منظمة “أوكسفام” دراسة صادمة حول وضعية سوق الشغل في المغرب، والذي يعرف “هشاشة” كبيرة، كما تعرف نسب العاطلين عن العمل فيه “ازديادا مطردا“، بالإضافة إلى حيف كبير في صفوف العاملات من النساء.

التقرير الصادر خلال يناير الجاري ويجيب عن سؤال تعثر النموذج التنموي، تحدث عن “فرصة ديموغرافية تاريخية للتنمية” بدأت في المغرب سنة 2000 ويقدر أنها ستنتهي سنة 2040، فالأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة -الذين يعدّون فئة السكان في سن العمل- يشكلون الآن أعلى نسبة من الساكنة، خلافاً للأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة أو تفوق 64 سنة والذين يشكلون الفئة التي يُعيلها المجتمع.

ولاحظ التقرير أن اثنين وعشرين سنة مضت ومعدل الإعالة يعرف أقل نسبة، أي ضغطا أقَلَّ على السكان النشيطين، وهو ما يعدّ “فرصة ديمغرافية سانحة” لتحسين إمكانات نمو البلاد، لأن نسبة السكان البالغين سنّ العمل تكون أكبر، مما يرفع من نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام، بالإضافة إلى انخفاض النفقات المفروضة على الُأسَر، مما يسمح بالزيادة من مستوى المدخرات، وبالتالي تحسين تمويل الاستثمار، كل هذا ممكن إن “تمكَّن المغرب من الاستفادة حقّ الاستفادة” من هذه الفرصة، كما يضيف التقرير.

غير أن أوكسفام نبهت إلى ان  أن هذه الفرصة تشرف على نهايتها في سنة 2040، إذ ستعود نسبة السكان المُعالين لترتفع مقارنة بالسكان البالغين سن العمل، ولكن بشكل أسوء هذه المرة، لأن الهرم السكاني سينقلب؛ فقبل الألفية الثانية كانت نسبة السكان المعالين ممن تقل أعمارهم عن الـ 15 سنة هي المرتفعة أما الآن فسترتفع نسبة السكان المعالين ممن تفوق أعمارهم 64 سنة، أي سيتقلص الهرم السكاني تدريجيا في قاعدته الشابة، وتتزايد حصة السكان في أطوار الشيخوخة، وهو ما يعني ثقلا كبيرا ستلقي به معاشات التقاعد مستقبلا على كاهل عدد محدود من السكان النشيطين.

طالع أيضا  الذكرى العاشرة لرحيل أحمد الملاخ

ماذا فعل المغرب في نصف مدة هذه الفرصة التاريخية؟ ضيّعها مع الأسف دون أن يحسن الاستفادة منها، ودليل ذلك ما يورده التقرير من تراجع في متوسط نمو الناتج الداخلي الخام للبلد بين العشرية الأولى والعشرية الثانية من هذا القرن، حيث بلغ في المتوسط %4.9 سنويًا بين سنتي 2000 و2010، في حين انخفض إلى %2.3 بين 2010 و2019، وهو ما يرجعه التقرير لارتباط النموذج الاقتصادي الوثيق بالقطاع الفلاحي وبالتالي التساقطات المطرية.

يضاف إلى النمو الاقتصادي غير المنتظم في المغرب، أوجه القصور المتعددة التي تعتري سوق الشغل، إلى حدّ أنّه لا يمكنها أن تؤدي إلى نمو سريع ومستدام في نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام، لإدماج أشد فئات السكان ضعفاً. وهذا ما دفع المنظمة إلى تخصيص هذا التقرير لدراسة موضوع: “سوق الشغل بالمغرب: تحديات هيكلية، وسبل إصلاح من أجل تقليص أوجه اللا مساواة“.

الدراسة قالت أن “خلق فرص عمل في المغرب ليس كافيا، مما يؤدي إلى ضعف معدل النشاط، وإلى بطالة هيكلية عالية نسبيا“، متابعة بأن “مناصب الشغل التي يتم إحداثها غير كافية لاستيعاب تزايد عدد السكان البالغين سن العمل“.

فقد عرفت العشرون سنة الماضية ارتفاع عدد سكان المغرب بأكثر من 7 ملايين، ازداد فيها عدد السكان البالغين سن العمل بمتوسط 370 ألف نسمة سنويا، لم يلج فعليا إلى سوق العمل سوى 88 ألف منهم فقط، أي بنسبة تقارب %23. وقد كان من المفترض حسب تقرير المنظمة أن يوفّر سوق الشغل بالمغرب حوالي 280 ألف منصب شغل سنويا حتى يستطيع استيعاب أعداد العاطلين، إلا أنه تم إحداث 90 ألف منصب سنويا، مما سبّب ارتفاعا في أعداد السكان غير النشيطين بشكل مطرد.

طالع أيضا  استطلاع رسمي: معرفة الشباب بالبرامج الموجهة لهم  ضعيفة.. وناشطة: المشكل أعمق من التواصل ومن البرامج

العجز الهيكلي“، حسب وصف الدراسة، الذي يعتري إحداث فرص الشغل أدى إلى انخفاض كبير لنسبة المشاركة في سوق الشغل، حيث تراجع معدل النشاط من %55.7 إلى %46 في صفوف السكان البالغين سـن العمل في الفترة الزمنية المدروسة. مع تسجيل التفاوت بين معدل النشاط في كل من الوسط القروي والحضري، حيث انخفض هذا المعدل من %64.9 إلى %53.3 لدى سكان العالم القروي في سن العمل، في حين تراجع هذا المعدل من %48.9 إلى %42.1 في الوسط الحضري.

الأرقام كشفت أن أقل من نصف السكان البالغين سن العمل هم فقط المندمجون في سوق الشغل حاليا، سواء أكانوا يعملون أو يبحثون عن عمل. وهو ما يعني أن انعكاسات هذه الوضعية شديدة التأثير على توزيع الثروة ونصيب الفرد المغربي منها، كما تحمل في طياتها عواقب اجتماعية وخيمة، سيما بالنسبة لفئات السكان الضعيفة، والمهمشة، مما يترتب عنها عزل جزء كبير من السكان، شيئا فشيئا.

أوكسفام أوضحت أن معدلات البطالة في صفوف الشباب المغربي شهدت ارتفاعا كبيرا في السنوات الماضية، خاصة في الوسط الحضري، وذلك في ظل عدم كفاية المناصب المحدثة للأعداد المتزايدة، حيث وصل معدل البطالة وسط الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى %24 خلال سنة 2019، ويسير في اتجاه تصاعدي. وبالنسبة للشباب الذين يتراوح عمرهم بين 25 و34 سنة فقد وصل إلى %15، وهو المعدل الذي يرتفع إلى %20 بالوسط الحضري. وتعدّ هذه الفئة العمرية الأكثر بطالة مقارنة ببقية الفئات السكانية.

أما بالنسبة للنساء فقد بينّت الدراسة استمرار ارتفاع نسبة تمثيلهن في القطاعات ذات ظروف العمل الصعبة والهشة، خاصة في الفلاحة والنسيج والعمل المنزلي، والاقتصاد غير المهيكل عموما. كما تجد المرأة صعوبة أكبر من الرجل في الحصول على وظيفة بمستوى تعليمي مماثل، كيفما كان مستواها التعليمي.

طالع أيضا  "أحبار وأفكار" يستضيف د. متوكل لبسط تصور الجماعة حول قضايا الحكم والسياسة

وقدمت المنظمة مجموعة من التوصيات التي تنص على ضرورة “اتخاذ تدابير قوية وعاجلة“، تفرض نفسها للتصدي لأزمة عدم المساواة والحيف الاجتماعي الذي تعرف وضعية الشغل في المغرب.